تستمر الدورة الرابعة لـ «أيام بيروت السينمائية» التي افتتحت مساء السبت الماضي بالعرض العالمي الأول للفيلم اللبناني الجديد «فلافل» لميشال كمّون، لغاية الرابع والعشرين من سبتمبر الحالي، ويُعرض فيها ثلاثون فيلماً عربياً وأجنبياً مهتمّاً بشؤون عربية متنوّعة، كون هذا المهرجان الذي تنظّمه «جمعية بيروت دي سي» مرّة واحدة كل عامين، متخصّصاً بـ «العالم العربي»، أي بالأفلام العربية أولاً، والأفلام الأجنبية التي تُعنى بالقضايا العربية، السياسية والاجتماعية والإنسانية.
لم تشأ إدارة المهرجان أن تؤجّل الدورة الرابعة إلى وقت لاحق، على الرغم من الأحداث المأساوية التي سبّبتها الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان واللبنانيين. تقول مديرة المهرجان هانيا مروّة: «أصررت على الموعد نفسه، لأني شعرت أنه لا يجوز لهذه الحرب، التي عطّلت كل شيء، أن تستمرّ في تعطيل المهرجان والحركة الثقافية والفنية.
إن الطريقة التي استخدمتها إسرائيل في تدمير لبنان تعني، من بين أمور عدّة، أنها تريد تأجيل الحياة، لهذا، قرّرت أن أستمرّ في العيش، وأردت للحياة الثقافية أن تُكمل مسارها.
هذا نوع من التحدّي. أضف إلى ذلك أن هناك سؤالاً ألحّ عليّ كثيراً في فترة التحضيرات الأخيرة: قيل لي إنه من المستحسن تأجيل موعد الدورة الرابعة إلى وقت آخر، قد يكون «أسلم وأفضل». لكني تساءلت:
متى سيأتي هذا الوقت «الأسلم والأفضل»؟ متى سيحين مثل هذا الوقت الذي أستطيع أن أقول فيه إن الوضع استقرّ، وبات يُمكن إقامة المهرجان؟ شخصياً، أنا لا أرى هذا الوقت إلاّ الآن، أي في هذه اللحظة».
ورأت مروّة أن «ضيق الوقت الذي أتيح لاستكمال البرنامج كلّه، أي الفترة التي فصلت بين الرابع عشر من أغسطس والسادس عشر من سبتمبر، بالإضافة إلى العامل المالي أيضاً، إذ انخفضت الميزانية الموضوعة إلى نصفها تقريباً، حتّمت علينا تقليص عدد أيام الدورة الرابعة، وخفض عدد الأفلام المشاركة، أمور أدّت إلى إجراء تعديلات معينة على الخطّة الموضوعة سابقاً.
مثلاً، ألغيت ندوتان أساسيتان: الأولى متعلّقة بالسينما الغنائية والاستعراضية والموسيقى العربية، قديماً وحديثاً، والثانية متعلّقة بالرقابة على النتاج الفني والسينمائي.
كما ألغيت ورشة عمل خاصّة بالإنتاج والمنتجين، كانت إدارة المهرجان ترغب من خلالها في إفساح المجال أمام السينمائيين الشباب للتعرّف على أصول الإنتاج وقواعده، بإتاحة الفرصة لهم للتعرّف على منتجين غربيين».
إن تخفيض الميزانية إلى نصفها سببه «تبدّل الاهتمامات لدى بعض المموّلين، بعد انتهاء الحرب الأخيرة. إذ لم يعد العمل الثقافي يحتلّ الأولوية في الاهتمامات الغربية. السفارة الفرنسية مثلاً، التي كانت تساعدنا لوجستياً (دعوة مخرجين فرنسيين، استيراد بعض الأفلام بواسطة الحقيبة الديبلوماسية، إلخ...) باتت منشغلة حالياً بالجوانب الإنسانية:
عودة اللاجئين، إعادة الإعمار، عمليات الإغاثة. هذا مهم جداً. لكني أعتبر أن تغييب العامل الثقافي وعدم الاستمرار في دعمه أمرٌ خطرٌ. هذا ما تفعله سفارات أجنبية أخرى أيضاً. في التسعينات المنصرمة، انصبّ مشروع إعادة إعمار بيروت على الحجر فقط. هذا ما يحدث اليوم أيضاً. لا أحد ينتبه إلى أن الجانب الثقافي مهمّ ويجب دعمه».
إلى ذلك، قالت مروّة إن أموراً عدّة «جميلة ومهمّة» نجح المهرجان بدورته هذه في تحقيقها: «حصوله على حقّ العرض اللبناني الأول لفيلمين لبنانيين لم يُعرض أحدهما سابقاً في لبنان، في حين أن الثاني لم يعرض نهائياً بعد:
«أطلال» لغسان سلهب (شارك في الدورة الأخيرة في أغسطس الفائت لمهرجان لوكارنو في سويسرا، فقط) و«فلافل» لميشال كمّون الذي اخترناه لافتتاح الدورة الرابعة، في عرضه العالمي الأول.
هناك أيضاً مساهمتنا في إعادة افتتاح صالة مسرح تابعة لفرقة كركلا اللبنانية، التي تشهد حفلة غنائية في ختام الدورة الرابعة تحييها الفنانة اللبنانية ريما خشيش بعنوان «لو فيك تحكي للحبايب شو بني...»، تُقدّم فيها مجموعة من الأغاني التي هجرت الأفلام لتنطلق وتبحر في حياة وقصّة خاصّة، بعيداً عن الروايات والقصص التي أوجدتها. بمعنى آخر، اختارت ريما خشيش لأمسيتها هذه مجموعة من «الألحان السينمائية»، في محاولة لاستعادة زمن جميل مضى».
وأضافت مروّة: «أتاحت الدورة الأخيرة هذه فرصة لنشاطات فنية أخرى: عرض موسيقي راقص بعنوان «لا» لزاد ملتقى ويالدا يونس، ومحاضرة يلقيها المخرج والأستاذ الجامعي بسّام حداد، المقيم في الولايات المتحدّة الأميركية بعنوان «كيفية تغطية الإعلام الأميركي للصراع في الشرق الأوسط» وعرض فيلمه الوثائقي «إرهاب الدولة»، في حين أن الفنان اللبناني ربيع مروّة يُقدّم عرضاً يمزج الفيديو بالمحاضرة بعنوان «كيف بدّي وقف تدخين؟».
هذه أمور تصبّ في خانة الإبداع الفني الذي يتكامل مع النشاط السينمائي المتنوّع، علماً أننا نخصّص أمسية بأفلام أنجزها مخرجون لبنانيون وعرب وأجانب، مقيمون في لبنان أو خارجه، خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان.
وهي أفلام قصيرة، تُعرض تحت عنوان «أفلام تحت الحصار»، ويُفترض بالحاضرين أن يناقشوها بعد عرضها، في إطار البحث في العلاقة القائمة بين الصورة والحدث، وموقع السينما إزاءهما».
من ناحية أخرى، قدّمت هانيا مروّة صورة حسّية عن الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي والسينمائي في لبنان والعالم العربي، وعن التراكمات التي أحدثتها المرحلة الفائتة بتناقضاتها وآلامها وعنفها، والتي أدّت إلى تنظيم الدورة الرابعة في موعدها المحدّد سابقاً: «في الوقت الذي تتوجّه فيه أنظار العالم كلّه إلى هذه المنطقة، يحاول المخرجون العرب تحليل واقعهم، بعيداً عن الأفكار الجاهزة أو الكليشيهات والشعارات.
هكذا بدأت مقدّمة الدورة الثالثة للمهرجان قبل عامين، وهكذا تبدأ الدورة الرابعة أيضاً، لأن أنظار العالم لا تزال تتجه نحو هذه المنطقة، خجولة وحذرة أو متعاطفة، ولا يزال المخرجون يحاولون فهم واقعهم بعيداً عن الشعارات، فيعطون لهذا الواقع بُعداً جديداً أكثر إنسانية وأقرب إلى الحياة».
وأضافت مروّة: «في لبنان مثلاً، وخلف ضجيج الحرب والسلم والنقاش الصاخب الدائر حولهما، هناك من يعمل بصمت وقلق، بحثاً في مكان ما عن هوية وانتماء.
لا يزال المخرجون مضطرين للبحث عن تمويل خارجي لأفلامهم، أو ينتجون أعمالهم بأنفسهم من دون إمكانيات، وفي ظلّ غياب صندوق دعم حقيقي تأخّرت ولادته كثيراً».
ورأت مروّة «أن الجميع مضطرّون للحصول على إذن مسبق من الرقابة لعرض هذه الأفلام على جمهورها الطبيعي، والموزّعون يغامرون حين يقرّرون توزيع أفلام عربية مستقلّة أو بديلة أو مختلفة عن الإنتاج التجاري السائد، ويحاولون إيجاد مكان لهذه الأفلام في السوق المحلية التي لا تقبل بأي استثناء ثقافي.
ومع هذا، فإن هناك من يغامر أكثر، بافتتاح قاعات مسرحية وصالات سينمائية «تؤمن» بجمهور افتراضي، ومنظّمو المهرجانات الثقافية على أنواعها بدأوا بمبادرات فردية محدودة وجدت لها، بعد وقت، مكاناً وجمهوراً، فأصبحت تشكّل جزءاً أساسياً من هوية هذا الوطن، لكنهم لا يزالون يخافون من ارتهان هذه المشاريع بالكامل للتمويل الخارجي».
وانتهت مروّة إلى القول: «هذا هو الواقع اللبناني والعربي الذي لا يلفت نظر أحد. وبما أن شيئاً من هذا الواقع لم يتغيّر، فلماذا تأجيل مشاريعنا إلى الغد؟ وإلى أي غد؟
ومتى سيكون الوقت مناسباً أكثر؟ أعود وأكرّر لك فأقول إنه لهذا كلّه بقي الموعد المحدّد سابقاً للدورة الرابعة على حاله، وإن صعبت الظروف، وضاق المكان، وتغيّرت معالم المدينة التي يحمل المهرجان اسمها وأقفلت الحدود».
بيروت ـ نديم جرجوره
