كان ذلك في زمن الممالك المتحاربة. قبل ألفي عام، لم يخطر في بال المليون صيني الذين بنوا السور العظيم أن جسما طائرا من بلد بعيد سيحلق يوما فوق الحجارة الصلدة. لم يكن بمقدورهم التأكد أن في السماء أجساما محلقة غير الطيور الكاسرة والأليفة، وغير الشمس. بعد ألفي عام وأكثر، ها هي طائرة تشق فضاء بكين، يوميا، وتكاد لا ترى، لشدة ارتفاعها، من أعلى السور المهيب.
الطائرة تحمل اسم الإمارات وعلامتها: »طيران الإمارات«، الناقلة، في رحلاتها المكثفة حديثا الى بلاد التنين، لم تصل متأخرة، بل جاءت في الميعاد تماما. فكل المشاريع الواعدة والصفقات التي سيعقدها في المستقبل القريب جموع رجال الأعمال العرب مع الصينيين، لا تحتاج أكثر من طائرة مريحة تنقل الشخصيات القيادية الى بلد الاقتصاد الذي سيصبح الأول في العقد المقبل.
»طيران الإمارات« كثفت تحليقها في سماء »ورشة العالم«، الصين، واحتفلت بوصولها بكين، ضمن أجواء لا تقل سحرا عن أسطورية السور نفسه أو عجائبية القصر الصيفي والمدينة المحرمة وغيرها من معالم العاصمة الصينية.
تقول الأرقام الحديثة ان نمو الاقتصاد الصيني في الربع الثاني من هذا العام بلغ 3.11% وهو النمو الأعلى خلال السنوات العشر الماضية، اما نمو الصادرات فقد ارتفع الى 8% قياسا الى الفترة ذاتها من العام الماضي. أما حجم الاستثمار الأجنبي، في البلد الذي احتاج الى مئات السنين ليقرر الانفتاح على العالم، فقد وصل الى 32.7 مليار دولار أميركي، وتركزت مصادره من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا ودول أخرى، ومن الخليج العربي وتحديدا الإمارات .
وعلى الرغم من المعلومات التي تتناقلها الصحافة المحلية في الدولة عن استثمارات إماراتية في مجال العقار والبناء والتصنيع واستشارات الخدمات قد دخلت الصين، الا أن المسؤولين الصينيين لا يبدون راغبين بإعطاء الكثير من التفاصيل. قلة الكلام واحدة من الطبائع الصينية الكثيرة، التي تشمل أيضا الليونة والخفة وسرعة التكيف. وهي، تحديدا، المعاني التي يوحي بها رمز الصين الخالد، أي التنين.
دبي الأكثر حضورا بين الـ »آلابو«!
في الطريق الممتدة خارج مسرح »ماكروكوزن«، الذي يقدم العروض البهلوانية المدهشة، تنتشر إعلانات »طيران الإمارات«، مخططة باللغة الصينية. لا يعرف الجيل الجديد من الصينيين، الذي انفتح على الثقافة العالمية بفضل الإعلام والانترنت، وصار بوسعه أن يسافر خارج حدود الصين وهو الأمر الذي كان محظورا على آبائه وأجداده..
لا يعرف هذا الجيل الكثير عن بلاد العرب، بالرغم من التاريخ الموغل في القدم للعلاقات التجارية بين بلاد العرب ومسلميها وبين الصينيين، والتي كان أشد صورها وضوحا قوافل طريق الحرير. لذلك هم يختصرون بلاد العرب كلها بمفردة واحدة هي »آلابو«، أي العرب.
لكنّ دبي استثناء. يكفي أن تلفظ اسمها أمام الدليل السياحي، الصبية ساني، كي تعرب عن رغبتها بزيارة المدينة التي »سمعت عنها الكثير وعن فنادقها ذات النجوم السبعة«. تقول ساني انها سوف تستفيد من المعروضات التي يقدمها »طيران الإمارات« حاليا، مواكبة مع افتتاح خطه الجديد الى العاصمة، بعد شانغهاي وبكين.
إذ قامت الناقلة بهذه المناسبة بتقديم عرض خاص للمسافرين بين دبي وبكين، يحظى بموجبه المسافرون على متن الدرجة الأولى ودرجة رجال الأعمال على إقامة مجانية في فندق فاخر في بكين، بينما يحظى المسافرون على متن الدرجة السياحية بسعر استثنائي قدره 1800 درهم لتذكرة الذهاب والعودة بين دبي وبكين.
وبالإضافة إلى ذلك ستتاح الفرصة للمسافرين من دولة الإمارات العربية المتحدة الذين يحجزون تذاكر سفرهم إلى بكين عبر الشبكة فرصة المشاركة في سحب على 4 جوائز، تتيح للفائزين استعادة كامل قيمة تذاكر سفرهم.
تقول إحدى الفتيات المسافرات على متن الطائرة، في رحلتها الأولى، ان مبلغ 1800درهم هو مبلغ زهيد، للوصول الى بكين جنة التسوق التي تستطيع أن تحصل من مركز (سيلك سانتير) فيها على آخر صيحات الموضة من ألبسة وأحذية وحقائب، إضافة الى الإكسسوارات والإلكترونيات، بأسعار زهيدة تكاد لا تصدق.
على متن طائرة ايرباص الحديثة، وصلت الصبية الى العاصمة قادمة من دبي ورحلة اي كي 306. انها الرحلة اليومية والتي تغادر من دبي يومياً في الساعة 10.15 صباحاً لتصل إلى العاصمة الصينية بكين في الساعة 22.00 ليلاً، وتغادر رحلة العودة من بكين في منتصف الليل لتصل إلى دبي في الساعة 5.50 فجراً.
وتستخدم طيران الإمارات على الخط الجديد الذي يعد ثالث وجهة لها في الصين بعد شانغهاي وهونغ كونغ، طائرة حديثة من طراز إيرباص أ 340 ـ 300 تضم 267 مقعداً بتوزيع الدرجات الثلاث (12 مقعداً في الدرجة الأولى، 42 مقعداً في درجة رجال الأعمال و213 مقعداً في الدرجة السياحية)، كما تستوعب 13 طناً من الشحن.
عين التنين
كان على غيث الغيث، النائب التنفيذي لرئيس طيران الإمارات للعمليات التجارية، أن يحبس أنفاسه وهو يضع نقطة ملونة في عين التنين. تلك عادة صينية تقليدية تقضي بدرء الحسد، كما الاعتراف بمقدرة التنين على التكيف والليونة.
في القاعة التي غصت بجموع الصحافيين الصينيين والعرب، كما بالسفراء ومسؤولين رفيعين في الناقلة، بدت أسئلة الزملاء الصينيين نهمة لمعرفة كل شيء. كل شيء وأي شيء عن الإمارات وشركة طيرانها التي اقتحمت، الى الآن، فضاءات ثلاث وجهات مهمة في الدولة. هونغ كونغ وشانغهاي، الوجهتان التجاريتان بامتياز، إضافة الى بكين، الوجهة السياسية والسياحية.
الإجابات، التي خضعت لترجمة دقيقة، تناقلتها الصحف الصينية في اليوم التالي، لتضاف الصور المنشورة في صفحات الصحف الصينية الى الإعلانات التي غزت شوارع العاصمة بشعار الناقلة. شيء يدعو الى الفرح، والغيث يعبر عن هذا الفخر باستعادة جملة الزعيم الصيني ماوتسي تونغ الذي خلده شعبه بتحنيطه في ساحة »ربيع بكين«، والذي قال يوما: »ليس إنسانا حقيقيا من لم يزر سور الصين العظيم«.
يكتسب هذا اليوم أهمية بالغة في تاريخ طيران الإمارات . فبالإضافة إلى إطلاق خدمة بكين اليومية، أضفنا ثلاث رحلات أسبوعياً إلى هونغ كونغ، التي كانت أول محطة لنا في الصين، كما عززنا خدماتنا إلى مدينة بيرث الأسترالية لتصبح رحلتين يومياً، وزدنا عدد رحلاتنا إلى كوالالمبور، يقول الغيث بنظرة واثقة تخوض مباشرة في عين التنين.
فمع انطلاق الخدمة الجديدة إلى بكين، أصبحت طيران الإمارات تخدم الصين برحلات يومية للركاب و6 رحلات شحن أسبوعياً إلى شانغهاي، وبرحلة يومية إلى بكين، و10 رحلات شحن و17 رحلة ركاب أسبوعياً إلى هونغ كونغ.
ويؤكد الغيث على القيمة الاقتصادية التي ستستفيد منها دبي، جراء افتتاح الخطوط الى الصين، إذ أن أكثر من 60% من الطائرات المنطلقة من بكين الى وجهات في المنطقة، ستمر عبر مطار دبي. فعلى سبيل المثال، يؤمن مطار دبي لمستقل الطائرة من شانغهاي المرور الى 40 وجهة مختلفة، عبر مطار الإمارة.
ويقول ان 15% من ركاب الطائرات الآتية من الصين الى دبي هم من فئة رجال الأعمال: »وقد يبدو الرقم متواضعا الا أن القيمة مرتفعة، اذ تنفق هذه الفئة أكثر من المسافرين العاديين على متن الطائرة«.