تختتم مساء اليوم فعاليات مهرجان طنجة للفيلم القصير المتوسطي، بإعلان نتائج الأسماء الفائزة في المسابقة الرسمية وبجائزتي أفضل دور رجالي وأفضل دور نسائي، في قاعة سينما روكسي وسط مدينة طنجة في شمال المغرب، بعد عروض تجاوزت المئة فيلم قصير، أكثرها لم تكن ذات مستوى ولا تستحق ان تعرض، كونها لا تحمل هواجس الفن والإنسان في زمن الخواء الثقافي الذي تنثره «العولمة» الساعية إلى تعميم التسطيح وتمويل القلق الداخلي إلى هوامش خارجية لا تؤثر، ولا تكوِّن فاعلية تخدم الإنسان وقضاياه.
ولا تتحمل إدارة المهرجان مسؤولية مستوى العروض، لأن هذا ما قدم إليها من مستويات ان كانت عربية، أو من مدن المتوسط الأخرى، فمن مالطا مثلاً عرض فيلم «الجناح 66» عن مكان يعزل الناس فيه.ويعاملون كمجانين من إخراج بين كاثلين طانشي، وانجليك مولر اللتين شاركتا في هذا العمل المتدني إلى جانب أفلام أخرى تشاركه المستوى ذاته من تونس، «السرير» اخراج حمادي عرافة، و«التيرنه» إخراج الأسعد وملاقي، و«ريح الشمال» من تركيا، و«خدم» من كرواتيا، و«متأخرة» من مصر، وثلاثة أفلام من لبنان، لا ينجو منها إلا فيلم «إلى اللقاء» للمخرج فؤاد عليوان الذي يبدو الأفضل في كل عروض المسابقة الرسمية حتى اللحظة.
أكثر من ثلثي أفلام المسابقة بدت أفلاماً عائلية ومدرسية، تظهر ضعفاً أكثر مما تظهر فناً أو إبداعاً، حاملة ادعاء الفن من دون ان تنضح به، كما هي أيضاً أكثر الأفلام المغربية في فعالية عروض خاصة، تقع بمعظمها في الكثير من الرتابة والعجز وما وقعت عليه الأفلام المذكورة في بداية المقالة، والأفلام المغربية الثلاثة ستعرض بعد ظهر اليوم كآخر العروض، عليها تكون أفضل من العروض الأخرى حتى يتسنى لها الفوز بأي جائزة كتعويض معنوي كون المهرجان على أرض المغرب.
ويقول رئيس لجنة التحكيم مومن السميحي عن حظ المغرب في هذه الدورة بالفوز: «المغرب حاضر في الأفلام المشاركة وفي لجنة التحكيم، لكن الجنسية لا تدخل ضمن معايير عمل لجان التحكيم، وهاجس البحث عن قيم البحر الأبيض المتوسط من دون شوفينية، وبالطبع ان الأعمال الجيدة، هي التي تفرض نفسها على لجنة التحكيم وكأنها هي التي تختار اللجنة».
عروض تثير النقاشات
وكانت العروض التي يقدمها مهرجان طنجة للفيلم القصير المتوسطى، قد استمرت بإثارة نقاشات وحوارات قلما نراها في مهرجانات سينمائية أخرى لا تعني بهذا النوع السينمائي، المسمى الفيلم القصير الذي يختص فيه هذا المهرجان، ويوليه الاهتمام اللازم الذي قد يعوض شيئاً من الإهمال العربي الثقافي والفني للفيلم القصير الذي يبدو في أحسن حالاته عربياً حين يقدم في زاوية خاصة في المهرجانات الدولية من دون عناية أو اكتراث.
وميزة الفيلم القصير أنه أقل تجارية من أنواع سينمائية أخرى، فحجم إنتاجه بسيط اذا ما قيس بإنتاج الأفلام الطويلة، لكنه يستطيع بما يتمتع به من كثافة بصرية ان ينجز بدقائق ما يستطيع ان يفعله الفيلم الطويل بساعات. ليس من مفاضلة بين هذا وذاك، إذا سنحت الفرصة بتوازن للاثنين هذا صعب الحصول، لكنه غير مستحيل.
تلى العروض اللبنانية أول من أمس ثلاثة أفلام من ايطاليا ومثلها من فلسطين وفرنسا والجزائر، والبرتغال وعلى واحد من كرواتيا تحت عنوان «خدم» إخراج زدافكو موستاك، من 33 دقيقة عن حياة زوجين تتحكم بهما ضغوطات الحياة، لكنهما يواجهانها بالمثابرة حيناً وبالثورة أحياناً ويحاولان المحافظة على الدوام على علاقتهم بالمجتمع.
فيلم جيد لكن حظه قليل بالفوز أمام الأفلام القوية المعروضة، منها الفيلم الإيطالي «حياة موازية» للمخرج فرانشيسكو بالادينو السامر في تصنيع صوره المنغصة كما نصه، كما الكادر، كما الشخصيات كأن الانتظار يعيد تشكيل المشهد على ذاته، إلى تناقض يصبح ضرورة للوحدة النفسية التي تبدو «كولاجية» تجميعية هي التركيبة البشرية من دون مواربة. عمل من مستوى الأعمال الكبيرة لا تنقصه فنيات أو تقنيات، الطريقة مفتوحة أمامه لنيل جوائز في هذا المهرجان وفي غيره.
وبمستوى ليس أقل، يأتي الفيلم الايطالي الثاني «واجب في الفصل» من إخراج دانييل كلاسيلا، الذي يقدم قصة من نوع المسكوت عنه، حين تطلب معلمة مدرسة ابتدائية من تلاميذها الكتابة عن شخص مهم في حياتهم، فينفضح أمر سر كبير مزق روح طفلة دون العاشرة من خلال اعتداءات تعرضت لها من قبل والدها، مستويات «واجب في الفصل» الفنية والتقنية تركته في موقع أفضل العروض حتى اللحظة في المهرجان.
الفيلم الايطالي الثالث في المسابقة الرسمية هو «ياسمين» عن فتاة مغربية مهاجرة إلى ايطاليا تقع في علاقة غرامية مع شاب ايطالي يدعى مارو، حيث المفاهيم مختلفة بين اثنين وعالمين، اخرج الشريط ماريو كارفالو، بفقر تخييلي واضح، ومن دون أي مستوى فني، والسيناريو ضعيف غير متماسك إلى حد الهزال.
وإذا ما قورن هذا الفيلم بفيلم علا طبري الفلسطينية «شتات» عن قصة مشابهة لامرأة عربية مهاجرة تنظر إلى الماضي في حاضرها الذي يبدو غامضاً، كما هو المكان أيضاً يحتاج إلى مفاتيح كي تعبر بواباته الكبيرة «شتات» كان قد عرض في برنامج «أفاق» العام الماضي في مهرجان البندقية وحاز على تنويه النقاد.
«ياسمين تغني» إخراج الفلسطينية نجوى نجار صاحبة العين السينمائية القادرة على ان تخلف الكاميرا وتؤلف مشاهدها أمام المشاهد مباشرة، بمعنى ان الكادر يبدو عفوياً، بتقصد يميز أسلوب نجار في عرض قصة فيلمها عن شاب يبيع الورود يلتقي بشابة يقرر لها أهلها مسار حياتها من دون استشارتها، محاولة الخروج من مأزقها بالرفض وبدعم الشاب الحالم، يبدو الحب بمعانيه الصافية حالة مضادة للأسر والإلغاء، كل عناصر فيلم نجوى نجار مكتملة وناضجة.
إذا كانت السياسة قد باعدت ما بين فرنسا والجزائر، فالسينما تجمعهما في حالات طنجة بعروض عادية المستوى ، فقد قدم حسن فرحاتي فيلمه «نوافذ الجزائر» الذي يسمى بأنه عمل طوبوغرافي، و«بدون دعابة» لحميد سايمي أفضل من غيره لكنه ليس تحفة فنية، عن قصة امرأة تكتشف ان عشيقها لا يحبها. ويبقى فيلم كريم موسوي «الذي يجب فعله» المتوسط الحال، عن سيناريو كتبه بنفسه، حول رجل تأذى من خلال شجار وتاه في مستشفيات المدينة.
الأفلام الفرنسية لم تكن أفضل حالاً من الجزائرية، فقدم لووك ووترز «جنحة من دون قصد»، الذي ينقصه الكثير من فنيات وتقنيات ليصبح فيلماً، وبمستوى مسرحي عمل يان لومينو في فيلمه «مشنقة نوفمبر» في نصف ساعة «طويلة» لفيلم قصير تخبط بشر أعماله بتحويل الكادر إلى منصة مسرحية وخسر كل إيرادات السينما.
وحده فيلم «خطوات جان» الفرنسي كان مقبولاً حول قصة عن شقيقين في السبعين من العمر تدخل حياتهما صدفة امرأة فتدب الغيرة بينهما، في إطار انساني كوميدي ورقيق، تستمد الكاميرا لقطاتها منسابة في فضاء فيه شيء من الإبداع الذي كان قوياً في فيلم البرتغالي ليسونوا نوافو، «مولد» المميز بين أكثر العروض في المسابقة الرسمية.
بانوراما مغربية
ما ينطبق على عروض الجزائر وفرنسا في الدورة الرابعة لمهرجان طنجة للفيلم القصير، يسحب ذاته على نسبة مرتفعة من عروض «بانوراما» الخاصة بالأفلام المغربية حيث قدم محمد عهد بنسودة «عيون القلب» و«هدية المولد» بضعف تقني، ومع ان سيناريو «عيون القلب» مقتبس عن رواية مسرحية، كان يتيح الشغل أكثر على فنيات بدل التكرار والاجترار على 27 دقيقة، كانت قاسية على أعصاب المشاهد الذي يتابع هذه التظاهرة بعناية ويتلقى وجبة سينمائية كبيرة بمشاهدته أكثر من 20 فيلماً في اليوم.
«الأسطورة الحضرية المغربية»، فيلم ليس لعنوانه علاقة بأحداثه إلا ما افترضه المخرج مهدي الخاودي بأن سيناريو فيلمه مستمد من قصص الموروث الشعبي، وهذا افتراض ليس إلا، لأن هذا العنوان التقديري والوصفي الإنشائي أضاف رداءة على رداءة لا يمكن التغاضي عنها وإغفالها. «اليد اليمنى» فيلم رشيد بنزين فيه «غرافيك» وتشكيل لوني في لوحة سينمائية عن سجين سياسي يضع بكفة أفكاره عن الحرية والعدالة.
فيلم جيد يحمل قضية الإنسان بأسلوب ذكي يلمع فيه الفن، كما يلمع بدرجة أقل في فيلم «العمارية» من إخراج صلاح الجبلي، عن قصة شاب تصدمه أرقام تكلفة حفل عرسه القريب، فيتخيل انه يسرق البنوك ليقع في النهاية في يد العدالة، بأسلوب ساخر كوميدي لتزاوج التطور مع العادات البالية.
طنجة ـ حسين قطايا:

