أدرك العديد من الهيئات والمؤسسات المحلية والعالمية الدور المحوري لأسلوب التعامل مع المشاريع في تحقيق الأهداف الاستراتيجية، مما حتّم عليها ربط مشاريعها مع الأهداف الاستراتيجية بطريقة تتيح للإدارة العليا والمسؤولين المعنيين، تفادي الأضرار التي قد تنجم عن غياب هذا الترابط، وتؤثر سلباً على الأهداف المنشودة.
ومن هذه الأضرار نقص الموارد المالية لتمويل المشاريع، والتأخر في اتخاذ القرارات الخاصة بها وبالتالي عدم إنجازها في الوقت المناسب، إضافة إلى عدم اختيار المشاريع التي تتفق مع الخطط الاستراتيجية، وعدم توفر الموارد البشرية اللازمة، وإلغاء المشاريع بعد انطلاقها، وغيرها. ولمعالجة هذه المشكلة، بدأ العديد من الهيئات العالمية في تطبيق ما يعرف بـ » إدارة محافظ المشاريع«، أي بمعنى تجميع عدد من المشاريع والمبادرات لكي تتم إدارتها كمحفظة واحدة في ضوء الأهداف الاستراتيجية للهيئة المعنية.
تتيح »إدارة محافظ المشاريع« للشخص المسؤول عنها، القيام بعدة سيناريوهات لتقييم جوانب مختلفة، مثل الموازنة بين مستوى المخاطر وحجم المنفعة، وتوفير الموارد المالية والبشرية وأشياء أخرى قد تتطلبها عملية تنفيذ تلك المشاريع؛ وكذلك المقارنة بين المشاريع طويلة الأمد مع المشاريع قصيرة الأمد؛ وربط المشاريع بالأهداف الاستراتيجية.
ويضاف إلى ذلك، أن »إدارة محافظ المشاريع« تساعد مسؤولي الهيئة المعنية في تحديد الأولويات لتنفيذ المشاريع وذلك من خلال تطبيق معايير محايدة. وتتمثل إحدى أهم منافع تطبيق استراتيجية »إدارة محافظ المشاريع« في تمكين الإدارة العليا من تحليل وقياس نتائج استخدام المنتجات والخدمات التي توفرها المشاريع المنجزة، وذلك عبر تقييم المردود المادي أو المعنوي مقارنة بحجم الاستثمارات في تلك المشاريع، وحساب العائد على الاستثمار.
من ناحية أخرى، يساعد هذا الأسلوب الإدارة العليا على تحديد ومعرفة أهمية وأولوية أي مشروع بغض النظر عن قيمته أو طبيعته، ليصار بعد ذلك إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة التي تضمن نجاحه. وليس بالضرورة أن تكون مشاريع المحفظة الواحدة، مترابطة وتعتمد على بعضها البعض، فلكل مشروع منتجات وخدمات تختلف في نتائجها عن منتجات وخدمات المشاريع الأخرى. ولكن ما يجمع المشاريع هي تداخلها وترابطها على صعيد تحقيق الهدف الاستراتيجي، وكذلك التنافس فيما بينها على الموارد المالية والبشرية وغيرها.
وكمثال على كيفية استخدام »إدارة محافظ المشاريع«، لنفترض أن الحكومة في بلد ما أعدت بيانها الوزاري الذي يتضمن أهدافها الاستراتيجية التي تسعى إلى تحقيقها خلال الفترة المقبلة، والذي على أساسه نالت ثقة البرلمان أو الحاكم. ويتم بناءً على ذلك، تحديد الغايات الواجب الوصول إليها والمشاريع والمبادرات التي يجب على كل وزارة أو هيئة رسمية القيام بها لتحقيق تلك الغايات.
وبعد ذلك تقوم كل وزارة بتحديد المشاريع والمبادرات التي تنوي القيام بها خلال الفترة المقبلة، وتقديم الكلفة المتوقعة لكل منها وذلك لكي يتسنى لها إعداد الميزانية والحصول على موافقة الجهات المختصة. غير أن المشكلة التي قد تبرز هنا تتمثل في أن تكون لكل وزارة أولوياتها الخاصة في تنفيذ مشاريعها، والتي قد تتعارض مع أولويات وزارة أخرى لديها مشاريع خاصة بها، وقد يكون لكل منها دور في تحقيق هدف استراتيجي معين.
وعلى فرض أن أحد الأهداف الاستراتيجية للحكومة هو تقنين استهلاك الطاقة الكهربائية، فإن الوصول إلى هذا الهدف يتطلب أولاً تحقيق أمور عديدة منها على سبيل المثال، تعزيز وعي المجتمع بضرورة تقنين استهلاك الكهرباء، وتطوير مواصفات خاصة بالمباني تسهم في تقليل استهلاك الكهرباء، وصيانة محطات الكهرباء الرئيسية والفرعية لتحسين أدائها، واستبدال محطات توليد الطاقة الحالية بأخرى أكثر كفاءة، وزيادة تعرفة استهلاك الكهرباء، وتوعية الشباب بأهمية استهلاك الكهرباء بشكل رشيد، وتذكير البالغين بأن الإسراف يتناقض مع المبادئ الدينية، ووضع ضوابط لترخيص البناء منها اشتراط عدم تخطي حاجة المبنى من الكهرباء حداً معيناً، وفرض رسوم إضافية على المعدات ذات الاستهلاك الكهربائي العالي، والكثير من مثل هذه الإجراءات.
وبقراءة سريعة لتلك الغايات يتبين لنا مباشرة أن تحقيق الهدف المنشود يتطلب مشاريع عديدة تتولى القيام بها وزارات وهيئات مختلفة، مثل وزارة الكهرباء والماء، وزارة الأشغال، وزارة التربية، وزارة الشؤون الدينية، وزارة التجارة والاقتصاد، والبلدية وغيرها. وهذا يعني أنه يتوجب على الجهة المسؤولة عن تحقيق الهدف الاستراتيجي، التأكد من تحديد المشاريع المناسبة بدقة، وتوفير الموارد التي تتطلبها، إضافة إلى متابعتها بما يضمن عدم وجود ما يمنع تنفيذها بنجاح.
الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة »سي إم سي إس«
Bassam.Samman@cmcs.ae