قال محللون إن انتقال مصادر القلق العالمية من مجال الاقتصاد إلى مجال السياسة ساعد روسيا على شغل مكانة لائقة بين الدول الكبرى. فهي لم تصبح عضوا في الثماني الكبار فحسب ، بل وترأست قمة هذه الدول في بطرسبورغ الصيف الماضي. وفي الوقت ذاته فإن الوضع الاقتصادي لروسيا لا يبدو واضحا في أعين الرأي العام الدولي كما تبدو لوحة تعزيز مواقع روسيا في السياسة الخارجية.

ووفقاً لاولئك المحللين فإن توسع وتوغل شركات الغاز والنفط والتعدين الروسية في الأسواق الغربية يشكل لدى الغرب أحيانا انطباعا بأن الاقتصاد الروسي يرتكز على تلك البلدان لكن الأمور ليست كذلك. ففي روسيا نوع آخر من ممارسة التجارة والأعمال. وحسب معطيات وزارة التنمية الاقتصادية والتجارة يوجد في روسيا حوالي مليون شركة صغرى مسجلة رسميا،

إضافة إلى حوالي خمسة ملايين رجل أعمال يمارسون التجارة الحرة فرديا. وحصة رأس المال الصغير تشكل نسبة 12% من الناتج المحلي الإجمالي لكن هذا القطاع يوفر فرص عمل لخمس سكان روسيا. وطبعا هذا ليس بمستوى فرنسا حيث يعمل في قطاع الأعمال الخاصة الصغيرة أكثر من 15 مليون شخص يشكلون نصف عدد العاملين في البلاد ويؤمنون أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي.

ويرى أولئك المحللون أنه من الضروري إجراء مقارنات منصفة عند تشريح الحالة الاقتصادية الروسية، فعلى سبيل المثال يمتد تاريخ اقتصاد السوق في فرنسا، مثلها مثل غيرها من الدول الغربية، لمئات السنين في حين يمكن القول انه لا يزيد على مدة 15 سنة فقط في روسيا.

وعدا عن ذلك ترافقت الحركة باتجاه السوق في روسيا مع هزات صاعقة عانى منها في المقام الأول الضعفاء أي من كان ينبغي أن يشكل ركيزة اقتصاد السوق في روسيا. ففي البداية جرى تحرير الأسعار الذي يعتبر حقا بداية الإصلاح في روسيا عام 1992 لكنه أفضى إلى تضخم هائل التهم عمليا جميع مدخرات السكان في مرحلة ما قبل الإصلاح.

ثم جاء عام 1998 حيث أدت سياسة الاستقراض المغامرة، التي يسميها وزير المالية الحالي "خطيئة"، إلى إفلاس الدولة على المستوى القومي والتي عانى منها أيضا الرأسمال الصغير والمتوسط الذي بدا بدون سيولة نقدية كانت قد احترقت في البنوك المفلسة.

ويمكن التأكيد الآن أن روسيا دخلت مرحلة تطور الممارسة الجماعية للتجارة والأعمال وحركة السوق فقط بعد صحوتها من صعقة إفلاس عام 1998 ما تطلب هدر عدة سنوات.

ومن المفهوم تماما أن تعزز الممارسة الجماهيرية للتجارة والأعمال ووقوفها على أرجلها بثبات يحددان ليس مستوى سمعة روسيا بل وعافية السكان الاجتماعية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل ستتمكن روسيا القوية على الساحة الدولية من أن تصبح قوية اقتصاديا ليس من ناحية وتأثر النمو الاقتصادي فحسب بل ومن ناحية تطوير اقتصاد السوق على المستوى الجماهيري ما سيجعلها أشد شبها بشركائها في »الثماني الكبار«؟

وهنالك الكثير من المؤشرات التي تؤكد أن موسكو تمضي بقوة نحو الوصول لمرتبة اقتصادية مؤثرة. وفي هذا الإطار قالت إدارة الجمارك الاتحادية الروسية إن الفائض التجاري الروسي ارتفع بنسبة 27.4 % إلى 100.1 مليار دولار في الأشهر السبعة الأولى من السنة من 78.6 مليارا في الفترة المقابلة من العام الماضي.

وأوضحت البيانات أن الصادرات ارتفعت خلال تلك الفترة بنسبة 29.7% إلى 168.6 مليار دولار بينما زادت الواردات 23.1% إلى 68.5 مليار دولار. وحققت روسيا ثاني أكبر مصدر للنفط في العالم بعد السعودية مكاسب كبيرة من ارتفاع أسعار النفط.

(وكالات)