كلما شارفت أيام مهرجان البندقية السينمائي على الانتهاء، كلما ازدادت التحليلات والتوقعات، حول من سيفوز بالجائزة الكبرى، وبكأس «فولبي» لأفضل ممثل وممثلة. فالمقاهي البحرية على شواطئ جزيرة «الليدو»، مكان إقامة المهرجان، تعج بالصحافيين من كل جنسيات العالم، يحللون وينتقدون العروض، ويمنحون ذاك جائزة أفضل ممثل، ولآخر أكثر من «أسد ذهبي» دفعة واحدة،

ويسقطون أحدهم، ويرفعون أحياناً من هو أقل منه جودة، ومنهم من بدل رأيه أكثر من ثلاث مرات خلال أسبوع واحد، بتعليل أنه لم يكن قد شاهد الكثير من أفلام المسابقة. أكثر من 1500 صحافي ومراسل لوسائل إعلامية متنوعة، حضروا من جميع أنحاء العالم ليواكبوا هذا الحدث السينمائي الضخم، وأهميته المتزايدة عند السينمائيين من فنيين وتقنيين،

إلى شركات التوزيع والإنتاج والنقاد ووسائل الإعلام المختلفة التي تتساوى بأعداد مندوبيها مع أعداد رجال الأمن والشرطة، كأن لكل صحافي شرطيا يحرسه، أو «يحرس» الاحتفال منه إذ يجوز على الأمر كلا الوجهين، فقيادة الشرطة الإيطالية كررت ما فعلته السنة الماضية،

بالحصول على كل الملفات الشخصية لكل المدعويين، من دون أن تعلق الصحف الإيطالية والأوروبية على هذا الأمر بقساوة العام الماضي، بل تم التعاطي مع خبر له دلالات وتفسيرات كثيرة ببرودة الخائف.. من الإرهاب ربما!

وإذا صحت هذه الـ «ربما» فقد تتحول القضية إلى مأساة ودعوة إلى الشفقة على فناني ومثقفي أوروبا الذين يستجيبون لوهم الخوف المصنوع بعناية من المراجع الرسمية في أوروبا والغرب عموماً، وليس هذا التراجع الأخلاقي والمهني معزولاً عن تراجعات أخرى ذكرها قد يطول، لكن الالتباس بالصورة العامة على ما يبدو تحصيل حاصل في زمن «العولمة» في كل مكان.

الملفت بترشيحات الصحافيين للأفلام في المسابقة الرسمية، أنها لا تستند إلى الانتماء القومي، فالمعيار هو فني بحت. فترى الآراء الصينية منقسمة حول الأفلام الإيطالية والأميركية، على عكس «الطليان» الذين يرشح معظمهم ثلاثة أفلام هي «فولن» للنمساوية بربارا البرت، و«بوبي وورك إن بروغواس» إخراج الأميركي اميليو استفيز،

و«تخوفات خاصة في مكان عام» للمخرج الفرنسي آلان ريزني، والإنجليز يتحمسون مع الهولنديين للأفلام الأميركية وفي طليعتها «بلاك داليا» و«هوليوود لاند»، والألمان الذين تلاحقهم عقدة المرحلة النازية في تاريخهم السياسي، تجمهروا حول «الكتاب الأسود» فيلم الهولندي بول فيرهوفن الذي تخلى عنه مواطنوه أنفسهم، وليجد العون من البلد الذي يدينه في الفيلم، ألمانيا «النازية» التي اضطهدت اليهود وغيرهم.

«ذا فاونتن» نال حصة وافرة من الانتقادات السلبية، وهو من إخراج دارين أرنوفوسكي من أميركا، وإذا نال هذا العمل أي اعتبار في توزيع الجوائز، سيشكل مفاجأة توازي «فجيعة»، ومعجزة بالنسبة للنقاد والمراسلين. لكن زمن المعجزات قد انتهى كما يقول مراسل أسبوعية سينمائية أميركية.

«الملكة» فيلم ستيفن فريرز يكال له المديح من أكثرية الصحافيين الذين يجمعون على فيلمي «عنف في المدينة» من كوريا الجنوبية، و«مركز التجارة العالمي» من خارج المسابقة على أنهما أفضل العروض في كل المهرجان.

من برنامج «آفاق» لفت الفيلم السوري، «أنا الذي أحضر الزهور إلى قبري» (من إخراج مشترك بين هالة العبدالله وعامر البيك)، كل من شاهده من الصحافيين في العروض الخاصة. هيلاري سوانك ترشحها أوساط النقاد إلى كأس «فولبي» لأفضل ممثلة، وادريان برودي لأفضل ممثل، وهو يستحق، كما هو نيكولاس كيج مذهل في فيلم أوليفر ستون.

البندقية ـ حسين قطايا