في النصف الأخير من الشهر الماضي التأمت اجتماعات موسعة لمناقشة استراتيجية مشتركة للعمل الاقتصادي والاجتماعي العربي عن طريق جامعة الدول العربية وبرئاسة الأمين العام للجامعة، ولم يتبين ما إذا كانت هذه الاستراتيجية متضمنة مساراً جديداً يختلف عن مسارات مجلس الوحدة الاقتصادية العربية والتي تشمل تقريبا كل قطاعات الاقتصاد العربي،
خاصة بعد أن أنشأ المجلس شركات مشتركة لتشجيع الاستثمار البيني والتجارة البينية وبعد أن تم إقرار اتفاقية الاتحادات الاقتصادية التي بلغت حاليا ما يقرب من 43 اتحاداً وكان آخرها الاتحاد العربي للمصدرين والمستوردين وعلوم الفضاء والفلك.
والاستراتيجية الجديدة للعمل العربي المشترك التي تمت مناقشتها برئاسة الأمين العام لجامعة الدول العربية اعتمدت ـ كما يقولون ـ على قرارات القمة العربية الأخيرة ووفق رؤى القيادات العربية وتتضمن جوانب استثمارية وتجارية بينية وجوانب تنموية.
وتهدف إلى أنه بحلول عام 2015 يكون قد تم التطبيق الكامل لمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، وتوحيد التعريفة الجمركية تجاه العالم الخارجي وتوحيد الإجراءات الجمركية والوثاق الجمركية المصاحبة لعمليات التبادل التجاري وتوحيد القوانين الجمركية العربية في إطار قانون جمركي موحد.
كما تهدف الاستراتيجية لتطوير الجوانب الاستثمارية البينية ورفع كفاءة النقل بين الدول العربية برا وبحرا وجوا والتوسع في إقامة شركات عربية مشتركة في مختلف القطاعات الاقتصادية التي تخدم السوق العربية في قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات الإنتاجية للنقل والاتصالات والمعلومات والكهرباء
وقطاع التجارة السلعية والخدمات المالية، والمصرفية، والتأمينية والتسويقية والإعلامية، ورفع كفاءة الشركات العربية الوطنية بتوسيع السوق العربية أمامها وإيجاد منطقة استثمارية عربية مشتركة ورفع كفاءة القطاع الإنتاجي العربي مع مراعاة متطلبات التنمية المستدامة بتوسيع السوق العربية أمام منتجاته وتسهيل وصوله إلى الأسواق العربية.
ولم تهمل الاستراتيجية الجديدة الدول العربية الأقل نموا حيث وضعت أهدافا خاصة لها تمثلت في تطوير القاعدة الإنتاجية الزراعية والصناعية وتطوير البنية التحتية ـ النقل والاتصالات والكهرباء والخدمات المالية، وكذلك تطوير وتقليص الفقر والرعاية الصحية
وتوفير مياه الشرب والصرف الصحي وتفعيل دور القطاع الخاص في التنمية باعتباره المستفيد الرئيسي من تطبيق هذه الاستراتيجية خاصة وبعد أن أصبح يساهم في الاقتصاد المحلي بأكثر من مساهمة الحكومة والقطاع العام في كثير من الدول العربية.
وقبل أن تعلن هذه الاتفاقية رسميا وتعرض على مؤتمر القمة القادم، أتساءل ويتساءل الكثيرون معي - هل الأهداف الواردة بها تختلف عن الأهداف التي يتولى تنفيذها مجلس الوحدة الاقتصادية العربية الذي نشأ منذ ما يزيد على خمسين عاما وتضمنت اتفاقيته الأهداف الواردة في الاستراتيجية الجديدة التي ستعلن قريبا في جامعة الدول العربية.
وبدأ التعاون الاقتصادي العربي مع بداية نشأة جامعة الدول العربية الذي تضمن بروتوكول إنشائها الصادر بالاسكندرية عام 1944 التركيز على التعاون في الشؤون الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، حيث نص على أن تتعاون الدول العربية تعاونا وثيقا في الشؤون الاقتصادية والمالية بما في ذاك التبادل التجاري والجمارك والعملة
وأمور الزراعة والصناعة والمواصلات وشؤون الثقافة والجنسية والجوازات والتأشيرات وتنفيذ الأحكام وتسليم المجرمين والشؤون الاجتماعية والشؤون الصحية، وعلى أن تؤلف لجنة فرعية من الخبراء العرب لكل طائفة من هذه الشؤون تمثل فيها الحكومات المشتركة وتكون مهمتها إعداد قواعد التعاون في الشؤون المذكورة، فهل تم إعداد هذه القواعد ؟
لم يتم وضع قواعد ولا سياسات ولا استراتيجيات لتطبيق التعاون منذ ذلك الوقت، غير أنه تم العمل في ضوء تخطيط يختلف تماما، تخطيط يراعي المصالح الشخصية، ويبتعد عن المصالح القومية، حيث تم إبرام اتفاقية فرعية تنشئ أجهزة وظيفية يديرها هؤلاء الذين فكروا في إعدادها والذين يحيطون بهم !! بينما لو تم إعداد مثل هذه القواعد وتم تنفيذها لتغير شكل الأمة العربية ولأصبحت قوة اقتصادية كبرى في العالم.
وقد وافق مجلس جامعة الدول العربية في 13 أبريل على معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي وفي ضوئها نشأ المجلس الاقتصادي العربي من وزراء الاقتصاد والتجارة العرب لكي يقترح على حكومات الدول العربية ما يراه كفيلا بتحقيق الأغراض التي تحقق المعاهدة، وللأسف تبلورت هذه الأغراض فيما بعد في إنشاء عدد كبير جدا من المنظمات العربية المتخصصة كان آخرها صندوق النقد العربي،
وتكونت أجهزة وظيفية كبيرة في هذه المنظمات ولكنها لم تحقق تعاونا عربيا جادا في أي منها، وظلت الساحة العربية فارغة من أي نوع للتعاون القطاعي باستثناء التعاون التجاري الذي تبلور منذ خمس سنوات في إنشاء منطقة التجارة العربية الحرة التي مازالت تواجه صعوبات في التنفيذ بينما لم ينضم إليها بعد ما يزيد على ربع الدول العربية.
ثم أخذ التعاون الاقتصادي العربي مساراً جديداً بإنشاء مجلس الوحدة الاقتصادية العربية حيث وافق المجلس الاقتصادي العربي على إنشائه بتاريخ 3/6/1957 ونصت اتفاقية إنشائه المادة الأولى على أن يقوم بين دول الجامعة العربية وحدة اقتصادية كاملة تضمن بصفة خاصة تحقيق مايلي:
1- حرية انتقال الأشخاص ورؤوس الأموال.
2- حرية تبادل البضائع والمنتجات الوطنية والأجنبية.
3- حرية الإقامة والعمل والاستخدام وممارسة النشاط الاقتصادي.
4- حرية النقل والترانزيت واستعمال وسائل النقل والمرافئ والمطارات.
5- حقوق التملك والإيصاء والإرث.
ولم تضع الاتفاقية الأهداف فقط ولكنها وضعت وسائل تحقيق هذه الأهداف حيث نصت المادة الثانية على أنه للوصول إلى تحقيق الوحدة الاقتصادية تعمل الدول العربية على :
ـ جعل بلادها منطقة جمركية واحدة تخضع لإدارة موحدة وتوحيد للتعريفة والتشريعات والأنظمة الجمركية.
ـ توحيد سياسة الاستيراد والتصدير والأنظمة المتعلقة بها.
ـ توحيد أنظمة النقل والترانزيت.
ـ عقد الاتفاقات التجارية واتفاقات المرفوعات مع البلدان الأخرى بصورة مشتركة.
ـ تنسيق السياسة المتعلقة بالزراعة والصناعة والتجارة الداخلية وتوحيد التشريع الاقتصادي بشكل يكفل شروطا متكافئة.
ـ تنسيق تشريع العمل والضمان الاجتماعي.
ـ تنسيق تشريع الضرائب والرسوم الحكومية والبلدان وسائر الضرائب والرسوم الأخرى المتعلقة بالزراعة والصناعة والتجارة والقطاعات وتوظيف رؤوس الأموال بما يكفل مبدأ تكافؤ الفرص.
ـ تنسيق السياسات النقدية والمصرفية والمالية والأنظمة المتعلقة بها تمهيداً لتوحيد النقد بين الدول العربية.
ولم ينشأ جهاز اقتصادي قوي لتحقيق الأهداف الواردة في اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية ولا تطبيق الوسائل التي نصت عليها، حيث تناوب على أمانة المجلس أمناء ليس لديهم الامكانيات الفنية ولا الإرادة السياسية لإنجاز ما نصت عليه الاتفاقية، الأمر الذي أدى إلى تمرير أهدافها إلى ما يسمى بالسوق العربية المشتركة في شكل اتفاقية مستقلة تتضمن كل أهداف الوحدة الاقتصادية العربية، وهي أسمى الأهداف التي يسعى إليها التعاون الاقتصادي العربي.
وبين المجلس الاقتصادي العربي ومجلس الوحدة الاقتصادية العربية، والسوق العربية المشتركة أصبح هناك ثلاثة كيانات تعمل لغرض واحد هو تحقيق تعاون اقتصادي جاد بين الدول العربية، ثم فوجئنا منذ أيام باستراتيجية جديدة تستخدم نفس الألفاظ والمعاني الجميلة التي استخدمت في مجالات التعاون الاقتصادي العربي طوال الخمسين سنة الأخيرة،
فهل ستكون هذه الاستراتيجية كيان رابع يأخذ وقته وانتشاره بين الشعوب العربية المغلوبة على أمرها ثم ينطفئ، أم تكون بداية جديدة ينضم إليها الكيانات الأخرى لتقويتها ودفعها إلى التطبيق العملي في جهاز واحد قوي قادر على التنفيذ، خاصة بعد أن رأينا انهيارات عربية واضحة ومؤلمة في ضياع الحقوق العربية المشروعة في فلسطين وفي العراق وفي لبنان؟
كاتب اقتصادي مصري