(كل شيء إلا المنتجات) شعار أطلقه بعض المحللين الساخرين كرد فعل للمبادرة الأوروبية التي تقدمت بها أوروبا بعد تعثر جولة الدوحة لمنظمة التجارة العالمية بشأن المدى الذي يتعين أن تذهب إليه الدول الغنية في تفكيك الدعم الهائل الذي تقدمه لمزارعيها،

وفي فتح أسواقها لمنتجات دول العالم الثالث، ويتلخص ذلك في إتاحة الفرصة للدول الفقيرة لبيع سلعها ومنتجاتها للدول الغنية، حيث رفعت أوروبا شعار(كل شيء إلا الأسلحة)، والتي ألزمت نفسها بموجبها بفتح أسواقها لدخول جميع منتجات دول العالم الأكثر فقرا باستثناء الأسلحة، إلا أن القواعد المعقدة الخاصة ببلد المنشأ حالت دون تطبيقها، ولم يطبق الشعار ولم يكن سوى حبرا على ورق،

وجاء دور الولايات المتحدة لتقدم ظاهريا بمشروع يقوم على فتح أسواقها بنسبة 97% أمام أكثر الدول فقرا، وتبين في النهاية أن الولايات المتحدة تسمح لها باختيار نسبة 3% على نحو منفصل لكل دولة على حدة، فالدول النامية سوف يسمح لها في واقع الأمر بتصدير كل شيء إلا ما تنتجه بالفعل!!.

فبوسع تلك الدول النامية استيراد محركات الطائرات النفاثة، والطائرات، وأجهزة الحاسب الآلي الخارقة، ورقائق الكمبيوتر من كل الأنواع ـ لكنها لا تستطيع تصدير المنسوجات، أو المنتجات الزراعية، أو الأغذية المعالجة، أو باختصار كافة المنتجات التي تستطيع إنتاجها والتي تنتجها بالفعل. وأصبح شعار كل شيء ولا شيء.

وبعد خمس سنوات من المفاوضات والسجالات انهارت محادثات تحرير التجارة العالمية التي عقدت في جنيف نهاية الشهر الماضي، والتي وصفت بأنها فرصة قد لا تتكرر كثيرا لتعزيز التجارة والحد من الفقر، حيث اتهم الاتحاد الأوروبي والهند الولايات المتحدة بعرقلة المفاوضات

قائلين: أن واشنطن كانت تطالب بثمن باهظ نظير خفض نحو 20 مليار دولار تنفقها سنويا على دعم المنتجات الزراعية.. كما اتهم المفوض التجاري للاتحاد الأوروبي بيتر ماندلسون في محادثات جنيف الأخيرة الولايات المتحدة بالتشبث بموقفها (بالطبع فإن أغنى وأقوى بلد في العالم والذي لديه أعلى مستويات المعيشة يستطيع أن يعطي كما يأخذ)...

فهل باتت منظمة التجارة العالمية بأعضائها الـ 149 مستعدة لاجتياز الروبيكون؟ والروبيكون نهر صغير في شمال إيطاليا كان يشكل جزءا من الحدود الفاصلة بين الإمبراطورية الرومانية وبين الولايات التابعة لها، وذهب مثلاً عندما اجتازه يوليوس قيصر..

وهكذا يقال اجتاز فلان الروبيكون بمعنى أنه قطع مع الماضي والواقع الحالي وعبر الحدود نحو التغيير.. وكان من المفترض أن تستكمل أركان النظام الاقتصادي الدولي بإنشاء منظمة تكون حارسة على النظام التجاري الدولي وتجتاز المعوقات منذ انعقاد مؤتمر هافانا سنة 1947 وبعد انعقاد مؤتمر بريتون وودز وقيام صندوق النقد الدولي والبنك الدولي،

حيث تمخض عن المؤتمر ميثاق هافانا الذي كان يرمي إلى إنشاء منظمة التجارة الدولية، وبعد سقوط المنظمة تشكلت (الجات) وبقيت تمثل المصدر الوحيد للقواعد التي تحكم التجارة الدولية منذ وضعها موضع التنفيذ سنة 1948 إلى أن قامت منظمة التجارة العالمية في يناير 1995، المسيرة طويلة،

والمتتبع لهذه الرحلة الشاقة يجد أن هناك تكلفة سياسية سببت انهيار المحادثات فضلا عن التكلفة الاقتصادية. دول رئيسة مهيمنة على اقتصادات بلدان العالم الثالث قادرة على فشل أو نجاح الجولات التفاوضية ابتدءا من جولة هافانا التي لم ترَ النور لان الكونغرس الأميركي رفض المصادقة عليها لأسباب متعددة أهمها معارضة نقابات العمال حينذاك،

مرورا بجولة أوروجواي التي انطلقت في 1986 ولم تختتم قبل عام 1993، إلى أن جاء تعليق جولة الدوحة لمحادثات منظمة التجارة العالمية اثر فشل قوى تجارية رئيسية في محاولة أخيرة لتجاوز الخلافات حول إصلاح تجارة السلع الزراعية العالمية، وأخيرا وليس آخرا الانتكاسة في جنيف.

إذن التكلفة السياسية المتمثلة بالسيادة على حساب الكلف الاقتصادية مرة أخرى، فمن الملاحظ في العقدين الأخيرين من القرن العشرين أن نظاما عالميا جديدا بدا في الظهور للتوفيق بين المصالح العامة للمجتمع الدولي والمصالح الداخلية، والتي قد تتصادم مع بعضها من أجل تحقيق استفادة كبرى في المعاملات الاقتصادية والتجارية المتشعبة لكل دولة حسب حجم نشاطها التنافسي،

ومن أجل الاستحواذ على قدر كبير من الصفقات التي تعقدها الدولة مع دول ومؤسسات وشركات عالمية، سواء صناعية أو فنية أو تجارية وغيرها من المجالات الاقتصادية، كان لا بد من دعوة إلى إحداث تغيير في نظام القانون الدولي التقليدي، فأصبح التمسك بنظرية السيادة المقيدة غير مقبول الآن في المعاملات الاقتصادية العالمية، إذ يقتصر دور الدول على المحافظة على سيادتها في المعاملات السياسية الدولية،

وفي علاقات الدول مع المجتمع الدولي والمنظمات الدولية والإقليمية والتي تشارك فيها بكامل سيادتها دون أية قيود تفرض على قراراتها وتصرفاتها، وكان السبب الرئيسي في التنازل عن السيادة المطلقة وتبني السيادة المقيدة هو التحول الكبير الذي حدث خلال هذا القرن بقيام حكومات الدول ومؤسساتها العامة بممارسة العديد من الأنشطة التجارية والصناعية

مما اضطرت الدول إلى تقييد سياستها في إبراز مجالاتها وهو ممارسة السلطة التشريعية ومجال السلطة القضائية، وتحت تأثير هذه العلاقات المتشعبة ظهرت قواعد ومبادئ جديدة في القانون الدولي الحديث تدعم التنمية الاقتصادية الحديثة وتهدف إلى تحقيق وإنجاح التعاون بين الدول بإزالة حواجز السيادة سواء التشريعية

أو القضائية التي كانت تشكل عائقا في سبيل تحقيق التعاون الدولي قبل ظهور النظام العالمي الجديد الذي ضرب مفهوم الدولة في الصميم، حيث تنهار الحدود ومعطيات السيادة وحتى المفاهيم الديمقراطية والقومية تحت ضربات معاول السوق والتجارة الحرة.

كاتب ومحلل اقتصادي

Kutaiba@emirates.net.ae