قالت مجلة بيزنس ويك ان السؤال المطروح عقب شراء بنك روسى نسبة 5% من أسهم شركة إيرس التي تملك ايرباص الأوروبية أكبر شركة في العالم لإنتاج الطائرات التجارية، هو ما إذا كانت هذه الصفقة مجرد مضاربة مالية أم المرحلة الأولى من تحقيق شراكة إستراتيجية جديدة تتيح لروسيا الدخول في سباق الفضاء.
وقد نشرت الصحف الروسية نبأ الصفقة البالغ قيمتها مليار دولار في أواخر الشهر الماضي ـ نقلاً عن مصادر حكومية روسية لم تسمها. وأشارت التقارير إلى ان فنش تورج بنك المملوك للحكومة بدأ منذ شهرين شراء أسهم من السوق المفتوحة وحصل على نسبة بين 5 ,4 و8 ,4% من أسهم شركة إيدس الألمانية الفرنسية صاحبة إيرباص للطائرات.
وتذكر هذه الصفقة بأن ارتفاع الأسعار في سوق البترول ملأ الخزائن الروسية، ونجد كثيراً من هذه الأموال في طريقها الآن للاستثمار في الخارج ويفسر السعر المغري لأسهم مجموعة إيدس اهتمام البنك الحكومي الروسي بشرائها.
فقد واجهت الشركة الأوروبية صعوبات في الفترة الأخيرة وانخفض سعر سهمها بنسبة 40% تقريباً منذ آخر ارتفاع له في مارس الماضي، وذلك بسبب تأخير تطوير طائرة إيرباص ء083 ونزاعات إدارية. غير ان شراء البنك الروسي لأسهم شركة إيدس أمر منطقي،
ويحتمل ان الروس ليسوا مهتمين فقط بان يستثمروا في الأسهم بل بأشياء أخرى. والمعروف ان بنك فنيش تورج مملوك للحكومة بالكامل وثاني أكبر بنك في البلاد من حيث الأصول وشديد الارتباط بالحكومة، وقالت مصادر حكومية ان الحكومة لا تخفي الأهداف الاستراتيجية وراء هذه الصفقة وتشمل ان يكون للحكومة الروسية من خلال البنك صوتا في شركة إيدس للطائرات والفضاء،
لكن شراء هذه النسبة لا يعطي البنك أو الروس أي حقوق إدارية في الشركة ـ لان قانونها ينص على الا يستطيع أي مساهم الوصول لمجلس الإدارة دون موافقة المساهمين الكبيرين فيها، وهما دايملر كرايسلر الألمانية ومجموعة لاجارديه الفرنسية للفضاء والإعلام، وتعتمد الأهداف الاستراتيجية الروسية من الصفقة في هذه الحالة على المحادثات بين الحكومات المعنية.
وقد أثيرت فكرة دخول روسيا في المجموعة في ديسمبر 2004 خلال محادثات بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمستشار الألماني آنذاك جيرهاردشرودر، وتكهنت الصحف الروسية بأن يكون الموضوع على جدول أعمال قمة بوتين وأنجيلا ميركل مستشار ألمانيا وجاك شيراك رئيس فرنسا في الشهر الجاري.
إذن لماذا يهتم الروس بالمساهمة في شركة إيدس؟
من المثير للدهشة ان عدم الاستثمار الخارجي من جانب روسيا من قبل لابد ان يكون له علاقة بصناعة الطيران والفضاء الروسية المتعثرة، كما تقول إلينا ساخنوفا محللة الطيران في بنك دويتشه يو إف جي في موسكو. وأضافت هو ان روسيا تفتقر إلى التقنية الممتازة في الطيران المدني، فيما تتمتع بها أوروبا، فإذا أرادت روسيا التقدم في هذه الصناعة تحتاج إلى تعاون مع أوروبا أو أميركا.
وليس من قبيل المصادفة ان اهتمام روسيا بمجموعة إيدس يأتي في الوقت الذي يعاني فيه قطاع الطيران الروسي من إعادة الهيكلة الطموحة التي تقوم بها الدولة. وقد وافق بوتين على الخطة في وقت سابق العام الحالي وتكتمل خلال الأشهر القليلة المقبلة.
وتهدف الخطة إلى جمع مختلف جهات التخطيط الروسية في كيان قابض واحد يسمى يونايتد إيركرافت على أمل تجميع موارد مالية وخلق اقتصاديات واسعة النطاق حتى تستطيع صناعة الطيران الروسية المنافسة عالمياً. وتأكدت تعاسة صناعة الطيران الروسية المدنية في 22 أغسطس عندما تحطمت طائرة توبوليف بالقرب من دونتسك في أوكرانيا وراح ضحيتها 170 شخصاً.
وأدى ذلك برئيس الوزراء إلى المناداة بزيادة الاستثمارات لتحديث صناعة الطيران، وقال في أعقاب الحادث: لا نستطيع أن ننقد صناعة الطيران المدني الوطنية فهذا مستحيل. وتسيطر الحكومة على يونايتد إيركرافت بالكامل، التي كان من المقرر أن تملك 75% في البداية. لكن روسيا حريصة أيضاً على جذب شركاء أجانب لتزويدها بالتقنية التي تحتاجها لتطوير قطاع الطيران.
وتعلق روسيا آمالها على طائرات معينة مثل مشروع سوخي سوبرجت وهي طائرة ركاب للرحلات القصيرة تعتقد روسيا ان السوق العالمية سترى انتعاشاً وفرصاً كبيرة لها . ويشارك في المشروع شركاء أجانب مثل بوينغ الأميركية وسينكما الفرنسية لمحركات الطائرات وفنميكانيكا الإيطالية لهندسة الطيران.
وتأمل روسيا في الوقت نفسه أن تتعاون مع شركات طائرات عالمية سوف يعطي صناعة طيرانها دوراً في تصميم وإنتاج أجزاء من طائرات طويلة المدى تطورها حالياً إيرباص وبوينغ. وسوف يدر ذلك مليارات الدولارات تحتاجها روسيا لتحديث خطوط إنتاجها المسنة وتطوير طائرات جديدة مثل سوخوي سوبرجت.
وقد اشترت إيدس بالفعل 10% من شركة إيركوت الروسية لصناعة الطائرات في ديسمبر 2004 التي تنتج طائرة بي 200 البرمائية وهو تصميم روسي آخر له جاذبية عالمية، واندماج إيركوت في الكيان القابض يعني أن تحصل إيدس على 3% منه وقد تصل إلى 4% من يونايتد إيركرافت. وقد يرتفع هذه النسبة إذا زاد الروس نسبتهم في أسهم إيدس.
ووجود شركة أوروبية كبرى في الكيان القابض الجديد يعني أن الروس قد يفتحون الباب أمام تقنيات وأسواق غربية. وبالنسبة لإيدس يعني ذلك الحصول على مهندسين روس أكفاء أقل تكلفة. وقد ينعكس أيضاً على بيع طائرات لروسيا.
مخاطر سياسية
يأتي استثمار البنك الروسي في أسهم إيدس في الوقت الذي تنتظر فيه الشركة الأوروبية ومنافستها الأميركية بوينغ قراراً من روسيا بشراء طائرات بقيمة 3 مليارات دولار لشركة إيروفلوت الوطنية. وتذكر الصفقة بأن روسيا لاتزال قوية بحيث تستطيع التأثير في الشركات العالمية في الوقت الذي قد لا تكون روسيا فيه بقوة الأسواق الأخرى في العالم. غير أن هناك مخاطرة أمام إيدس في ظل التوتر بين روسيا وأميركا،
فإن تزايد الدور الروسي في الشركة قد يهدد الحصول على عقود دفاعية مربحة من أميركا، وتتنافس إيدس مع بوينغ على عقود لإحلال أسطول القوات الجوية الأميركية طائرات إعادة التزود بالوقود، وهي صفقة تقدر بمليارات الدولارات، لكن الشركة الأوروبية تواجه معركة شديدة في الكونغرس الأميركي ووجود روسيا فيها قد يجعل هذه المعركة أكثر شراسة.
ترجمة : أشرف رفيق
