انحسرت المادة التي تتحدث عن الاشتراكية، والأسر الصينية التاريخية والثورة الشيوعية من كتب التاريخ الصينية التي ستدرّس للطلاب في العام الدراسي الجديد، لتترك مزيداً من المساحة، بل جلّ المساحة لمادة تتحدث عن الاقتصاد الرأسمالي والسوق والعولمة والعادات الاجتماعية.

وتقلصت مناقشة الاشتراكية إلى فصل واحد قصير في كتب التاريخ للمرحلة الثانوية، فيما غطت الشيوعية الصينية قبل الإصلاح الاقتصادي عام 1979 جملة واحدة فقط، وجاء ذكر ماوتسي تونغ مرة واحدة فقط في فصل عن آداب السلوك، فيما أفردت كل الفصول الأخرى للرأسمالية الوطنية واقتصاد السوق والعولمة.

وقالت صحيفة «نيويورك تايمز» إن الكتب الدراسية الصينية وضعت الماركسية على الرف بعد أن سادت هذه الكتب بالكامل منذ الخمسينات. وقال من وضعوا هذه الكتب إنها جزء من جهد أكبر يهدف إلى ترويج صورة أكثر استقراراً وتسامحاً وأقل عنفاً عن التاريخ الصيني لخدمة الاقتصاد المالي والأهداف الجديدة.

ويقول المؤيدون لهذا الاتجاه إن هذه المواد تعد الطلاب بشكل أفضل للحياة في عالم حقيقي تسوده قواعد اقتصاد السوق والعولمة والرأسمالية من وجهة نظر صينية.وقد تغيرت مادة الكتب الدراسية قليلاً خلال فترة تبني اقتصاد السوق المستمرة منذ ربع قرن عقب إعلان الإصلاحات الاقتصادية الصينية في عام 1979، وتناسبت هذه الكتب بشكل أكبر مع ما يشاهده الطلاب خارج المدرسة من مظاهر الثراء والانفتاح.

لكن المنتقدين لهذا الاتجاه يقولون إن الكتب تركت مبادئ سياسية للترويج لمجموعة مبادئ أخرى لدرجة أنها لا تغير التاريخ فقط بل تقضي عليه تماماً.غير أنه من الأفضل لدولة ذات حزب سياسي واحد أن يفكر الناس في المستقبل بدلاً من الماضي.

وتركز الكتب الدراسية الجديدة على أفكار ومصطلحات جديدة تسود وسائل الإعلام الرسمية والخطاب الاقتصادي والسياسي الرسمي، مثل النمو الاقتصادي والابتكار والتجارة الخارجية والاستقرار واحترام تنوّع الثقافات والتناغم الاجتماعي.

كما يأتي ذكر أسماء في هذه الكتب مثل نيك جي بي مورجان وبيل جيتس وبورصة نيويورك ومكوك الفضاء الأميركي والقطار الياباني السريع مع تركيز كبير؛ وهناك أحد الدروس يتحدث عن كيفية انتشار شعبية ربطة العنق. وتذكر هذه الكتب الثورة الفرنسية والأميركية على أنهما نقاط تحوّل في تاريخ البشرية، فيما كانت من قبل غير ذات أهمية للطالب الصيني.

وتذكر هذه الكتب ماوتسي تونغ والمسيرة الطويلة والكبت الاستعماري ومذبحة نانجينغ (اليابانية ضد أهالي قرية صينية) باختصار وإيجاز شديدين في كتب السنة النهائية فقط لطلاب الثانوي.وقال تشو شيويه تشين المؤرخ أستاذ التاريخ في جامعة شانغهاي إن تاريخنا كان يركز على الأيديولوجية والشخصية الوطنية فقط، لكن كتب التاريخ الجديدة تقلل جرعة الأيديولوجية وهذا يناسب الأهداف الاقتصادية والسياسية الجديدة.

وقد تكون هذه التغيرات قاصرة على شانغهاي التي تضم النخبة من سكان المدن والتي أدخلت من قبل ممارسات رأسمالية أوصت بها الحكومة فيما بعد في بقية أنحاء البلاد. لكن هذه الكتب أثارت جدلاً بين المؤرخين قبل أن تصدر في الموسم الدراسي الجديد. وبدأت بعض مدارس شانغهاي تدرِّس هذه المناهج بشكل تجريبي في العام الدراسي الماضي.

وقال باحثون إنهم لا يأسفون على التخلي عن المنهج الماركسي في التاريخ، لكن آخرين انتقدوا ذلك على أنه تقليص للتاريخ بالكامل.وقال أحد المدرِّسين للتاريخ في شانغهاي إن منهج التاريخ للسنة النهائية في الثانوي يجتث التاريخ بالكامل.

وقال تشو تشون شنغ الأستاذ في كلية المعلمين في جامعة شانغهاي إن هذا يهدف إلى إنقاذ التاريخ من تركيزه الشديد على القادة والحروب السابقة، ويركز على المجتمعات والناس. وأضاف يقول إن التاريخ ليس ملكاً للأباطرة والجنرالات، بل ملكاً للناس.

وقال: قد يستغرق الآخرون وقتاً لاستيعاب ذلك، وهذا أمر طبيعي، وبدأت هذه المرحلة في أوروبا منذ فترة طويلة وكذلك في الولايات المتحدة. وقال تشو إن كتب التاريخ الجديدة تتبع فكرة المؤرخ الفرنسي فرناند بروديل الذي دافع عن إدماج الثقافة والدين والعادات الاجتماعية والاقتصاد والأيديولوجية في دراسة التاريخ.

وهذا المنهج يلقى شعبية في الدول الغربية منذ أكثر من نصف قرن. ونادى بروديل بأن يكون التاريخ أسمى من أيديولوجية أي دولة.وقد حادت الصين عن أيديولوجية الحكم الشيوعي منذ فترة، لكن كتب شانغهاي هي الاختبار الأول لهذه الظاهرة قبل التسليم بأنها حقيقة مفروغ منها.

ولا تزال الكتب تشير إلى أن هناك مستقبلا جيدا أمام الاشتراكية، لكن هذا المفهوم تقلص إلى فصل واحد من 52 فصلاً في كتاب السنة الثانوية النهائية ولا تركز الكتب على الاشتراكية الثورية بل على الثورة الصناعية وثورة المعلومات.

ولا يزال الطلاب يدرسون أن ماوتسي تونغ هو مؤسِّس الصين الحديثة، لكن ليس تأثيره في السياسة في كتب السنوات الثانوية الأولى. وفي كتب السنة النهائية يأتي ذكر ماوتسي تونغ في سياق أنه تم تنكيس الأعلام خلال جنازته عام 1976. ويأتي ذكر دنغ شياو بنغ، الذي بدأ إصلاحات تطبيق اقتصاد السوق في الصين في كتب جميع السنوات الثانوية الدراسية مع التركيز على نظريته الاقتصادية.

وعلق جيرالد بوستجليون الأستاذ في جامعة هونج كونج بأن الصين تبحث عن وسائل لجعل المناهج التعليمية مناسبة للحياة.وقال إن الحكومة توافق على هذه المناهج، لكن الهدف ليس سياسياً، بل جعل التاريخ أكثر ملاءمة للحياة الحالية وإعداد الطلاب لفترة جديدة في اقتصاد الصين.

(وكالات)