تعلن بعد يومين نتائج مسابقات الأفلام قبل ان يختتم مهرجان البندقية السينمائي الدولي دورته الثالثة والستين، التي تعتبر من أنجح الدورات في السنوات الخمس الأخيرة، بينما يرجح ان مهمة لجنة التحكيم برئاسة الفرنسية كاترين دونوف سوف تكون صعبة في اختيار الفائز بـ «الأسد الذهبي» لأن أكثر أفلام المسابقة الـ 21 جيدة وتستحق الجوائز، مع أن عروضا كثيرة خارج المسابقات جميعها ذات مستوى رفيع، اختار أصحابها التسابق في مهرجانات أخرى.

وخاصة الأميركية منها الطامحة إلى الأوسكار، وفي طليعتها فيلم أوليفر ستون، «مركز التجارة العالمي» الذي نشاهد فيه ستون مختلفاً عن ما تعودنا عليه.شهدت المهرجانات السينمائية الدولية في أوروبا خلال السنوات الخمس الأخيرة، اهتماما كبيراً من صانعي السينما في الولايات المتحدة، سواء كانوا من الموالين لهوليوود أو معارضيها من داخلها، من منتجي السينما المستقلة ومن جانبها الذي يقام تحت عنوان «صاندانس» برئاسة الممثل روبرت ريدفورد.

«الطحشة» الأميركية باتجاه المهرجانات الأوروبية يعيدها البعض لأسباب كثيرة، في طليعتها الإعلان عن الفيلم بميزانيات المهرجانات الأوروبية، ويحققون بمشاركتهم هذه مقولة «أميركا سيدة السينما العالمية» فيرسلون أفضل انتاجاتهم التي لا تتجاوز الستة بالمئة من مجموع ضخم جدا للأفلام الرديئة الأميركية، بهذا تصبح السينما الأميركية بحاجة إلى المطهر الثقافي الأوروبي لكي تقدم انتاجاتها داخل الولايات المتحدة وخارجها.

«بوبي وورك ان بروغراس» هذا العنوان اختاره المخرج الأميركي إميليو استفيز لفيلمه الجديد المشارك في المسابقة الرسمية،والذي عرض أمس امام الجمهور العادي بعد ساعات على العرض الخاص، الذي حضره مئات الصحافيين والمراسلين من أنحاء العالم، وصفقوا طويلا لعمل استفيز، كترشيح عفوي لنيل الفيلم «الأسد الذهبي».

وهو فيلم جيد لكنه في الحقيقة أقل بمستواه الفني، من منافسيه الأقوياء ومنهم، الفونسو كوران المكسيكي بفيلمه الآسر «أبناء الرجال» وايمانويل كريليزي وعمله «الأبواب الذهبية» المنتمي إلى تيار «السينما المستقلة والبديلة» التي ترفض استمرار الفن السابع في اجترار ذاته، وتقترح مشاريع تجريبية تقوم على القطيعة مع ماضي السينما، هذا مطلب حق يراد به حق لكنه متسرع، ويلزمه سجال.

يتحدث «بوبي وورك ان بروغراس» عن حادثة اغتيال السيناتور الأميركي روبرت كينيدي، المرشح الأقوى لرئاسة الولايات المتحدة، في انتخابات العام 1968 ويبدأ الفيلم من مقدمة وثائقية تظهر السيناتور وهو يلقي خطاباته في حملاته الانتخابية.

والجمهور العريض يتسع من حوله بكثافة وصدق بما يقوله الخطيب الذي يتحدث عن قوة أميركا الأساسية التي يجب ان لا تتخلى عنها، هي القوة الأخلاقية الحامية للحرية والعدالة والسلام، تنتهي هذه المقدمة وتفتح الكاميرا عينها على المجتمع الأميركي في تلك المرحلة من ستينات القرن الماضي من خلال فندق تجري فيه حادثة الاغتيال التي تصبح قصة على هوامش قصص الفيلم الأخرى، في مجموعة سيناريوهات داخل سيناريو متماسك واحد ويخرج بين التوثيق والتسجيل والتركيب مدير الفندق يخون زوجته التي تحبه مع عاملة الهاتف، التي تبدو مكرهة على إقامة هذه العلاقة.

والمحامي الثري يبحث عن ضحية لأحاديثه التفسيرية لكل شيء في السياسة والاقتصاد والاجتماع، ثقافة رفاهية، وبرجوازية كلاسيكية كسولة. الشقيقان المكسيكيان، يختلفان حول النظرة إلى عنصرية المجتمع، واحدهما متسامح أكثر من الآخر، ويعملان في مستودع المطعم. أحد نزلاء الفندق متزوج من امرأة تصغره سناً، ويشعر أنها تستغله.

مدير الحملة الانتخابية للسيناتور الأميركي لا يوافق على إجراء مقابلة صحافية مع جريدة تصدر في »الاتحاد السوفييتي»، مع أنه يدفع بصديقه الأسود وزميله في العمل إلى الأمام، على عكس المكسيكي الذي يمارس عنصرية على زميله الأسود. كل هذه القصص في قالب واحد، حبك استفيز سرديته بإتقان في 120 دقيقة فيها الكثير من الذكاء والعاطفة والفن.

هوبكينز: التعبيرية الواقعية

لعب دور الثري الثرثار في فيلم «بوبي وورك إن بروغراس»، السير أنتوني هوبكينز، صاحب الاتجاه في الأداء التمثيلي، المعتمد على التعبيرية الواقعية، التي كان رائدها التعليمي إيليا كازان المخرج الأميركي من أصل يوناني، الذي كان يردد:

على الممثل أن يمثل الشخصية بل أن ينتحلها وأن يترك خيطاً رفيعاً غير مرئي بين من هو ومن سيكون، مقولة عمل عليها كبار نجوم العالم في طليعتهم مارلون براندو ملك الأداء ونموذج احتذاه أنتوني هوبكينز وغيره من عمالقة التمثيل في السينما العالمية. هذا لا يقلل من قيمة هوبكينز، فهو لا يحتاج إلى اكتشاف من أحد، إضافة إلى أنه سيبقى راسخاً في ذاكرة السينما العالمية إلى أمد طويل.

قضى هوبكينز في عالم الفن السابع أكثر من نصف قرن قدم خلالها أكثر من 40 فيلماً بمعظمها جيد، أرضت الكثير من نقاد السينما الكبار الذين مدحوا هذا الممثل الكبير وصفقوا له.

فيما يبدو هو على اعتاب تجربة جديدة في حياته المهنية بجلوسه خلف الكاميرا وليس أمامها، بقرار متأخر ربما، في أن يتحول أنتوني هوبكينز من التمثيل إلى الإخراج، مصراً على أن ينتج أعمالاً لـ «السينما المستقلة» كموقف نبيل، هو من طبيعة الفنان الحقيقي، الذي أختار ثلاثة صحافيين لإجراء المقابلة معه. الأول مندوب الإذاعة الصينية في بكين، والثاني مندوبة صحيفة يومية في جنوب إفريقيا، والثالث مندوب جريدة «البيان» (كانت هذه المقالة)، وهنا نص الحوار مع هوبكينز:

ـ لماذا اخترتنا لإجراء المقابلة بالتحديد؟

ـ اعتقد أن تكونوا أذكى من طرح سؤال بديهي، هل يمكن أن أسألكم السؤال ذاته؟

ـ تحاول أن تحرجنا أم أن تقول إنك قادر على ذلك؟

ـ (يبتسم)، لا لم أقصد ذلك، لكنني توقعت سؤالاً أذكى، هل يحق لي؟

ـ مثل، حدثنا عن البدايات؟

ـ «مقهقهاً» هذا سؤال تعيس، ولن يكون ذكياً أبداً؟

ـ ماذا تقول لك السينما بعد التطور الكبير في عالم التقنيات البصرية؟

ـ عندما أخترعت الكاميرا لأول مرة كانت تطوراً كبيراً آنذاك، الحياة بجميع نواحيها سنتها التطور تقنياً وفنياً، والتطور لا يلغي ما سبقه بل يحسنه معنوياً ومادياً والتقنية الحديثة في السينما وغيرها يديرها الإنسان الذي يمنحها الروح وإلا تبقى بلا قيمة إذا لم يعالجها الفنان الخلاق.

ـ الا تقود التقنية الإنسان أحياناً؟

ـ يحدث هذا بندرة.

ـ هل التمثيل مدارس؟

ـ لا أحب كلمة «مدارس»، وأفضل عليها كلمة اتجاهات، والتمثيل أكثر الفنون دعوة لخصوصية كل ممثل على حده إلا أن كل ممثل هو فريد بأدائه ليس له شريكاً بأسلوبه الذي يضعه هو لو اعتمد على مرجعيات ضرورية نسميها اتجاهاً، فهو يضيف ويبني عملياً ونظرياً حتى يصل بالنتيجة إلى خصوصية أسلوبه، والأصح أساليبه التي من المفترض أن لا تنضب إذا كان الممثل حقيقياً.

ـ كأنك تنفي دور المخرج في إدارة الممثل؟

ـ المخرج يدير الفيلم ودور الممثل الذي يدير الشخصية.

ـ ستتحول إلى الإخراج، هل تنوي اعتزال التمثيل؟

ـ الممثل الجيد يموت ولا يعتزل، الإخراج بالنسبة لي فسحة لتحقيق رؤى واسعة مختلفة عن رؤى الممثل، فلكل واحد منهما مهمة مختلفة عن الآخر.

ـ لماذا تصر على إنتاج صفة «مستقلة»؟

ـ لأن هذا النوع من الإنتاج أكثر حرية وصدقاً من السينمات التجارية الفنية.

ـ كيف تفسر عملك لوقت طويل مع الشركات التي وصفتها بالتجارية؟

ـ وصفتها كذلك لكنني لم أدينها، مع أن بعضها يستحق الإدانة، والصناعة السينمائية مكلفة وفيها جانب رئيسي تجاري بلا شك، وهذا الاعتبار المالي إذا صح التعبير يحد أحيانا من حرية الفنان ان كان مخرجاً أو ممثلاً أو تقنياً، الذين يستطيعون التحرر من الاعتبار التجاري أكثر في إطار السينما المستقلة القادرة على التعبير أكثر عن قضايا إنسانية بحرية كاملة.

ـ تبدو راديكالياً؟

ـ الراديكالية انتاج المجتمعات المغلوبة على أمرها وأنا لا انتمي إليها.

ـ نظرة «سير» انجليزي إذن تستمتع بها في رؤية الآخر؟

ـ هذه إساءة فهم، قصدت ان المجتمعات التي تعيش ظلماً اجتماعياً وقهراً اقتصادياً من قبل الدول الكبرى، تنتج الراديكالية على عكس المجتمعات التي فيها وفرة اقتصادية.

ـ في فيلم «صمت الحملان» بدوت حقيقياً في انك تأكل خصومك ما هي أدواتك لتقنع المشاهد إلى هذه الدرجة؟

ـ أخاف من فكرة انكم خائفون من أكلكم (يضحك) شخصية البروفيسور التي أديتها في «صمت الحملان» فيها الكثير من الشذوذ الفكري والسلوكي بما يتركها غير عادية في استخدام العقل والحواس والحركة والخ..

من صفات عبقرية وغير مألوفة تتطلب فيها جهداً في أعماق هذه الشخصية واستنباط أشكال تمظهراتها الخارجية في السيطرة على من يحدثه ومن يسجنه ومن يدعي معالجته، أي أنها شخصية تتمتع بسلطة قوية على الآخرين. وكونني فهمت كل هذا عرفت كيف أؤدي الدور.

ـ هذا ما سمي بأسلوب التعبيرية الواقعية في التمثيل؟

ـ هذا صحيح.

ـ هل هذا الأسلوب أو الاتجاه الأفضل للممثل؟

ـ طبيعة الدور تفرض الأسلوب، أحيانا يحتاج الممثل إلى أداء دور ما بأسلوب تجريدي أو بمزيج بين أساليب عدة المهم فهم المناخ العام للسيناريو وكل شخصية وحجم اطارها الخاص.

ـ ماذا شاهدت من أفلام في هذا المهرجان؟

ـ خمسة أفلام من الآن.

ـ منها؟

ـ «مركز التجارة العالمي» للمخرج أوليفر ستون.

ـ كيف تقيم عمل ايمليو استفيز في الفيلم الذي تشترك في بطولته؟

ـ استفيز موهوب وذكي، يعرف ما يريد، وفيلمه عميق ورقيق، وأنا متحيز له وآمل أن يفوز بالجائزة الكبرى.

ـ هل يعجبك أوليفرستون؟

ـ بالطبع هو مخرج كبير.

ـ ما الفرق بين السينما الأوروبية السينما الأميركية؟

ـ السينما واحدة في العالم وهناك أفلام جيدة وأخرى رديئة في كل مكان، السينما في أوروبا أكثر استقلالاً من غيرها هذا صحيح، لكن هناك سينما مستقلة في أميركا وسواها ايضا، ولا يجب أن يغيب عن بال أحد ان استوديوهات هوليوود أنتجت وتنتج اعمالا إبداعية خالصة إلى جانب انتاجاتها التجارية.

البندقية ـ حسين قطايا: