بلغ حجم ديون الفلبين 76 مليار دولار، وخسرت الحكومة أموالاً طائلة خلال العقد الماضي، بحيث راحت سنداتها تصنف تحت المعدل الاستثماري، غير أنه وفي بداية صيف هذا العام، ومع مصارعة الأسواق الآسيوية لالتقاط أنفاسها إثر تداعيات بيع جماعية من قبل المستثمرين العالميين فإن الفلبين تمكنت من انتشال شيء لم يكن متوقعاً من بلد عرف برجل المنطقة المريض، إذ أقنعت المستثمرين العالميين بإقراضها 750 مليون دولار.
ومرة أخرى وفي وقت لاحق من العام. ستتجه بمطالبتها إلى هؤلاء المستثمرين لاقتراض أربعة مليارات أخرى. نصفها بالعملات الصعبة، الأمر الذي يجعل من الفلبين أكبر المقترضين الأجانب في آسيا، بل وأكبر من اليابان.
وعلاوة على ذك، فإن مبيعات يوليو من السندات، كانت الأكثر دهشة، لأن سندات مانيلا تدر عوائد للمستثمرين تقل عن ثلاثة في المئة نقطة، وأكثر من المعدل الذي تدفعه الحكومة الأميركية، وكان من الشائع، مطلع هذا العام، أن تلقي تبعات هذا الضغط المردودي على سيل عارم من الأموال التي غمرت الأسواق العالمية المتعطشة للأرباح، أما الآن، وفيما تزحف أسعار الفائدة العالمية إلى الأعلى، وتنحسر فيه الموجة الرأسمالية، فإن الاقتصاديين يرون الآن سوقاً ناشئة جديدة، تنهض من قمقمها.
ولقد أضحت الفلبين وغيرها من الاقتصادات الناشئة التي كانت تسمى «صناديق السلال» أكثر دراية في إدارة الديون الضخمة.
حسبما قال محللون، ولقد ساهمت سهولة الحصول على التحويلات، وأسعار السلع المرتفعة، في تعزيز وإسناد موازناتها العامة، وتيسير سداد التزاماتها، وتسديد القروض المتأتية عن أزمات سابقة وبالرغم من عبء الديون الثقيلة التي مازالت ترزح في تحتها، إلا أنها أصبحت موضع ثقة أكبر، بحيث راح عدد من الاقتصاديين يتساءلون عن لازمة منظمات مثل صندوق النقد الدولي، صاحب الحضور الدائم، لإنقاذ الأسواق الناشئة من عثراتها.
ولقد باتت تلك الأسواق قادرة على النهوض بنفسها على أكمل وجه، فروسيا المترعة بعوائد النفط، سددت ديونها البالغة 7 ,23 مليار دولار إلى نادي باريس للدول الدائنة. وتفكر كل من البيرو وبولندا في القيام بأمر مماثل، وقامت البرازيل وبنما، هذا العام باسترجاع ما تبقى من سندات «برادي» المدعومة من الحكومة الأميركية والتي أصدرت للمساعدة في إنقاذها في ثمانينات القرن الماضي.
وكانت الفلبين دفعت نصف التزاماتها من سندات برادي في شهر يونيو وإلى ذلك، قالت ربيكا باترسون استراتيجية العملة العالمية في جي بي مورغان في نيويورك إن اكتساب دول مثل الفلبين للمصداقية، ينفي حاجتها لصندوق النقد الدولي ولقد يأتي قسط عظيم من تلك المصداقية، من طلاقة في اللسان في مخاطبة المستثمرين، حيث أن بعض الدول المقترضة، بما فيها الفلبين استحدثت مكاتب علاقات خاصة بالمستثمرين.
وفي معرض تعليقها على ذلك، قالت أغوس بنيارد، المديرة المشاركة في ستاندارد اندبورز في سنغافورة « لقد أصبحوا منفتحين وشفافين. ومهرة في إبراز الجوانب الايجابية»، ويتعين على الفلبين في ظل وجود التمرد الشيوعي واضطرابات المسلحين المرتبطين بتنظيم القاعدة، تقديم كثير من الافصاحات فبعد استيلائها على السلطة عام 2001، وسط احتجاجات شعبية ضد فساد سلعتها، واجهت الرئيسة غلوريا ماكاباغال ارويو، الصيف الماضي حملة إقصاء وسط مزاعم بأنها حاولت التلاعب في انتخابات عام 2004 وهو الأمر الذي أدى إلى استقالة فريقها الانتخابي بأسره.
وما لبثت ان اعلنت «ارويو» في شهر فبراير الأحكام العرفية، على خلفية مزاعم بوجود مؤامرة إنقلابية غير أن اكبر المخاوف التي تقض مضاجع المستثمرين، هي أن الديون الحكومية من الضخامة، بحيث تعجز الفلبين عن الاستثمار في بنيتها التحتية المتهالكة.
إذ بلغ العجز الموازني 7,2 في المئة من الناتج الإجمالي المحلي للفلبين العام الماضي، ووصل الدين الحكومي الإجمالي إلى 72 في المئة من الناتج المحلي والدين الهائل، ليس هو المشكلة الوحيدة التي تواجه الدول الناشئة، فقد تجاوز الدين الايطالي مئة في المئة من الناتج الإجمالي المحلي.
ومن جهة أخرى، فإن خدمة الدين في الفلبين تستنفد 95 في المئة تقريباً من الدخل الحكومي الذي يمكن وصفه بالهزيل، اذ لا تتجاوز نسبة اقتطاع الحكومة من الناتج الإجمالي المحلي 14 في المئة، على صورة إيرادات كونها إحدى الدول الآسيوية الأدنى في التحصيل الضريبي، ويقدر المحللون أن 35% من الضرائب المستحقة يتم تحصيلها.
وإلى ذلك، قال جيمس مكور ماك، في فيتش ريتنغز، في هونغ كونغ، لو كان الأمر يتعلق بتدني المعدل الضريبي لهان الأمر، لكن شر البلية هو في التحصيل، وإن صلب الموضوع هو الفساد المستشري في الجانبين.
وبالرغم من ذلك، فإن الفلبين قادرة على الاقتراض مراراً وتكراراً ويرى المحللون، أن المستثمرين درجوا على اعتياد التمثيلات المسرحية الفلبينية، وهم على ثقة من قدرة مانيلا على الوفاء بالتزاماتها، في الأوقات المحددة، معها بلغت الظروف.
ولم يتوصل هؤلاء إلى تلك القناعة دون أسباب مقنعة، فبعيد تسلمها زمام السلطة عام 2001، سارعت أوريو، إلى تعيين خوزيه كاماتشو، المصرفي الاستثماري المتدرب في هارفارد، وصاحب الباع الطويل الذي يمتد إلى عشرين سنة، كوزير لماليتها.
وكان ماتشو، على بينة مما يرغب المستثمرون في رؤيته، وسماعه فقال إن ثمة رغبة في الإحساس بتجانس الفريق الاقتصادي، وأنهم يشدون الخيوط في اتجاه واحد.
واستطرد ماتشو قائلاً إن من الأفكار التي سيطرت عليه، استحداث مكتب لعلاقات المستثمرين وهو الأمر الذي طالما شدد صندوق النقد الدولي، ومعهد التمويل العالمي، على الدول النامية، ضرورة الأخذ به منذ أزمة البيزو المكسيكي في 1995. ولقد سارعت المكسيك والبرازيل وتشيلي وكوريا الجنوبية على إنشاء مكاتبها الخاصة لعلاقات المستثمرين منذ ذلك الحين.
وسرعان ما ذاع صيت الفلبين باعتبارها بؤرة تأثير ضاغطة فإلى جانب إيجازاته المنتظمة، أنشأ المكتب موقعاً في شبكة الانترنت، يعج بالبيانات المالية، وخطب ود المستثمرين بمعين لا ينضب من المعلومات عن طريق البريد الالكتروني.
وفي موازاة قدرتها على إدارة الدين، فإن الفلبين تبدو قاب قوسين أو أدنى من السيطرة على عجزها، فبعد إصدارها ضوابط أكثر صرامة للتهرب الضريبي، وحوافز لمحصلي الضرائب، ارتفعت الإيرادات الحكومية السنة الماضية للمرة الأولى منذ عام 1997.
وكانت الحكومة تعهدت بزيادة إيراداتها لتصل الى16 في المئة من الناتج الإجمالي المحلي، هذا العام، وهي في طريقها إلى خفض عجزها إلى 1,2 في المئة من الناتج الإجمالي المحلي كما أنها تهدف إلى خفض دينها العام إلى 68 في المئة من الناتج الإجمالي المحلي وموازنة الميزانية بحلول 2008.
غير أن فأل الكثيرين خاب، ففي شهر فبراير، حتى بعد رفع فيتش وستاندارد أند بورز لنظرتها العامة حول تصنيف الدين الفلبيني إلى مستقر، فإن خدمة المستثمرين في موديز، احتفظت بنظرتها السلبية، وإلى ذلك، أعرب توماس بايرن، المحلل لدى موديز في نيويورك، عن قناعته بأن الفلبين أحرزت بعض التقدم واستطرد قائلاً ان الدين ما زال على حجمه، وأن خدمة الدين مازالت كبيرة.
بحيث أن مخاطر الصدمات ستبقى على حالها، وبالرغم من تلك المخاوف، فإن جهود مانيلا لكسب جانب المستثمرين، تبدو مثمرة، فبالإضافة إلى انحسار انتشارها، وأسعار الفائدة، فإن سندات الفلبين تبقى ثابتة نسبياً، مقارنة بأندادها من الأسواق الناشئة.
ترجمة : وائل الخطيب
