خلال السنوات العشرين الماضية، سارع عدد من الصناعيين الأجانب، إلى بناء مصانع في ولايات مثل الاباما، ومسيسبي، وتينسي، بحيث اكتسب ذلك الاتجاه اسم «ديترويت ساوث». أما الآن، فقد أخذت المكسيك في انتزاع ذلك اللقب وقد كان الافتتاح التاريخي للمصنع الجديد للسيارات الذي وصلت تكلفته إلى 650 مليون دولار، حدثاً جديرا بالاحتفال، فقد حضر حفل التدشين الرئيسي فنسنت فوكس وغيره من كبار الشخصيات.

كما طار المديرون المحليون من جنرال موتورز، الشركة المستثمرة إلى ولاية سان لويس بوتوسي الوسطى، حيث تجري أعمال بناء المصنع، والذي من المتوقع أن يشغل قرابة 1800 عامل ويصنع نحو 160 ألف سيارة مدمجة سنوياً ولقد تمنعت جنرال موتورز التي تخوض مشكلاتها الداخلية الخاصة،

عن الإعلان عن المصنع الجديد خارج المكسيك، ولكن في الوقت الذي يشكل فيه أي حديث عن زيادة الانتاج في غير مكان، وإضافة وظائف رخيصة الأجور في المكسيك، إشكالات في الولايات المتحدة، فلا مجال لإخفاء التقدم الذي لا تلين له قناة في صناعة السيارات في المكسيك.

وأشارت صحيفة انترناشونال هيرالد تربيون إلى انتاج السيارات في المكسيك، يتوقع أن يسجّل مستويات قياسية هذا العام، متجاوزاً المليوني سيارة، حيث يضخ مصنعوا السيارات مليارات الدولارات من الاستثمارات الجديدة في مصانعهم المكسيكية.

ويأتي هذا التوسع، الذي تغذيه شركات تصنيع السيارات الخمس الكبرى في المكسيك، وهي جنرال موتورز وفورد موتور وديملركرايسلر ونيسان وفولكسفاغن، نقيضاً تخطط كل من جنرال موتورز وفورد لاستقطاع 60 ألف وظيفة في الولايات المتحدة. واغلاق عدد من مصانع أميركا الشمالية بحلول عام 2010.

وأرجعت الصحيفة أسباب تلك الموجة الجديدة من النمو في المكسيك إلى عاملين اثنين، فهي من جهة قريبة من أكبر سوق للسيارات في العالم، وسماحها من جهة أخرى بكامل انتاجي أقوى نظراً لقدرة شركات السيارات على شحن السيارات وقطع الغيار بواسطة الشاحنات والسكك الحديدية بدل القاطرات،

كما يتعين عليها العمل في آسيا هذا بالإضافة إلى أن العمل هناك يبقى أكثر رخصاً مقارنة بالولايات المتحدة. حيث يكسب العمال المنضوون في الاتحادات العالمية، 27 دولاراً في الساعة، كما أن الفوائد تبلغ ضعفاً أو ثلاثة أضعاف الكلفة الإجمالية. وبالمقارنة، فإن أجور صناعة السيارات المكسيكية النمطية البالغة 50 ,3 دولارات في الساعة للعمال المهرة، تبدو صفقة رابحة.

ومن جانب آخر، فإن اختلاف الأذواق، بدأ يصب في مصلحة المكسيك. ومع تلاشي شغف الأميركيين بالسيارات الرياضية التي تستهلك الوقود. فإن بعض المحللين يعتقدون أن التكاليف المنخفضة للمكسيك، تجعل من البلد المكان الطبيعي لصانعي السيارات لتجميع الجيل الجديد من السيارات الأصغر حجماً والأرخص ثمناً.

وفي هذا السياق، تساءل جورج غاردنر، المحلل لدى هاربركو نسلتنغ في تروي، متشجان، عما إذا كانت فورد وجنرال موتورز وكرايسلر، قادرة على تصنيع سيارات متوسطة وصغيرة الحجم في الولايات المتحدة، والمحافظة على بقائها وثمة قوى أخرى تلعب دورها في هذا المجال،

والمتمثلة في سجل المكسيك الطويل في إنتاج السيارات والشاحنات للسوق الأميركي والقوة العاملة المتمرسة والخبيرة، والعدد الهائل من موردي قطع غيار السيارات الذين هاجروا إلى المكسيك القادرين على إنتاج 24 مليار دولار سنويا، بعمال يصل تعدادهم إلى 430 ألف عامل.

وتقول المصادر الحكومية إن شركات تصنيع السيارات أنفقت 4 مليارات دولار منذ بداية العام 2005، وأطلقت طرزاً جديدة، من الشاحنات العملاقة إلى السيارات الرياضية، المجمعة في مصانع محدثة، لمضاهاة المصانع المطورة الواقعة إلى الشمال من الحدود.

ومن الراجح، ان ترفع الاستثمارات الجديدة، إنتاج المكسيك إلى ثلاثة ملايين سيارة بحلول العام 2012، اعتماداً على النمو في الولايات المتحدة. سوق المكسيك الرئيسية بحسب أميليوموسو، المسؤول في وزارة الاقتصاد ولابد من الإشارة هنا، إلى أن الطفرة تلك، ما هي إلا انتعاشة جاءت بعد انخفاض مبيعات الموديلات العتيقة في المكسيك، وإيقاف المصنعين لانتاجها استعداداً للموديلات الجديدة.

ولقد ارتفعت الصادرات 50 في المئة خلال الشهور الستة الأولى من العام عن الفترة ذاتها من العام الماضي. ولقد وجّه ثلث الإنتاج وجهة أخرى، ذهب جلّه إلى الولايات المتحدة. وإلى ذلك، قال غابرييل رينيرو، المستشار في ديلويت في مكسيكوسيتي إن الشركات في بحثها عن أماكن لإقامة مصانع جديدة، فإن المكسيك هي المكان الأمثل لمنافسة «ديترويت ساوث».

مضيفاً بأنها ستجد قوة عاملة جذابة في هذا البلد. ويُشار إلى أن صانعي السيارات الأميركيين طرحوا على مدار العام الماضي تشكيلة واسعة من الموديلات الجديدة من مصانع التجميع التابعة لهم في المكسيك. وعلى الصعيد ذاته، قال جورج ماجليانو مدير بحوث السيارات في أميركا س غلوبال انسايت، شركة الاستشارات إن هناك موديلات أخرى في الطريق وتنبأ ماجليانو بأن يوسع صانعو السيارات من تفكيرهم في المكسيك.

يُذكر أنه بموجب اتفاقية التجارة الحرة الأميركية الشمالية فإن السيارات المصنّعة في المكسيك تدخل سوق الولايات المتحدة من دون جمارك، ملغية الحدود لصناعة السيارات. هذا بالإضافة إلى أن اتفاقيات التجارة الحرة مع البلدان الأخرى بما في ذلك الاتحاد الأوروبي ومعظم بلدان أميركا اللاتينية واليابان، تعني أن المصانع القائمة في المكسيك يمكنها شحن سياراتها إلى معظم أنحاء العالم، بتعرفة جمركية منخفضة أو من دون تعرفة البتة.

وعلى صعيد متصل، قالت تبناجا نتنري مدير الرصد لأميركا الشمالية في «جي دي باورا وتوموتيف فوركاستنغ» إن حصة المكسيك من إنتاج أميركا الشمالية ما زال متواضعاً، حيث بلغت 8,11% هذا العام، بارتفاع عن عشرة في المئة العام الماضي.

وأشار ماجليانو من «غلوبال انسايت» إلى أن أسعار البنزين المرتفعة ستؤدي إلى ازدهار صناعة السيارات الصغيرة، والسؤال هو كيفية تطورها. مضيفاً أن هذا هو الفرق بين مليونين وثلاثة ملايين وحدة في المكسيك. هذا وإن أي قرار لنقل وظائف مصانع التجميع إلى المكسيك يثير أسئلة محرجة في الولايات المتحدة، التي تفسر سبب إشارة صانعي السيارات إلى استثماراتهم الضخمة في وطنهم.

فجنرال موتورز، على سبيل المثال، تعكف على بناء مصنع جديد في لانستغ في متشغان، كما أبلغت فورد الشهر الماضي أن المكسيك تمثل 5% من استثماراتها في أميركا الشمالية التي توازي استثماراتها في كندا. وقال متحدث باسم كرايسلر إن من 9 ,9 مليارات دولار أنفقتها الشركة في أميركا الشمالية عام 2003، بلغت حصة المكسيك منها 2 ,1 مليار دولار فقط، أما بالنسبة لجنرال موتورز

فإنها بذلت المستحيل للتعتيم على مصنعها الجديد حتى من دون إصدار بيان صحافي في موقعها على الانترنت. وبحسب ستيفان وايتمان المتحدث باسم جي.إم في المكسيك فإن المصنع سيحصر بيع سياراته في المكسيك. ولفت إلى أن السيارة ستكون مدمجة وتمثل نصف سوق المكسيك من السيارات التي تبلغ 13 ,1 مليون سيارة.

ترجمة : وائل الخطيب