الباب الأحمر الصغير في المبنى المحاط بالشاحنات والبضائع، القريب من مطار الشارقة الدولي، يفضي إلى شركة كبيرة يزيد نمو أعمالها السنوي بمعدلات تجاوز المئة في المئة. الباب الخشبي الصغير، لا يوحي أن خلفه هو المكان الذي يدور فيه الكلام عن الخطط التسويقية الأكثر فعالية وقدرة على تذليل العقبات الكثيرة، وإحلال ثقافة استهلاك جديدة في المنطقة لم تكن متواجدة من قبل في عالم الخدمات.

تحديدا خدمات الطيران. الباب الأحمر الصغير يفضي إلى مكاتب شركة «طيران العربية». يعرف هذا الاسم الفلاح البسيط في كوتشي الهندية، في مقاطعة كيرلا جنوبي الهند، كما ابن البلد المصري الآتي من أسيوط، أو الجدة العجوز التي تتمنى زيارة الأحفاد ومنعتها قلة الحيلة المادية من السفر من قبل، أو رجل الأعمال الذي يتنقل بين الشارقة والسعودية، أو بين إيران وباكستان،وصولا إلى اسطنبول وسيرلانكا.

عادل علي، الرئيس التنفيذي للشركة، رافق تطورها السري خلال السنوات الماضية، وكان العقل التسويقي الأعمق في الكثير من نشاطها التوسعي. في مكتبه المتواضع، من غير إبهار أو فخامة كبيرة، يتحدث بالتواضع ذاته عن مسيرة نجاح أوصلت، حتى الآن، إلى تسيير 140 رحلة أسبوعيا، عبر ثماني طائرات نصفها تمليك ونصفها ايجار تصل إلى 27 وجهة مختلفة في العالم، مضيفة إلى اسطولها 3 طائرات ومتخطية 8 عقبات تسويقية.

البحث عن فضاء للنورس الجديد

في 20 أكتوبر المقبل يكون قد مضى على تحليق أول طائرة لـ «العربية» ثلاث سنوات. يتذكر علي التاريخ جيدا، فيما تذكر الأشياء المصفوفة في مكتبه بتواريخ أخرى. على حافة النافذة، قارورة فيها رمل ملون، تحمل العبارات التالية:

ذكرى الرحلة الأولى إلى العقبة.. 19 أكتوبر 2005... شهادات تقدير تذكر بانجازات الشركة الكثيرة خلال تلك الفترة القليلة نسبيا، وشهادات رسمية أخرى تؤكد على معايير السلامة المتبعة على طائراتها. «الصندوق الأحمر» للشركة يحمل الكثير من حكايات الوصول، ليس إلى «عقبة» واحدة، وإنما إلى «عقبات» متعددة، نجح الفكر الإداري والتسويقي في التغلب عليها.

أول العقبات، التي تلاشت اليوم، كانت إدخال علامة تجارية جديدة، في سوق اعتاد فيه المسافرون على أسماء شركات طيران محددة يستخدمها في أسفاره. للمسافر ولاء إلى شركة الطيران، كما الفندق ونوعية الطعام الذي يأكله والاحتياجات التي ينقلها معه: بدا الأمر صعبا، خاصة أن طبيعة الخدمة مختلفة وليس هناك وعي بأهميتها من قبل جمهور المسافرين.

كان على علي أن يتبع القاعدة الأكثر بدائية، وإنما الأكثر فعالية في عالم «البزنس»، لذلك ركّز على فلسفة بسيطة يختصرها بالتالي: بعيدا عن التعقيد، أقول إن المسافر يسافر لا بجيبي ولا بجيبك وإنما بجيبه هو. هذا يعني أن تكلفة السفر تبقى العامل الأشد حسما في قرارات السفر التي يتخذها الفرد أو تلجأ إليها المجموعة (العائلة، الأصدقاء، الشركة).

أدخلت الشركة إلى المنطقة، للمرة الأولى، مفهوم شركات الطيران مخفضة التكاليف، لكي تضاف تلك العبارة إلى قاموس لم يكن فيه غير ذكر لشركات «الطيران التقليدية»، أي الناقلات الوطنية والعالمية، وأيضا شركات الطيران الخاص التي يستخدمها الأثرياء.

استغراب وحذر في مواجهة ابتسامة عريضة

وسريعا، تناقل الناس خبر شركة الطيران، متهاودة الأسعار، التي تشبه تذكرتها الورقة العادية، وتشتري على متن طائراتها الصحيفة من دون أن تقدم لك مجانا، كذلك وجبة الغذاء. وكما هي العادة، ومع ظهور أي منتج أو خدمة جديدة في سوق مشبع بالخبرات السابقة والمنافسة العالية،

فإن من بين ردود الفعل التي يقابل المستهلك بها المنتج الجديد الاستغراب والحذر وأحيانا إطلاق الشائعات والنكات. هكذا، وطوال الشهور القليلة التي تلت إطلاق الشركة، سرت مجموعة من الأقاويل التي كانت، في واقع الأمر، تشكك بنجاح تجربة الطيران مخفض التكاليف، كونها جديدة على الناس في المنطقة ولا يفقهون بعالمها.

كان من الطبيعي أن يكون التشكيك موجها ضد «العربية» بوصفها الشركة التي أدخلت هذا المفهوم، وارتبط اسم علامتها التجارية، لوهلة، ببعض القيم السلبية مثل قلة الأمان أو تردي الخدمة، وهو الأمر الذي تبين عكسه بمرور الوقت.

إنهم يعاودون الكرّة

ولعله من المبكر الحديث عن المرحلة الثانية التي تلي مرحلة تثبيت العلامة، وهي خلق الولاء للعلامة (براند لوياليتي)، إلا أن علي يقول إن نسبة الذين يكررون الحجز على متن الناقلة بعد السفر لمرة أولى، وتحديدا بين فئة رجال الأعمال، قد انتقل من 5% في الفترة الأولى إلى 35% حاليا.

وتكمن أهمية هذا المثال من كون فئة رجال الأعمال هم الفئة الأكثر اقتدارا من الناحية المادية، وبالتالي فإن خيارات الإنفاق أمامهم تكون مفتوحة للتنقل من منتج إلى أخر، وفي هذه الحالة من شركة طيران إلى أخرى. بعكس فئة أخرى من العمال أو الطلبة أو السياح من الطبقة المتوسطة،

أو الزائرين من أفراد العائلات، والذين قد يقال إن ترددهم على استخدام طائرات العربية لا يأتي إلا بحكم الاضطرار، كي لا ينفقوا أكثر على دفع تذاكر الشركات الأخرى. لكنّ علي يوضح أن «مسافر العربية هو ليس مسافرا مضطرا، بل إن العربية، بالنسبة له، خيار».

الأمن في الأولوية

التحدي الثالث الذي واجه الشركة تمثل بإبعاد المشوشات السلبية عن الاقتران بعلامتها التجارية، وأهمها، وكما هو الحال بالنسبة إلى أي شركة طيران، خاصة إن كانت جديدة وهي 6 معايير اساسية للسلامة والأمن: بالتأكيد أن أي دولة تحط فيها طائراتنا يجب أن تتأكد من ملاءمة مستوى تجهيزاتنا للوائح العالمية المتبعة في هذا المجال، ولا يعني، على سبيل المثال، عدم نزولنا في القاهرة نقص في تلك المعايير،

فكيف يسمح لنا بالطيران إلى الإسكندرية وأسيوط إذا. وأضاف أن «ايرباص» لن تغامر بسمعتها ببيع الطائرات لشركات «غير موثوقة»، وأيضا شركة التأمين العالمية «لويدز» والشركات التي «تؤجرنا الطائرات»: «قدرتنا التنافسية تكمن، أساسا، في إثبات معايير السلامة وتأكيدها، وهو الأمر الذي نجحنا به، ونافسنا شركات أخرى في ذات المجال وفي مجال الطيران التقليدي».

وفي الإطار ذاته، كان على الشركة أن تدحض الأقاويل التي شاعت عن إقفال أبواب مطارات معينة في وجهها، بسبب افتقارها إلى معايير السلامة. ويصف علي هذا الحديث بالتشويش الساذج وقليل الخبرة في مجال الطيران، فكل من له خبرة ولو بسيطة في هذا المجال، واستنادا إلى ما سبق وذكرته، يعرف أنها أقاويل باطلة.

ويؤكد أنّ الشركة لا بد أن تسيّر عملياتها عاجلا أم آجلا إلى المطارات التي تقفل بواباتها حتى الآن في وجه طائراتها. وبالرغم من أن «العربية» تسيّر رحلات منتظمة إلى مدن مصرية مثل الإسكندرية وأسيوط والأقصر وشرم الشيخ، الا أن أبواب القاهرة لا تزال مقفلة في وجهها.

ويعزو علي ذلك إلى رغبة الحكومات بحماية ناقلاتها الوطنية، مؤكدا على الإفادة الكبيرة التي تجنيها «الأسواق المتحفظة» من تحرير كامل أجوائها الجوية، ضاربا أمثلة عن التجربتين اللبنانية والإماراتية. وكانت الشركة قد نجحت، منذ شهور قليلة، بتسيير رحلاتها إلى مطار عمّان مباشرة، بعد مفاوضات استغرقت سنوات، وجرت على مستويات الأجهزة العليا في دولتي الأردن والإمارات.

واقتصر نشاط «العربية» قبل ذلك على مطار العقبة، لكنها أوقفت مؤخرا رحلاتها لقلة الطلب على ذلك الخط. ولا تزال الناقلة، بعد مضيّ ثلاث سنوات على بدء نشاطها الذي أسس لحقبة الطيران مخفض التكاليف (لو كوست) في المنطقة، تواجه صعوبات في توسعة نشاطها في بعض المناطق،

بالرغم من جهوزيتها المالية واللوجستية لذلك، بحسب علي. وقد أجبرت السلطات الأردنية الشركة على الهبوط في مطار عمّان الدولي في وقت متأخر من الليل: الثالثة فجرا، الأمر الذي يحرم عدد كبير من الجالية الأردنية في الإمارات من الإفادة من أسعارنا المخفضة وعروضنا الترويجية.

« القافلة تسير»..

«عقبة» أخرى برزت في فضاء الشركة، وهي الحديث عن احتمال اصطدام تجربة الطيران مخفض التكاليف في المنطقة بجدار اللاجدوى، استنادا إلى تصريحات خبراء في مجال الطيران. فبالرغم من أن سوق الطيران مخفض التكاليف لا تزال توصف «بالسوق العذراء» في المنطقة،

إلا أن بعض الخبراء لا يجدون جدوى في تنشيط هذا السوق واختراقه من قبل شركات الطيران العالمية، فهو سوق صغير تسيطر عليه الناقلات الوطنية والعالمية الضخمة، كما يقول ستيلوس هاجي ايونو مؤسسة شركة (ايزي جت)، إحدى الشركات العالمية في هذا المجال.

ولا تزال (ايزي جت) مترددة من دخول أسواق المنطقة، ومن المتوقع أن تدير نشاط واحدة من بضع شركات سعودية ينتظر أن يتخذ قرار من السلطات السعودية باعتمادها قريبا كأول تجربة سعودية في المجال.من جهته، لا يرى أكبر الباكر، الرئيس التنفيذي للخطوط الجوية القطرية أي تجربة طيران في المنطقة يمكن تصنيفها «بالطيران الاقتصادي»، معتقدا أن أسعار تذاكر تلك النوعية من الطائرات تفوق، في بعض المرات، أثمان تذاكر الطيران التقليدي.

لكنّ عادل علي لا يوافق على وجهات النظر «المتشائمة» تلك، داعيا المتخوفين إلى تفحص تجربة «العربية»، التي تسيّر ما معدله 140 رحلة في الأسبوع إلى معظم المدن الرئيسية في الخليج والمنطقة، إضافة إلى أفغانستان وكازاخستان وسريلانكا وتركيا، ليصل مجمل العدد إلى 27 وجهة.

وتخطط الشركة إلى زيادة عدد طائراتها من 8 إلى 11 بحلول العام المقبل، ومضاعفة رحلاتها إلى وجهات جديدة ، كما تم افتتاح خطوط جديدة منظومة الطيران مخفض التكاليف هي منظومة متكاملة ولا يمكن أن تجمع شركة طيران بين النشاطين في الوقت ذاته،

فتقدم خدمات عادية إلى الراغبين بالسفر التقليدي، ومخفضة إلى الراغبين بـ «اللو كوست». وكانت شركة «طيران الخليج»، المملوكة من الحكومتين العمانية والبحرينية، قد أطلقت تجربة متعثرة في مجال الطيران مخفض التكاليف تحت اسم «مسافر الخليج»، الا أنها سرعان ما أوقفت ومنيت بخسائر ضاعفت مشاكل الشركة المالية. وعلى المستوى العالمي لم تنجح العملاقة «بريتيش ايرويز» بإنشاء شركة طيران مخفضة التكاليف،

كما تواجه تجربة الألمانية «كي إل إم» عثرات كثيرة تهدد استمراريتها. يقول علي: هناك فلسفة متكاملة يجب إرساؤها لإنجاح التجربة، تبدأ من عدد الموظفين وأجورهم، وصولا إلى نوعية الطائرات التي تشترى او يتم تأجيرها، مرورا بالسياسة السعرية والحجز عن طريق الانترنت.

ولا تنوي الشركة امضاء عقود مع «بوينغ»، وتكتفي بشراء طائرات A380 من «ايرباص»، او استئجارها عبر شركات عالمية مثل سآي أل أف سي» الاميركية (680 طائرة) و«سي آي تي» (480 طائرة): في مجال الطيران مخفض التكاليف، يجب الالتزام بالتزود بالطائرات من شركة واحدة، فذلك يخفف تكلفة التشغيل والصيانة.

الوجهات والبوصلة الهندية

وتسيّر الناقلة احيانا رحلات بأقل من مائة دولار، للاتجاه الواحد وغير مشمولة الضرائب، إلى: حلب ودمشق (سوريا)، الإسكندرية، أسيوط، الأقصر وشرم الشيخ (مصر)، عمّان (الأردن)، استانا والماتي (كازاخستان)، البحرين، بيروت (لبنان)، كولومبو (سريلانكا)،

الدمام، جدة والرياض (المملكة العربية السعودية)، الدوحة (قطر)، الخرطوم (السودان)، الكويت، مومباي وناجبور إضافة إلى جايبور وكوشي (الهند)، مسقط (عُمان)، صنعاء (اليمن)، الشارقة (دولة الإمارات) وطهران (إيران) وكابول (افغانستان) ومؤخراً إلى أوروبا وتحديداً اسطنبول (تركيا).

وتركز «العربية» في الفترة المقبلة على أسواق شبه القارة الهندية، وتنوي تسيير رحلات إلى باكستان، رغم أن لا «ضوء أخضر» من الحكومة الباكستانية حتى الآن: وهذا غريب، فالإمارات سمحت مؤخرا لطيران باكستاني مخفض التكاليف هو (اير بلو) بمزاولة نشاطه في أجوائها، ممنوعون، في المقابل، من دخول سوق باكستان.

وفي الهند، سارعت الحكومة إلى تأسيس شركة «اير آسيا»، لمنافسة «العربية» وعدم ترك الخطوط بين الهند والإمارات حكرا عليها.

دبي ـ خاص «البيان»