أمسك أحمد شرف رئيس مجلس إدارة البورصة بدفة توجيه سفينة البورصة عبر الأمواج المتلاطمة إلى بر الأمان، وتولى بنفسه إخراج المشاهد المفصلية لعملية ميلادها من شرنقة المصاعب والتحديات، واقترن اسمه مع الخطوات الحاسمة والقرارات الدقيقة التي تتعلق بكينونة البورصة وهويتها ومنتجها.
واجه أحمد شرف طيفا متسعا من التحديات الصعبة، ووضع على عاتقه مهمة التوصل إلى حلول تعالج ضرورات الواقع بكافة تضاريسه وتعرجاته، وتناشد في الوقت ذاته تطلعات المستقبل، وبالتالي، لم يكتف بالنظر إلى مزالق ومنحدرات الغابة، بل مد ببصره إلى ما وراءها، أي إلى أفق المستقبل برحبته واتساعه، وذلك لكي تخرج البورصة وهي تتمتع بكافة مصادر القوة التي تكسبها القدرة على الاستمرار والبقاء.
حلول وبرامج زمنية
وفي سبيل تحقيق غايته، لم يسر أحمد شرف على طريق معبد وسلس، بل واجه الكثير من النتوءات والعثرات، وكان عليه أن يضع حلولا وبرامج زمنية للتعاطي مع التحديات التي توالت منذ بدأ التفاوض بين مجموعة دبي القابضة وبورصة نيويورك التجارية حول تأسيس بورصة في دبي للتداول على عقود النفط في فبراير 2004.
وتكلل هذا الجهد بالتوصل إلى اتفاق نص على تأسيس بورصة دبي للطاقة كمشروع مشترك بين شركة دبي القابضة وبورصة نيويورك للطاقة والتجارة (نايمكس) وفق شراكة بالتساوي 50% ( لكل طرف)، لتكون أول بورصة للطاقة في منطقة الشرق الأوسط، مع تحمل دبي القابضة ونايمكس كافة التكاليف اللازمة لتطوير البورصة بما في ذلك رأس المال والخدمات.
وتولت سلطة دبي للخدمات المالية توقيع الاتفاق مع لجنة تداول العقود السلعية الآجلة، وهي هيئة تنظيمية رئيسية لتداول عقود السلع في الولايات المتحدة، وتتولى إدارة 24 سوقا وغرفة مقاصة بما فيها بورصة نيويورك التجارية.
تم تعيين أحمد شرف كمدير تنفيذي لشركة دبي للطاقة التي تم إطلاقها في 7 يونيو 2005 كشركة تابعة للشركة القابضة، بهدف تعزيز استثمارات دبي القابضة في مشاريع إستراتيجية رائدة ضمن قطاعات الطاقة، تعزز توجهات دبي القابضة نحو تأسيس قاعدة اقتصادية متنوعة تدعمها مجموعة من المبادرات والمشروعات التي تركز على أبرز القطاعات الاقتصادية.
من خلال تضافر جهود كافة مواردها البشرية وكوادرها الإدارية في تأسيس مشاريع نوعية في قطاع الطاقة، تسهم بفعالية في تعزيز تدفق الاستثمارات الدولية، وإجراء العديد من المباحثات مع أبرز الشركات العالمية لتقييم ومراجعة الفرص الواعدة التي تطرحها قطاعات النفط والغاز، والبحث عن استثمارات جذابة ضمن أسواق الطاقة العالمية.
وقبل قرار تعيينه، ترك أحمد شرف موقعه كنائب مدير دائرة تطوير الأعمال في شركة كونوكو فيليبس الشرق الأوسط، إحدى أبرز الشركات العالمية في مجال الطاقة، لينضم إلى دبي للطاقة ويساهم من خلال خبراته ومعارفه في تعزيز آفاق نجاح عمليات الشركة وتحقيق أهدافها.
وقد بدأ أحمد شرف مسيرته المهنية مع شركة دبي للبترول في عام 1989، وقبل اعتراكه مجال صناعات الطاقة، جهز نفسه بالمؤهلات العلمية التي تدعم مسيرته في هذا المجال، حيث حصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة ديوك، كلية فوكوا للأعمال. كما حصل على شهادة البكالوريوس والماجستير في الهندسة البترولية من كلية كولورادو » كولورادو سكول أوف ماينز«.
القضايا الشائكة
لم تقف التحديات عند حدود التوصل إلى قرار بشأن نوعية النفط الخام الثقيل الذي سيعمل كمؤشر مرجعي في تحديد أسعار النفط الخام الثقيل، بل طالت التحديات قضايا أخرى شائكة ومعقدة تتعلق بمواصفات عقد النفط الخام الأجل التي تتناسب مع احتياجات ومتطلبات السوق. فضلا عن أساليب تسوية وتسليم العقود.
وفي خضم هذه التحديات المتلاطمة، برز التحدي الرئيسي الذي ارتطمت على صخوره الوعرة، المحاولات السابقة لإطلاق عقود آجلة للنفط الثقيل، وهو ضمان التفاعل الإيجابي للسوق مع هذه العقود، في وقت، تتخذ فيه الدول المنتجة للنفط والتي يرتهن عليها نجاح العقود موقف الترقب والانتظار،
حيث يؤدي مثل هذا الوضع إلى خلق ما يشبه » بالدائرة المفرغة« التي تستوجب على القائمين على بورصة دبي للطاقة ابتكار حلول تكفل الخروج منها، وازدادت إلحاحية هذا التحدي، مع اقتراب بورصة دبي للطاقة من مواجهة »لحظة الحقيقة« وهي اللحظة التي ستبدأ فيها شاشة التداول في بث أسعار العقود الآجلة للنفط الخام الثقيل.
عقد خام عمان
وكان أحمد شرف، أحد الرموز القوية في مشهد إعلان وزارة النفط والغاز في سلطنة عمان وبورصة دبي للطاقة اعلن عن توصل فريق العمل المشترك بينهما إلى انجاز عقد آجل جديد للنفط الخام الكبريتي الشرق أوسطي، وقد بدأ التحضير لهذا العقد منذ توقيع مذكرة التفاهم بين الجانبين في شهر فبراير 2006
والتي نصت شروطها على قيام الطرفين بدراسة مكثفة لمزاياه ومضمونه والعناصر الضرورية لوضع اللمسات الأخيرة عليه، وقد رفعت مجموعة العمل، المكونة من كبار الأخصائيين من وزارة النفط والغاز، ووزارة المالية، وشركة تنمية نفط عمان في سلطنة عمان، وبورصة نيويورك للسلع (نايمكس)
وبورصة دبي للطاقة نتائج أعمالها للجنة المشتركة التي تضم كبار ممثلي الأطراف المعنية، فوافقت عليها بالإجماع وأصدرت تعليماتها لمجموعة العمل لأخذ وجهة نظر المؤسسات المالية والمؤسسات المختصة بالطاقة حول مسودة العقد الآجل للنفط الخام استعدادا لتدشينه في الربع الأخير من عام 2006.
وعكست كلمة أحمد شرف التي ألقاها في هذه المناسبة التاريخية، مدى حيوية ومصيرية هذا القرار بالنسبة لمستقبل البورصة، فلم يكتف بتأكيد الاعتزام على بناء علاقة وطيدة وطويلة الأمد بين سلطنة عمان ودبي من اجل تطوير عقود النفط الخام الكبريتي الشرق أوسطي الآجلة،
والإشادة بعلاقة الشراكة بين شركتي نفط عمان ونايمكس في المساعدة على تحقيق هدف دبي الخاص بإطلاق بورصة طاقة عالمية، بل جاء في كلمته على الإشارة إلى الدور التاريخي الذي اضطلعت به كل من عمان ودبي في تحديد أسعار النفط الخام الكبريتي الشرق الأوسطي في التوصل إلى هذا الاتفاق.
ورغم اقتضاب هذه الإشارة، إلا أنها ألقت الضوء على أسباب وقوع اختيار البورصة على خام عمان، وتتمثل في حرص البورصة على إثبات هويتها بأنها حلقة مهمة في تطوير آلية التسعيرة المعتمدة حاليا لصادرات منطقة الشرق الأوسط من النفط للأسواق الآسيوية،
إذ ساعد إدخال خام عمان ضمن المقياس المرجعي لنفط خام دبي في تعزيز قدرة الخامتين على البقاء كأساس مرجعي في تقييم أسعار الإمدادات الآسيوية. وبالتالي، تم التغلب على مشكلة تراجع إنتاج دبي. وساهمت هذه الآلية في تحفيز المشاركة على نطاق متسع من كافة القطاعات المهتمة بالمتاجرة في النفط، بل تطورت كذلك أسواق المعاملات المشتقة من خام دبي المرجعي، من بينها »مقايضات دبي« Dubai Swaps و»تبادل المقايضات« Exchange Swaps.
تفاصيل العقد
وفي يونيو الماضي، تولى أحمد شرف إخراج لحظة تاريخية أخري في عمر بورصة دبي للطاقة، وهي الإعلان عن تفاصيل عقد عمان الآجل للنفط الخام، وتضمنت كلمته الكثير من القرارات الهامة والمصيرية، من بينها الكشف عن أنه سيتم تسليم العقد باستخدام المخزون النفطي الخام لميناء الفحل وتسهيلات التحميل الموجودة في الميناء، وسلط كذالك الضوء على مواصفات العقد،
إذ يبلغ حجمه 1000 برميل يومياً عند نهاية اليوم التجاري في سنغافورة، الأمر الذي يراعي أن السوق الأكبر للنفط الخام للشرق الأوسط هو آسيا، وتم تحديد الحد الأدنى لحجم التسليم الفعلي بـ 200 ألف برميل. وسيتم التسليم من قبل بورصة دبي للطاقة وشركة تنمية نفط عمان التي تقع مكاتبها الرئيسية بميناء الفحل،
وستخضع جميع العقود لغرفة مقاصة بورصة نيويورك للسلع (نايمكس). بالإضافة إلى قواعد احتساب الهوامش المعمول بها حالياً في بورصة نيويورك للسلع، بحيث تتم هذه العملية من خلال إيداع خطابات اعتماد وضمان لدى غرفة المقاصة بواسطة كل عضو من أعضاء المقاصة.
ورغم أن بعض أحكام وشروط العقد لم يتم الإعلان عنها بعد حتى يتم إتمام العقد بشكل نهائي. إلا أن اختيار أحمد شرف مؤتمر آسيا للنفط والغاز في العاصمة الماليزية كوالالمبور كمنصة إطلاق لهذه المرحلة التاريخي، أنطوى على دلالات ومعان تتعلق أساسا بأن يكون المكان المحتضن لهذا المشهد،
هو ذات المكان الذي تضع بورصة دبي للطاقة نصب عينيها عليه، وهو الأسواق الآسيوية، حيث تواجه هذه الأسواق معضلة رئيسية تتمثل في تزايد أهمية النفط الثقيل والمر، في الوقت الذي يفتقد فيه إلى آلية تسعير مستقرة على غرار النفط الخفيف كمزيج خام برنت ونفط غرب تكساس.
إشارة للأسواق الآسيوية
أراد أحمد شرف أن يطلق إشارة للأسواق الآسيوية بأن بورصة دبي القادمة ستوفر آلية تسعير تعالج أوجه الضعف التي يعاني منها النظام الحالي لتسعير النفط، بما ذلك الاعتماد المفرط على سوقين يحظيان بشهرة واسعة النطاق، وهما بورصة نايمكس وبورصة البترول الدولية بلندن،
بل وجاء إطلاق البورصة ذاته في الأصل، استجابة للمقترحات التي طرحها البعض لتحسين الشفافية والكفاءة في سوق النفط، وقد تضمنت هذه المقترحات، تطوير أسواق نفطية للتعامل الفوري والآجل في منطقة الشرق الأوسط وعلى وجه الخصوص منطقة الخليج،
على أن تكون النفوط التي ستستخدم كمقياس مرجعي في تسعير النفط بعيدة جغرافيا عن بحر الشمال والسوق الأميركي. وتكون أكثر مرارة وثقلا من خامتي غرب تكساس وبرنت، وأن تتم عملية التداول وإبرام الصفقات بأسلوب يتسم بالشفافية وبالكفاءة بحيث لا يتمكن لاعب واحد أو مشتر واحد من التلاعب في السعر.
وتوالت المشاهد التي تولى أحمد شرف مسؤولية إخراجها، وتمثل المشهد الأكثر تأثيرا هو إعلانه عن بدء تجهيز أعمال إنشاء الأرضية والمساحات المكتبية اللازمة لعمليات التبادل، وذلك في مقرها الجديد الكائن في المبنى الثاني لمركز دبي المالي العالمي، وجاء هذا الإعلان ليمثل إشارة على اقتراب موعد ميلاد البورصة، وأعطى الانطباع بأن ما تبقى من عمل لا يعدو أن يكون مجرد لمسات نهائية.
وقد مضى العمل على قدم وساق في تجهيز دورين كاملين داخل المبنى الجديد بأحدث وسائل التكنولوجيا التي من شأنها أن تسهل عمليات التبادل الإلكتروني في بورصة دبي للطاقة، وعملية انتقال الشركات لممارسة عمليات التداول من مقر بورصة دبي للطاقة، وبالتالي، سيتجمع البورصة تحت مظلتها التجار من ذوي الخبرة وكذلك البنوك العالمية والمؤسسات الدولية والأفراد من جميع أنحاء العالم، مما سيسهم في خلق مجتمع تجاري للطاقة،
وسيعمل كذلك على توليد المزيد من السيولة، كما لن يقتصر التداول في عقد عمان الآجل للنفط الخام على أعضاء بورصة دبي للطاقة، حيث يمكن للعملاء من خارج مركز دبي المالي العالمي التعامل والتداول في بورصة دبي للطاقة عن طريق البورصة الإلكترونية شريطة أن يلبوا المتطلبات التنظيمية اللازمة.
ومن شأن تلك المزايا مجتمعة - والكلام هنا على لسان أحمد شرف - أن تجعل من البورصة مركزا رئيسيا للتبادل التجاري في قطاع الطاقة في المنطقة، يوفر بيئة تداول إلكترونية تفوق احتياجات المتداولين من جميع أنحاء العالم.
»البيان« ـــــ مجدي عبيد: