في اليوم الثالث على انطلاق مهرجان البندقية السينمائي الدولي تنوعت النشاطات إلى جانب العروض، فأقيمت حلقة نقاشية حول التقنيات السينمائية الحديثة والتصوير الرقمي، والأبعاد الثلاثية التي تسمى «إيميكس»، وعرضت كبرى الشركات لإنتاج التقنيات من آلات التصوير وأجهزة إضاءة وصوت، ومعداتها الحديثة والمتطورة والسهلة الاستعمال، والتي بدت وكأنها تلغي أو تقلل من دور الإنسان خلف الكاميرا تحديداً.
فيمكن تلقين «كمبيوتر» الكاميرا كل المعلومات اللازمة عن المشهد المنوي تصويره، وهي تقوم بكل شيء لوحدها، حين تنفذ خطة ورؤى المخرج من دون الحاجة إلى من يديرها، وقد علق أحد تلاميذ معاهد السينما على الأمر بقوله:
«إن الوقت الطويل الذي يحتاجه «الكمبيوتر» في تلقينه المعلومات يساوي أضعاف الوقت الذي يستخدمه المصور البشري في تنفيذ المشهد». فأجاب مندوب الشركة المصنعة: «هذه التقنية ليست لتنفيذ مشاهد عادية، بل للقيام بتنفيذ اللقطات الصعبة في الأماكن الضيقة التي لا تتسع لوجود الكاميرا والمصور معاً في المكان ذاته».
خلاصات هذه الندوة تمركزت حول ثلاث نقاط هي: عالم الصورة مقدم على تغيرات كبيرة قد تنسف مفاهيم أكاديمية كثيرة. الدور البني آدمي يستمر بالإشراف على عمل الآلات منها التصوير والمنتجة، تقنيات الإضاءة الحديثة ستقدم لمدير التصوير والسينوغرافي فرصاً لصناعة ديكورات افتراضية.
«هوليوود لاند» أفضل بكثير من «بلاك داليا»
لا يبتعد كثيراً آلين كولتير بـ «هوليوود لاند» عن أجواء فيلم المخرج بريان دي بالما «بلاك داليا» فكأنهما يتحدثان أو يصوبان سهامهما إلى مربع واحد، وهو استوديوهات هوليوود الأضخم في العالم، ولكنهما يعرفان كما غيرهما، أن العملين من إنتاج هوليوود ذاتها، التي تبدو صاحبة رحابة ديمقراطية لا تقل حجماً عن حجم استوديوهاتها.
روبرت ألتمان قدم في بداية تسعينات القرن الماضي عملاً من استوديوهات هوليوود، تحت عنوان «اللاعب» عن الفساد والجريمة في هوليوود، فيصور الاستديو بذاته، ويخلع قشور «الديكور» ويخلع قناعه كمخرج، كمواجهة ضرورية ولو بدت أحيانا «انتحارية» فالشجاعة يلزمها حيوية الرؤية، التي يتمتع به كوليتر بفيلمه خلافاً لزميله دي بالما الذي بدا كسولاً في «بلاك داليا»،
ذات الصيت من دون الفعل ومنجذباً إلى كليشيهات جاهزة في تصنيع كوادر احترافية أكثر منها فنية، فيبني على نمط هيتشكوك، لكن أين هو من صاحب الصنعة الكبير، أو صاحب أطول لقطات في تاريخ السينما؟ «احترافي» بالتأكيد الفريد هيتشكوك لكنه فنان، لا تخور قواه في لحظة تتطلب إبداعاً، أو استنباطاً، فالتلميذ هذه المرة «دي بالما» لم يتجاوز أستاذه ولم يصل إلى مستوى ما، منه.
«هوليوود لاند» يعالج بأساليب الكاتب الروائي موباسان التي تدل القارئ أو المشاهد إلى الخطأ وليس إلى المخطئ. فالخطأ يقف جنباً إلى جنب الصواب أحياناً، وفي أحايين أخرى يبدو الأول عدمياً، والثاني مجهولاً. وعلى هذا التناقض أو التكامل لا فرق. يبني المخرج الين كولتير سردية فيلمه على الأضداد، الين مثل الميت والعكس صحيح، قدرة هائلة على أن يمتلك المخرج هذا المستوى من اللغة.
فالتحري الخاص الذي يبحث في قضية جورج ريفيز الذي أعلن عن انتحاره في العام 1952 بعد أن اشتهر سنوات في مسلسل «سوبرمان» الشهير الذي بثته محطات التلفزة بالأبيض والأسود آنذاك داخل الولايات المتحدة الأميركية بنجاح هائل شد لمشاهدته كباراً وصغاراً، هو صورة أخرى عن ريفير التائه، الذي تسلق الفرص ولا يتورع عن الانجرار خلف امرأة تكبره سناً ومتزوجة من منتج فني كبير،
علها تحمل إليه فرصة ما، وعندما لا يفلح معها ينقاد إلى مدينة نيويورك سعياً خلف الشهرة والمال والأضواء، فيوظف وسامته وكل ما يملك في سبيل الوصول، يعرف أنه يخدع في مكان ما، لكنه سيستمر ويخدع نفسه، فالمرأة الثرية أحبته بالفعل حباً كبيراً طعن في الظهر، فتبكي كوحش فقد سلطته، وكطفل بلا أنياب أصلاً.
والدة ريفيز لا تصدق النبأ وتنفيه، فهي تعرف ابنها أكثر من الشرطة والتحري الخاص. ومن نسائه خصوصاً عشيقته الجديدة الغامضة والفقيرة المدعية الثراء، والتي بدا معها متأثراً ولا يؤثر بتضادعن وضعه في العلاقة الأولى، حيث الانجراف من المرأة نحوه.
التحري الخاص مطلق ويعيش مع صديقة لا يثق فيها، ولا يلبث أن يطردها. ابنه يعيش مع طليقته وزوجها الجديد. الطفل في سنواته العشر «سوبرمان» الأسطوري على التلفاز رمزه الأول في ظل غياب صورة الأب أي البطل المحلي، هذا يدفع به نحو سلوك عنفي تارة يضرب الزرع بأحجار صغيرة بشكل متواصل، وتارة يصمت بعنف سلبي، وحين يرى والده مخموراً يفر منه، يرفضه، لا يريده ضعيفاً،
ويختار الأم عليه مع انه في البداية كان يطلبه باستمرار. الأم تعقد دورها «الدرويشي» على خلفية ما تملك من أدوات متواضعة وترفض أن يتدخل زوجها الثاني بحوارها مع الزوج الأول، الذي لا يستطيع الانصياع لقوانين المؤسسة الزوجية، ساعياً إلى بطولة ما أيضاً، كأنه الوجه الآخر لجورجي ريفيز فعلاقتهما مع الوجود مرتبطة بنجاحها في تحقيق الطموحات الفردية، التي تشبع غريزة الأنا الأبدية لأكثر البشر.
يتخيل التحدي ثلاثة سيناريوهات لوقع حادث موت ريفيز، الأول: أن يكون ريفيز قد تشاجر مع صديقته فأطلقت عليه النار عن غير عمد. الثاني: أن يكون المنتج زوج عشيقته الأولى قد انتفع منه وقتله. الثالث: «سوبرمان انتحر» بالفعل. وهذا التصور يبقى غامضاً حتى بعد انتهاء الفيلم، الذي ستقف أمامه لجنة التحكيم طويلاً، لحيازته على عناصر عديدة مميزة، أهمها:
المناخ الروائي البصري الممتاز، فنيات تركيب السينوغرافيا العامة، التمثيل عموماً، وأداء بطليه أدريان بروودي وبن آفليك، الرموز المشغولة بشفافية، المخرج ألين كولتير الذي شد مستويات العمل إلى بؤرة مركزية واحدة، تحمل خصوصية يمكن مقاربتها مع خصوصيات لكبار صناع السينما.
كل هذا يدل على أن فيلم «هوليوود لاند» لن يخرج من المسابقة الكبرى بكفين فارغتين، إذا ما كان طموحه يشمل أحد بطليه بـ «كأس فوبي» لأفضل ممثل. فدور «حنين» في هذه الدورة يبدو أنهحجز من قبل بريان دي بالما على أمل أن يعوض شيئاً بكتفي هيلاري سوانك الفتية الحائزة على أوسكارين متتاليين، بأن تفوز بجائزة أفضل ممثلة، لأن أداءها بالفيلم كان ذكياً، وأظهرت خبرة تراكمت بفعل تجربتها الواسعة مع مخرجين كثر لهم أساليبهم.
البندقية ـ حسين قطايا:
