تحتضن العاصمة الصربية بلجراد حياً تجارياً صينياً مزدهراً. فنتيجة لتخفيف قيود تأشيرات الدخول في عام 1999 شرع الصينيون يتوافدون على بلجراد بأعداد كبيرة، بعضهم كان ينظر للعاصمة الصربية كنقطة انطلاق إلى الغرب وبعضهم كان قصدها للاستقرار وفتح المتاجر والمطاعم.

وظهرت المتاجر الصينية الأولى في أقصى ركن من السوق الشعبية في بلجراد ولم تكن بضائعها تزيد من المنسوجات والأحذية ولعب الأطفال. ولكن ذلك سرعان ما تحول إلى مساحات واسعة من السوق تحتلها البضائع الصينية وصاحب ذلك حملة إعلانات مكثفة في الصحف المحلية.

ولكن الأهم الآن هو أن المشاحنات التي كانت تقع في البداية بين القادمين الجدد من الشرق وبين سكان بلجراد قد اختفت الآن، ربما لان الفريق السلافي قد أصبح أكثر قبولا لفكرة التغيير وربما لان الصينيين أصبحوا أكثر قدرة على التكيف مع سكان الأرض الجديدة.

أيضا اكتسب مقاولو البناء الصينيون الاحترام باعتبارهم القوة المحركة وراء بناء وتطوير أحياء المساكن الشعبية في بلجراد.الان هناك العشرات من المتاجر الصينية المكتظة بالبضائع والتي تحقق أرباحا وتنتشر في أرقى المجمعات التجارية ليس في بلجراد وحدها بل وغيرها من المدن الصربية.

الشبان الصينيون يتحدثون اللغة الصربية، ويمارسون التزحلق على الجليد ويبدو أن العيش يروق لهم في بلجراد التي يقطنها نحو مليوني نسمة. وحتى سكان بلجراد الذين يتعذر عليهم دفع أثمان الوجبات في المطاعم الصينية فإنهم يطبخون الطعام الصيني بكل أعشابه ونكهاته في منازلهم.

وفي الواقع هنالك علاقة ارتباطية كبيرة بين البلدين، فقبل عشر سنوات عادت ماريانا ماركوفيتش وهي الزوجة اليسارية لرئيس يوغوسلافيا السابق سلوبودان ميلوسيفتش من زيارة للصين وهي مفعمة بالانبهار لما شاهدته. وقد أيقنت أن ما رأته يحدث في بكين من مزج بين الايديولوجية الماركسية والاقتصاد الحر هو النموذج الامثل لما يجب أن تكون عليه يوغوسلافيا المنكوبة بالمشاكل،

وهي الدولة التي كانت خارجة للتو من حروب دامية في كرواتيا والبوسنة ولم يكن يدور بخلد حكامها أن الكابوس الأكبر مازال بانتظارهم وهو حرب كوسوفو وما جلبته من قصف جوي موجع من جانب حلف شمال الأطلسي.ولكن بالرغم من أن زيارة ماركوفيتش لبكين كانت الأولى في سلسلة من زيارات متبادلة لكبار المسؤولين في البلدين، إلا أن ما تحقق على أرض الواقع كان قليلا بحق.

كانت الصين واحدة من الدول القليلة التي قبلت الاستمرار في التعامل مع ميلوسفتيش، وقد لجأ إليها الزعيم اليوغوسلافي باعتبارها قوة عظمى ومتحررة بدرجة كبيرة من النفوذ الغربي بل إنها في ذلك تتفوق على الشقيقة الكبرى روسيا التي أثقلتها ديونها المستحقة للغرب.

ابتسم الصينيون مرحبين برجل يوغوسلافيا القوي، ولكن ما عاد به ميلوسيفتيش من زياراته للصين لم يكن يزيد عن شحنات رمزية من البترول وبسعر مغالى فيه تماما، فالصين لا تنتج البترول وإنما تشتريه تماما كيوغوسلافيا. وهكذا فلم يقدر للحلم الصيني الذي راود ميلوسفيتش وزوجته ماريانا أن يتجسد على أرض الواقع. ومات ميلوسيفيتش وهربت زوجته لتعيش في المنفى في موسكو.