انطلقت فعاليات «مهرجان البندقية السينمائي الدولي» في دورته الثالثة والستين، في اليوم الثاني ضمن البرنامج المحددة للعروض الخاصة والعامة. والأولى تبدلت أوقاتها هذا العام في المساء إلى الصباح الباكر، ففي الساعة الثامنة والنصف تعرض أفلام المسابقة الرسمية بشكل خاص للنقاد وللصحافيين، على أن يعرض الفيلم الثاني بعد ساعتين على العرض الأول، ثم تبدأ المؤتمرات الصحافية، التي يمكن متابعتها من قبل كل مراسلي الصحف ووسائل الإعلام.

يقابل ذلك عروض عامة تبدأ في ساعات الظهيرة وتنتهي عند منتصف الليل بعرض لفيلم من ضمن المسابقة الكبرى، بالتوازي مع حفلات الكوكتيل والاستقبالات الضخمة لنجوم الفن السابع، التي تبدأ في الساعة الخامسة من عصر كل يوم وتستمر لساعات طويلة، حيث يصطف الآلاف من الجمهور الذي يعلو صراخهم وتأوهاتهم كلما مر النجوم من أمامهم وألقوا التحية عليهم.

أول مؤتمر صحافي في المهرجان كان من نصيب بريان دي بالما مخرج «بلاك داليا»، الذي أفاض الحديث عن عمله السينمائي وعن جديده، بحضور السيناريست جوش فريد مان ونجوم الفيلم ما عدا هيلاري سوانك الحائزة على جائزتي أوسكار، وبحضور النجمة الساحرة سكارليت جوهانسون، وجوش هارتينت، وايرون إيكهارت، وميا كير شنر.

قال دي بالما: «الفيلم مقتبس عن رواية وقعت أحداثها بالفعل في أربعينات القرن الماضي، وهذا بحد ذاته مثير للاهتمام، حين نعرف أن هذه الجريمة التي أودت بحياة ممثلة مغمورة في هوليوود بشكل مروّع فقطع جسدها إلى نصفين، ومثل بجثتها، ودارت شبهات كثيرة حول هوية الفاعل، أهو رجل أم امرأة؟ إلخ.. من أسئلة طرحت في ذلك الوقت».

وأجاب دي بالما على سؤال حول عدم دخوله إلى كواليس الاستديوهات الأميركية ليكشف عرياً مغرياً بالنسبة للجمهور بالقول:«لا أريد أن أوضح كثيراً عن التقنية التي استخدمناها أنا والسيناريست في مقاربة هذه الرواية بصرياً، ولا يمكنني أن أفسّر طبيعة عملي، وكل ما أستطيع قوله للسائل بأنك على قدر من عدم الصواب، وهذا حق لك أن ترى ما تريد، أو ما تشعر به، فلن أغير من قناعتك».

وأعربت سكاريت جوهانسون عن إعجابها بالمخرج، وبالعمل معه لأول مرة وبمواجهة نجوم من مستوى جوش هارتينت وهيلاري سوانك وجميع من شارك في العمل. ثم أوضح الكاتب فريدمان مؤكداً ما قاله دي بالما: «الفيلم يحمل مجموعة عقد درامية،

وهو ينطلق من ظاهر الأشياء إلى عمقها، فلا يكتفي بما حدث، بإضافة تخييل دقيق لما كان يمكن أن يحدث، والخلفية بالطبع اجتماعية من حيث الموقع الذي أتت منه الضحية، وفنية في التسلل إلى كواليس هوليوود وليس الانزلاق إليها».

وقال الممثل جوش هارتينت: لا بد لي من شكر مخرج الفيلم الذي منحني هذا الدور الرئيسي في الفيلم، وكذلك زملائي في الأداء التمثيلي بدعمهم المعنوي لي أثناء التصوير». وعن توقعه لنيل كأس فولبي لأحسن ممثل الذي يمنحه المهرجان أعرب هارتينت عن أمنيته أن يحصل على هذه الجائزة إذا ارتأت لجنة التحكيم أنه يستحقها.

«بلاك داليا» فيلم أكثر من جيد، ومن المؤكد أنه ينافس على أوسكار أفضل فيلم في العام المقبل، تجمعت فيه خبرة دي بالما الطويلة بصناعة الصورة، وهو ابن المدرسة «الهيتشكوكية» نسبة إلى الفريد هيتشكوك أحد عمالقة صناع السينما في العالم. لكن دي بالما لا يقلد بقدر ما يؤلف على أسس هيتشكوك المؤثر في سينمات كثيرة لمخرجين كبار غير دي بالما، الذي استعاد عافيته الفنية بعد سنوات من التعثر.

فقدم لقطات وحركة للكاميرا تعتمد الوسع في الكادر بإتقان من دون استعراضات لا ضرورة لها، ونجح في مونتاجه لأحداث مكثفة والتخفيف من حدة «الفلاش باك» بتقطيعات ذكية تركت النص البصري متماسكاً وراسخاً.

قدم المخرج ابتيثابونغ وير اسيثاكول فيلمه «سيندروميس آند سانشيري» من إنتاج مشترك تايلاندي ـ فرنسي، في أول عرض عالمي له، عن قصة حب تقع أحداثها في مستشفى وسط أجواء معقدة نفسيا، لاطباء تتحول حيواتهم إلى سلوك على إيقاع نبضات قلوب المرضى، وسط تشتت لشخصياتهم الأصلية، في فضاء يكرر الزمان والمكان إلى حد ضياع الروح في متاهات على الحد الفاصل بين الوجود وعدمه.

عمل كان مفاجئاً أجمع النقاد بعد عرضه أمس، على وصفه بالممتاز، بعد أن صفقوا لمخرجه، الذي لم يتوان عن وصف عمله بالانتماء إلى لغة سينمائية انقلابية، تبتعد عن المألوف والمعتاد، وتخترع إيقاعات تضرب بقوة جدار المخبؤ داخل النفس البشرية، والفيلم بالفعل لا يحمل زي تشابه مع أفلام أو سينمات أخرى، ويمكن وصفه بالتجريبي، أو كما أحب ويثركول ان يسميه «اختباريا».

أسرار إيطالية وروسية

من عروض السينما الإيطالية لكبارها الذين رحل معظمهم عن الدنيا، ومازالت أعمالهم خالدة، يقدم المهرجان على التوالي في أيام المهرجان الغد، ومن ضمن برنامج «اسرار السينما الإيطالية» عشرة أفلام معظمها صمم في عدد من المراكز السينمائية في ايطاليا المحترفة والتي تتربع على قمة هذه التقنية في العالم،

فرمحوا فيلم «ال فيرسو سالادينو» للمخرج ما ريو بونارد 1885 ـ 1972 المنتج في العام 1937 عن قصة بائع الحلويات والعاشق للفن والذي يتفانى بمساعدة احداهن لتأكيد موهبتها الفنية. الفيلم على لائحة أفضل مئة فيلم في التاريخ.

وكذلك هو فيلم المخرج سيرجيو ليوفي «من أجل حفنة من الدولارات» بطولة كلينت اسيتودد الذي اشتهر في هذا الفيلم «الويسترون» في العام 1965، ولم تتناس إدارة المهرجان في هذا البرنامج الذكرى المئوية الأولى لرائد السينما الإيطالية روبرتو روسليني

فأحضرت له «روما مدينة مفتوحة» 1945 «ونحن المرأة» مع انغريد برغمان 1953 و «الجنرال ديلا ريغوي 1959 يليه عملان لماريو سولداتي هما «أمكنة مرتفعة» 1945 و «الطيران من فرنسا» 1948» وإلى جانبهم «قلق» 1943 للمخرج لوتشيانو فيسكونتي.

وتحت عنوان «أسرار السينما الروسية» والمقصود السوفييتية المنقضية الأجل، تكرم إدارة المهرجان هذه السينما بعرض مجموعة كبيرة من إنتاجاتها هي: «عزيزنا الطبيب» 1952 إخراج ساكين أحمانوف، «وجولي فلاورز» «كريكو» «فولغا فولغا»، «الطريق المشع»، الربيع» للمخرجة جورجي اليكسندروف،

و «روسيا رسم الإنسان» 1967 إخراج بافل أرسنوف، و «أبناء الصيف» 1950 إخراج دبوريس بارنيت، و«قصة الموسيقى» 1940 إخراج اليكسندر ايفونسكي، و«العشاق الرومانسيون» 1974 إخراج اندريه كونكليفنكي،

و«تحامل الأغنياء» 1937، «سائقو الجرارات»، «عند السادسة مساء بعد الحرب» إخراج إيفان بيريف، و«شيروميسكي» 1963 إخراج جيربرت ريبرورت، و«الكرنفال الليلي» 1956 اليغدار راجازنيوف، و«الاكورديون» 1934 إخراج معلم السينما الروسية الأول إيغور سيفاكينكو.

البندقية خائفة من روما

جشع وطمع أصحاب الأوتيلات والمطاعم والمقاهي في مدينة البندقية يؤثرون سلباً على متابعي ونقاد السينما في الحضور لمدة عشرة أيام تُعتبر طويلة ومكلفة، إضافة إلى أن قلّة عدد صالات العروض والانتقال المتعب بين جزر البندقية شكلت معاً ضغطاً دائماً على إدارة هذا المهرجان، خصوصاً أنها مشكلات عتيقة لا يمكن حلها ببساطة.

وما يزيد الطين بلة انطلاق مهرجان سينمائي دولي في العاصمة الإيطالية روما، ستعقد دورته الأولى في شهر أكتوبر المقبل بميزانية ضخمة تتجاوز بأضعاف ميزانيات مهرجانات أوروبية عريقة منها «برلين» و«كان» و«البندقية» الذي يحاول رئيسه ديفيد كروف أن يقلل من حجم هذه التخوفات بكلام «عاطفي» غير مقنع، مع ان الصحف الإيطالية بمعظمها أشارت إلى الموضوع بتوقعات لمهرجان البندقية سلبية،

وأن نجمه سيبدأ في الأفول وصولاً إلى الضمور خلال السنوات الثلاث المقبلة، أما مهرجان روما الذي سيضاهي أكبر مهرجانات السينما في العالم، بطموح أن يصبح خلال خمس سنوات المهرجان الأول في أوروبا، حسب خطة مديره المخضرم جورجي غوسيتاي، المعروف عنه طاقته الكبيرة عندما أدار بنجاح لسنوات فعالية «أيام المخرجين» في مهرجان البندقية عينه.

وتناولت أمس صحف محلية في إيطاليا هذا الموضوع من موقع تحليلي يفيد بوضوح أن المهرجان «الرومي» إذا صح التعبير، سيولد عملاقاً لشقيق أكبر في العمر لكنه قزم بقامته. تشبيه كاريكاتوري دفع بالرئيس كروف للتأكيد على أن العلاقة بين المهرجانين ستكون قوية ومتواصلة، وسيكمل أحدهما نقص الآخر، لكن هذا الكلام لا يلغي تخوف إدارة ماركو موللر من إدارة غوستياي.

البندقية ـ حسين قطايا