أكد تقرير أصدره مجلس التجارة والتنمية التابع للأمم المتحدة «الاونكتاد»، واستعرض فيه أحوال التجارة والتنمية حول العالم، أن توسع الناتج العالمي استمر دون انقطاع في العام 2005 ومن المتوقع أن يحافظ على وتيرة توسعه حيث يتوقع أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي العالمي نموا بنسبة 6 ,3 % عام 2006،

كما يرجح أن يتواصل نمو الناتج في البلدان المتقدمة بمعدل يتراوح بين 5 ,2 % و3% وذلك بالرغم من ارتفاع أسعار النفط والمواد الخام الصناعية ووجود ميل نحو انتهاج سياسات نقدية أكثر تقييداً. وفي الوقت الذي أشار التقرير إلى أن الاختلال في الأسواق المالية لم يؤثر حتى الآن تأثيراً سلبياً إلى حد ملموس على النمو العالمي إلا انه أضاف أن مخاطر حدوث تباطؤ قد زادت عما كانت عليه قبل سنة.

من ناحية أخرى وفى حين أكد التقرير على أن البلدان النامية قد أسهمت في النمو العالمي بوتيرة سريعة في ظل ديناميات استثمار قوية ومعدل نمو إجمالي يبلغ في متوسطه نحو 6% فان النمو السريع في الصين والهند قد أسهم بصفة خاصة في تحقيق هذه النتيجة

كما انه كان ملحوظا بشكل كبير ان العديد من البلدان الإفريقية قد حافظت على معدلات نمو عالية حيث تشير التوقعات إلى تحقيق نمو بمعدل قدره 6% في منطقة افريقيا جنوب الصحراء الكبرى في عام 2006 وهو ما يعنى تسجيل أداء استثنائي.

على صعيد آخر قال التقرير انه قد ظهرت في الآونة الأخيرة علامات تدل على حدوث تقلب متزايد في أوراق الأسواق المالية والسلع والعملات وكذلك تدفقات رأس المال القصيرة الأجل الصادرة من بعض الأسواق الناشئة وهي تقلبات تشكل بعض مكونات الأزمات المالية التي حدثت في الماضي

حيث الدولار شديد الضعف والمستثمرون الدوليون ينتابهم قلق على ما يبدو من استمرار الاختلالات العالمية وارتفاع أسعار الفائدة ويرى التقرير رغم ذلك ان معظم الاقتصادات السوقية الناشئة قد أصبحت اقل عرضة بكثير للتأثر بالصدمات مما كانت عليه وقت حدوث الصدمات الكبيرة التي وقعت على مدى العقدين الماضيين.

ويرى التقرير ان السبب الرئيسي الذي حال حتى الآن دون حدوث انكماش عالمي نتيجة لجوانب القصور البنيوية التي تشوب الاقتصاد العالمي هو ما تميزت به الإدارة الاقتصادية الكلية من قبل الولايات المتحدة الأميركية من مرونة ونزعة عملية.

ولكن التقرير يحذر في الوقت ذاته وفى نفس الاطار من خطر يتمثل في ان الولايات المتحدة قد ترزح تحت وطأة اعباء مفرطة حيث تضطلع بالدور الرائد بوصفه المحرك العالمي للنمو لفترة طويلة جدا وقد استطاعت الولايات المتحدة حتى الآن ان تغفل ما تواجهه من اختلال خارجي لان هذا لا يتعارض على نحو خطير مع الجهود الرامية إلى تحقيق العمالة الكاملة واستقرار الأسعار

ولكن إمكانات حدوث هذا التعارض تتزايد وفى الوقت نفسه تتزايد هواجس المشاركين في الأسواق المالية. وفى حين يشير التقرير نتيجة لذلك الوضع إلى إمكانية حدوث المزيد من التخفيض لقيمة الدولار الأمر الذي من شأنه ان يساعد في استعادة القدرة التنافسية وتوازن الحسابات الخارجية

الا ان التقرير يرى ان الأثر الذي يترتب على حدوث تباطؤ ملحوظ في واردات الولايات المتحدة سوف ينتشر ويتوسع على امتداد الاقتصاد العالمي وهو ما يمكن ان يؤدي إلى وقف ما تحقق في السنوات الأخيرة من زخم في تقدم عملية التنمية والحد من الفقر في البلدان النامية وهى النتيجة التي لا تتحمل هذه البلدان المسؤولية عن حدوثها.

واوضح تقرير مجلس التجارة والتنمية انه على الرغم من الفوائض الكبيرة التي سجلتها العديد من الدول النامية فان السبب الرئيسي للعبء العالمي الملقى على كاهل الولايات المتحدة يكمن في بعض البلدان الصناعية الرئيسية الاخرى قد زادت من وطأة هذا العبء بدلا من ان تضطلع بدور داعم وهو الأمر على سبيل المثال بالنسبة لليابان وألمانيا.

اما الصين في هذا المجال فيرى التقرير ان دورها يختلف في عملية تصحيح الاختلالات العالمية حيث سجلت الصين منذ بداية فترة التسعينات من القرن الماضي نموا قويا جدا في الطلب المحلي بالإضافة إلى وارداتها وأدت الصين دورا حيويا في تعزيز زخم النمو على امتداد العالم النامي.

وفي هذا الصدد خصوصا يعرج التقرير على البلدان المنتجة للنفط فيقول انه مثلما فعلت الصين فان البلدان المنتجة للنفط لم تبدأ الا مؤخرا في أداء دور مهم في تصحيح الاختلالات وانه اذا استمر المستوى العالي لاسعار النفط أمكن لهذه البلدان ان تسهم في عملية تصحيح حميدة للاختلالات العالمية من خلال نمو أقوى في الطلب المحلى وزيادة الاستثمار الاجتماعي والمادي بغية تنويع اقتصاداتها.

وفي موضوع آخر يعالجه تقرير مجلس التجارة والتنمية وتحت عنوان «تركيز جديد على الحد من الفقر» أوضح التقرير ان النتائج الشحيحة لسياسات الإصلاح التقليدية قد أدت إلى ظهور تصور متزايد في التسعينات من القرن الماضي بان برنامج الإصلاح يجب ان يكمل بتدابير ترمي إلى تعزيز حقوق الملكية الفكرية

باعتبار ذلك حلا لمشكلة عدم كفاية الاستثمار كما كان هناك اعتراف بالحاجة إلى جهود اضافية للحد من وطأة الفقر على نطاق عالمي لجعل الاقتصادات مقبولة اجتماعيا.واعتبر ان ذلك من الممكن ان يتحقق بإعادة توجيه الانفاق العام.

ولكن يرى التقرير انه من غير المحتمل ان يكون لمثل هذه السياسة تأثير مستدام مادام التغير الهيكلي بطيئا وتراكم رأس المال غير كاف لتعزيز النمو وزيادة القدرة الانتاجية وخلق فرص العمل للفقراء. وينتقل تقرير التجارة والتنمية إلى أحد اكبر المشكلات اليوم في عالم التجارة والتنمية

والتي خلقتها طبيعة ان الدول الصناعية الرئيسية لا تزال تشكل صورة اوضاع الطلب العالمي وبالتالي الفرص التصديرية المتاحة للبلدان النامية ومن خلال اتفاقات التجارة العالمية والنظام المتعدد الاطراف.

وبالرغم من تحسن شروط الوصول إلى الاسواق نتيجة تحرير التجارة الا ان التقرير يؤكد على ان هذه الشروط في تلك الاتفاقيات ظلت في مجملها متحيزة ضد البلدان النامية وبالتالي فان تلك الاتفاقيات كلها لم تحقق سوى فوائد محدودة.ويشير التقرير في هذا الصدد إلى انه ما لم يتم تحقيق ما تطمح إليه جولة الدوحة الشهيرة فسوف يكون من المستبعد تحقيق تحسن كبير في فرص التصدير المتاحة للبلدان النامية.

وفى استعراضه لأحوال التجارة والتنمية لعام 2006 وفي الوقت الذي يتطرق إلى مسألة تخفيف أعباء الديون والالتزامات الجديدة في مجال المساعدة الانمائية الرسمية باعتبار تلك العوامل تشكل البيئة الخارجية للعديد من البلدان النامية

ولاسيما الأشد فقرا يتحدث التقرير ايضا عن تزايد امكانات تحويلات المهاجرين والاستثمار الاجنبي المباشر وباعتبار هذين العنصرين من الدعامات المهمة للنمو في البلدان الفقيرة. ويدعو التقرير إلى ضرورة الحاجة إلى الابتكار على صعيد السياسة العامة وتعزيز ما يسمى بقوى السوق الخلاقة من خلال دور لسياسات الدعم الوطنية وما يتصل بها من تكوين لرأس المال

فالتقرير يتحدث ايضا عن القيود التي تفرضها اتفاقات التجارة الدولية مشيرا إلى قلق واسع الانتشار من ان القواعد والأنظمة التجارية الدولية الناشئة عن المفاوضات التجارية متعددة الأطراف خاصة وانها إضافة إلى الترتيبات التجارية الإقليمية والثنائية يمكن ان تستبعد استخدام تدابير السياسة العامة ذاتها التي كانت أداة مفيدة في تنمية اقتصادات عالم اليوم والاقتصادات التي تأخرت في اللحاق بركب التصنيع

وهو ما يعنى حسب التقرير تقلصا كبيرا في درجة المرونة المتاحة للحكومات الوطنية في السعي لتحقيق اهدافها الانمائية.ويشير التقرير أيضا إلى ان ثمة جانباً آخر من جوانب القلق يتمثل في ان قواعد التجارة العالمية والتزاماتها

التي تعتبر من الناحية القانونية ملزمة بالقدر نفسه لجميع البلدان قد تفرض من الناحية الاقتصادية قيودا على البلدان النامية من الناحية الاقتصادية وتكون تلك القيود ملزمة لها بدرجة اكبر مما تفرضه على البلدان المتقدمة وذلك بسبب الفوارق في السمات الهيكلية لكل من هذه البلدان ومستويات تنميتها الصناعية.