أصبحت الحوكمة الرشيدة للشركات قواعد ثابتة لا غنى عنها لكل إدارة ناجحة لضمان شركات نامية ومزدهرة تحقق مزيدا من العوائد وتوزيعها بعدالة على المساهمين الذين لهم الحق بالإطلاع على ما يجري بها وما تتخذه مجالس الإدارة من قرارات مصيرية تؤثر على نمو الشركات وتطورها.
وتحولت حوكمة الشركات إلى منظومة إجراءات تختزلها نصوص القوانين المنظمة لعمل قطاع الشركات، إضافة إلى أنها سلوك وأعراف أصبحت ضرورة ماسة لاستقدام مزيد من المستثمرين ولضمان استمرار المنشأة ولتعظيم مصداقية وشفافية قرارات مجالس الإدارة.
وتشير كذلك إلى تعزيز مفهوم الحوكمة الرشيدة للشركات والذي يجب أن يرقى من مفهوم توثيق العقود إلى مفهوم الأداء وضمان سيادة القانون لحفظ حقوق المساهمين والغير وتعزيز مفاهيم ا لشفافية وتحديد المساءلة من خلال تبني آلية تفعيل الرقابة القانونية والمالية من خلال النصوص القانونية والتأكيد على مبادئ الحوكمة الرشيدة من خلال نصوص قانون الشركات الجيد والأنظمة الصادرة بموجبه.
والأهم في هذا كله، تدعو هذه القواعد كذلك إلى نشر المعلومات والامتناع عن إخفائها وهو عنصر أساسي من أجل ضمان فعالية عمل الأسواق والى تعزيز المنافسة على حد سواء وبالفعل فقد ساهم إخفاء المعلومات إلى جانب سوء الرقابة والإشراف ونشر المعلومات الخاطئة والمضللة حول أسهم الشركات وأوضاعها المالية في انهيار كبرى الشركات.
من أجل الحكم الجيد
كيف نمضي إلى الأمام؟ نحن بحاجة أولا إلى الاستثمار في بناء المؤسسات (قوانين + منظمات + قواعد اللعبة + إطار النشاط الاقتصادي) مما يتيح لنا إرساء قواعد للحوكمة الجيدة السياسية والاقتصادية تتماشى مع القوانين والمعايير الدولية، وبالتالي المنافسة في الأسواق الإقليمية والعالمية على حد سواء.
ومن خلال احترام المبادئ الأساسية لمراقبة الهيئات المصرفية والإشراف الفاعل عليها من خلال تحديث أنظمة الدفع لدينا وفقا للمعايير الدولية، وتطبيق معايير المحاسبة الدولية، وإنشاء لجنة فاعلة من اجل ضمان نزاهة الأسواق باعتماد قانون مكافحة تبييض الأموال وتشكيل لجنة التدقيق الخاصة، تمكنا من تحقيق الحوكمة الجيدة والفعالة للشركات في قطاعنا المصرفي الإماراتي.
وكانت النتيجة بروز قطاع قادر على اجتذاب الودائع والاستثمارات من الأسواق المحلية والدولية وقادر على إدراج الأسهم وإصدار السندات في الأسواق الدولية. وما تجربتنا هذه سوى مثال تحتذي بها قطاعات أعمال أخرى.
وهذا يستلزم اعتماد برنامج عمل في جزأين: جزء أول خاص بالحكم العام الجيد وجزء ثان خاص بالحوكمة الجيدة للشركات أما اليوم فأنوي التركيز على موضوع الحوكمة الجيدة للشركات. لكن سأذكر بإيجاز دور الحكومة في الارتقاء بالحوكمة الجيدة للشركات وتحسينها.
ويفرض الحكم الجيد العام ضمناً تحسين المساءلة العامة ونوعية الحوكمة ومعالجة مشكلة الفساد ولا يخفى عليكم أن عملية مكافحة الفساد تستلزم اعتماد إستراتيجية لمكافحة الفساد. فالمسألة ليست مجرد اتخاذ قرارات أو مبادرات منفردة وليست أيضا مسألة اعتماد قانون لمكافحة الفساد وإنشاء لجان لمكافحة الفساد، كما جرى في عدد من الدول.
ماهي الحوكمة الجيدة للشركات ولم أهميتها؟
ثمة تعريفان لهذا المفهوم: أحدهما محدود النطاق والآخر واسع النطاق وأشمل أما التعريف المحدود فيرتكز على مفهوم الحوكمة الجيدة للشركة كمصدر قيم بالنسبة إلى أصحاب الأسهم وفي هذا الحال تساهم الحوكمة الجيدة للشركات في تحسين الأداء وزيادة الربحية والفعالية.
أما التعريف الأشمل فيأخذ بالاعتبار مجمل أصحاب الشأن في الشركة ومسؤوليات الشركة الاجتماعية. وعليه، يشمل مفهوم الحوكمة الجيدة للشركات البنية التحتية القانونية المنظمة للأعمال ( قانون الشركات، قانون الأوراق المالية، قواعد المحاسبة)، والى جانب أخلاقيات الأعمال وبيئة الأعمال الشاملة.
نحن نهتم بموضوع الحوكمة الجيدة للشركات لأنه جزء من البنية التحتية المؤسساتية (القوانين والأنظمة والمؤسسات وآليات الإنقاذ) التي يرتكز عليها الأداء الاقتصادي السليم، وفي هذا السياق بالتحديد أظهرت التجربة والأدلة ان الأخلاقيات السائدة ما بين البلدان على مستويي القوانين والإنقاذ تؤثر على بنية ملكية الشركات وتوزيع عائدات الأسهم وتوافر التمويل الخارجي وكلفته وعمليات تقييم السوق.
يبحث المستثمرون في المقام الأول عن الشركات التي بها هياكل سليمة لحوكمة الشركة وتعرف حوكمة الشركات بأنها مجموعة «قواعد اللعبة» التي تستخدم لإدارة الشركة من الداخل وقيام مجلس الإدارة بالإشراف عليها لحماية المصالح والحقوق المالية للمساهمين الذين
ربما يكونون على بعد آلاف الأميال ومعزولين تماماً عن إدارة الشركة وكما تحتاج الحكومة الجيدة إلى الشفافية لكي يتمكن الشعب من الحكم بدقة على مدى تحقيق مصلحته، لابد أن تعمل الشركات بأسلوب ديمقراطي وشفاف لكي يتمكن مالكوها من اتخاذ قرارات مدروسة بشأن استثماراتهم.
النقطة التي يتم في الغالب تجاهلها هي أن لحوكمة الشركات أهميتها بالنسبة لشركات القطاع العام بمثل أهميتها بالنسبة لشركات القطاع الخاص. وقد بدأ تأسيس حوكمة الشركات داخل شركات القطاع الخاص يلقى اهتماماً متزايداً،
ويظهر هذا الاتجاه جلياً عندما تحاول البلدان كبح الفساد المتفشي داخل القطاع العام أو هي بصدد الإعداد لطرح شركات القطاع العام للخصخصة وأياً كان الوضع فإن اتخاذ تدابير جيدة وفعالة لحوكمة الشركات سيساعد كثيراً على أن يجني المواطنون عائداً عادلاً.
ومما لا شك فيه أن الحوكمة الجيدة للشركات مرتبطة إلى حد كبير بتحسين الأداء التشغيلي وتقييم الشركات في الأسواق، فمن خلال المحافظة على حقوق الملكية وحمايتها ولا سيما حقوق صغار المساهمين الأجانب.
تساهم الحوكمة الجيدة في تشجيع الابتكار والاستثمار الطويل الأمد في رأس المال البشري والمادي، إلى جانب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وإنشاء الملكية الفكرية. ومن خلال تحفيز الأداء وتوليد عائدات أعلى، وزيادة ربحية الشركات تساهم أيضاً في زيادة نمو الإنتاجية الإجمالية للشركات وهو مصدر أساسي من مصدر النمو الاقتصادي ومن خلال الحد من إساءة استعمال النفوذ من جانب المطلعين من داخل الشركات تساهم
كذلك في إنشاء آلية فاعلة لنقل الثرات من جيل إلى جيل. ومن خلال مراقبة مدريري الشركات في القطاعات المالية والحقيقية ومساءلتهم عن أفعالهم توفر الحماية لمصالح المستثمرين والتشجيع في المقابل الاستثمارات المحلية والأجنبية المباشرة والمحفظية.
اسمحوا لي أن أكون محافظاً في قولي بأن النزاهة المهنية والاستقامة الأخلاقية والمساءلة والشفافية والفضيلة مجزية لأصحابها: لهذا من واجبنا الأخلاقي الالتزام بأخلاقيات المهنة والسعي إلى تطبيق المعايير والمدونات التي تصب في إطار المصلحة العامة.
ومن واجبنا كذلك الدعوة إلى اعتماد أخلاقيات الأعمال ومبادئ الحوكمة الجيدة للشركات والسعي إلى وضعها قيد التطبيق. ومن الأخبار السارة التي أزفها إليكم هي أن ذلك يخدم مصلحتنا! أما الرسالة الأساسية التي أود توجيهها هنا فهي دعوة المجموعات المناضلة
من أجل إصلاح حوكمة الشركات في الإمارات إلى الضغط والسعي من أجل اعتماد وتطبيق المعايير الرئيسية المذكورة أعلاه بهدف إنشاء أنظمة مالية سليمة. كما ادعوها إلى صياغة خطة عمل ملائمة وحشد الجهود اللازمة بمساعدة وسائل الإعلام وهيئات المجتمع الأهلي كافة.
وإذا ما أردنا الارتقاء بالحوكمة الجيدة للشركات، من الضروري توفير مجموعة من الحوافز الاقتصادية واحترام إلزامية الإبلاغ عن المعلومات المالية والخاصة بالشركات واعتماد التنظيم الذاتي إلى جانب تطبيق القوانين والأنظمة.
لكن الخطوة الأولى تبدأ من خلال إشراك القطاع الخاص بشكل فاعل في عملية تطوير البيئة الإدارية الجيدة للشركات. وفي هذا السياق نعتبر مجموعة العمل الخاصة بالقطاع الخاص وجمعيات الأعمال الساعية إلى الارتقاء بمبادئ الحوكمة الجيدة للشركات من الانطلاقات الواعدة في هذا الإطار.
-- يوسف بن غريب آل محمود -- كاتب ومحلل اقتصادي -- Email: yam6677@hotmail.com