أكد عبد العزيز الغرير، الرئيس التنفيذي لبنك المشرق في الحلقتين السابقتين من حواره مع «البيان الاقتصادي» أن قيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي تدعم حركة التنمية الشاملة والوطنية في البلاد التي تقوم على الاعتماد على نظريات القطاع الخاص والشركات القابضة.

وفي هذه الحلقة الثالثة والأخيرة، يؤيد الغرير «توزير» رجال الأعمال في الحكومة قائلا انه يجب أن يتم تطعيم الحكومات بخبرات بشرية من الواقع العملي والواقع الاقتصادي، فلو تحدثنا عن وزير اقتصاد ووزير تجارة أحبذ أن يكون من القطاع التجاري وكذلك وزير المواصلات ، وهناك وزارات أخرى ليس هناك ما يمنع أن يتم «توزير» مسؤوليها من القطاع الإداري أو الحكومي أو الاقتصادي.

وطالب الغرير بإنشاء مركز لتوفير المعلومات الكاملة للمستثمرين عن الحجم المتوقع للعرض والطلب في السوق العقاري المحلي ووصف الوضع الحالي لإقبال المستثمرين على بناء عقارات المكاتب «بالمغامرة».

والى تفاصيل الجزء الثالث والأخير من الحوار:

* ما هي المؤشرات المستقبلية للقطاع الاقتصادي المحلي؟

ـ انتعاش قطاع يجر باقي القطاعات.. ونزول قطاع يجر الباقي أيضا.. والآن القطاع العقاري منتعش ويجر معه قطاع مواد البناء.. وانتعشت باقي القطاعات بما فيها السياحة والطيران والفندقة وغيرها.

* ما هو وضع السيولة المالية في السوق المحلي وهل تكفي هذه السيولة تغطية اكتتابات جديدة؟

ـ السيولة كانت موجودة في السوق بدليل أنه عند طرح شركة تطلب رأسمال ملياري درهم سيتم تلبيتها فورا.. الوضع الذي كان موجودا في السوق عندما تطلب شركة ملياري درهم تحصل على 400 مليار أو 500 مليار وهذا وضع غير طبيعي.

* وهل ساهمت زيادة الرواتب الأخيرة في انتعاش الأسواق وزيادة القروض الشخصية من البنوك الوطنية؟

ـ ما في شك أن زيادة الرواتب أعطت قطاع الموظفين نفسا أطول وأقوى عن ذي قبل وساهمت في إنعاش السوق وزيادة الطلب على القروض الشخصية.

* وهل أثرت الزيادة في القروض الشخصية على عمليات التمويل العقاري؟

ـ زيادة القروض الشخصية لم تؤثر على الإطلاق في قيام القطاع المصرفي بتلبية احتياجات التمويل العقاري.. بل بالعكس القطاع المصرفي زاد في التمويل العقاري وهذا أدى بدوره إلى زيادة البناء وزادت المباني وزاد المعروض للإيجار وهذا الأمر ساهم في السيطرة على الإيجارات ولو لم يتم هذا لوصلت الإيجارات إلى مستويات أعلى بكثير من الوضع الحالي.

التمويل العقاري

* وماذا عن نسب الفوائد على التمويل العقاري؟

ـ هذه النسب والتمويل العقاري تحكمه المنافسة بين البنوك وهذه النسب في المستوى المقبول حاليا.. والى الآن القطاع العقاري تحكمه ظروف العرض والطلب. وأقدم لك مثلاً بأنه تم التوقيع على عقد إيجار لفرع بنك المشرق في نيويورك في بناية «امباير ستيت» الأشهر في الولايات المتحدة كلها وتم التعاقد بسعر 40 دولاراً 147 درهما للقدم المربع في السنة وهذا أرخص من مستويات الإيجار السائدة في دبي حاليا.

من الجيد أن ترتفع الإيجارات في دبي ولكن أن يكون إيجار القدم في السنة 147 درهما في «امباير ستيت» في نيويورك ويتراوح إيجار القدم المربع للمكاتب في دبي بين 200 و300 درهم في السنة فهذا يعني وجود شح في العقارات المعروضة للإيجارات وأتوقع أن يستمر هذا الوضع خلال العام الحالي وعندما تعود مستويات الإيجارات في دبي إلى مستوى نيويورك واقل عن هذا المستوى سيكون السوق العقاري في وضع خير.

إنني أطالب بتوفير معلومات كافية للمستثمرين في القطاع العقاري لإبلاغهم بأعداد العقارات والمباني والشقق والمكاتب والمحلات التجارية التي يجري إنشاؤها حاليا وحجم الطلب المتوقع عليها حتى تتوفر المعلومات الكاملة للمستثمرين الراغبين في البناء والتشييد، وحتى الآن لا توجد في دولة الإمارات كلها بما في ذلك ابوظبي ودبي والشارقة مراكز لإعطاء مثل هذه الإحصائيات والمقارنات بالكفاءة والسرعة المطلوبين للمستثمرين العقاريين

وأنا أدعو لإنشاء هذا المركز بأقصى سرعة لتفادي أي هبوط أو انهيار للسوق العقاري. ولابد أن نعرف أن المستثمرين العقاريين يركضون ويطيرون الآن نحو بناء أبراج المكاتب والمباني الإدارية لأنهم ينظرون إلى أن إيجار القدم الواحد 300 درهم في السنة وهذا ما صار من قبل.

واستطيع أن اصف الوضع الحالي لإقبال المستثمرين على بناء عقارات المكاتب «بالمغامرة» ولكن إذا بقى الوضع على هذا الحال فهناك خطر على السوق العقاري وأحذر من أن يؤدي ذلك إلى انهيار السوق في مرحلة من المراحل نتيجة الاندفاع غير المدروس نحو البناء والتشييد العقاري سواء في قطاع المباني الإدارية أو السكنية والتجارية.

تأثيرات سلبية

* هناك تحذيرات إعلامية من التأثيرات السلبية لارتفاع الإيجارات على القطاعات الاقتصادية والتجارية وهناك مؤشرات سلبية مهمة بدأت تظهر نتيجة لذلك مثل تسفير المقيمين لعائلاتهم وبروز ظاهرة سكن العزاب كل 6 او 8 أفراد في شقة واحدة وهناك أكثر ما هو تعليقك؟

ـ ما يحدث الآن من غلاء شديد في الإيجارات يمثل مرحلة استثنائية وعمليات تسفير العائلات بدأت منذ أكثر من عام ولكنها لا تخيف ولا تمثل مؤشرا خطيرا لان الخوف الأكبر يأتي من وقوع انتكاسة القطاع العقاري بالكامل وتأتي العاصفة وتضربه ليعود بتأثيراته السلبية على الاقتصاد ككل.

ونصيحتي من الآن أن تتفق الحكومة مع المستثمرين في القطاع العقاري على إنشاء مركز لدراسات القطاع العقاري يوفر جميع المعلومات والمؤشرات الخاصة بوضع السوق حاليا ومستقبلا ويوفر توقعات دقيقة تساهم في تجنب وقوع أي انهيار للقطاع العقاري وفي ذات الوقت يعطي مؤشرات لمخاطر ارتفاع الإيجارات

وضرورة اتخاذ خطوات لزيادة العرض حتى يتوازى مع الطلب وتبقى الإيجارات في مستويات ترضي وتلبي احتياجات المستثمرين والمستأجرين ما أمكن ذلك. طفرة القطاع العقاري بدأت منذ 1990 ومازالت مستمرة حتى الآن

وهذا الوضع يتطلب مركزا يراقب ويدرس هذه الحالة مع العلم أن الحكومة تقول إن عدد سكان دبي يزيد بمعدل 350 ألف نسمة كل سنة والمعروض من الشقق والمكاتب لا يكفي الاحتياجات. وعموما عندما أرى قيمة إيجار القدم المربع للمكاتب في دبي أغلى عنه في نيويورك أخاف من انهيار السوق العقاري.

* ما رأيك وتقييمك لعملية «توزير» رجال الأعمال في الحكومات على المستويين الإقليمي والعالمي؟

ـ يجب أن يتم تطعيم الحكومات بخبرات بشرية من الواقع العملي والواقع الاقتصادي، فلو تحدثنا عن وزير اقتصاد ووزير تجارة أحبذ أن يكون من القطاع التجاري وكذلك وزير المواصلات هذا أفضل، وهناك وزارات أخرى ليس هناك ما يمنع أن يتم «توزير» مسؤوليها من القطاع الإداري أو الحكومي أو الاقتصادي.

ومع هذا يجب أن ننظر على المستوى القيادي إلى فكر الشخص ومستواه ونوعية القيادة التي سيقوم بها والنجاح المتوقع منه أكثر من النظر إلى كونه من رجال الأعمال أو رجال الإدارة. ولو نظرنا إلى مصر مثلاً لوجدنا بعض رجال الأعمال أو القطاع الخاص الذين تم توزيرهم سنجد أن لهم بصمة كبيرة في النقلة النوعية التي تمت خلال 4 سنوات في قطاعات حساسة مثل المالية والاقتصاد والتجارة والاستثمار والسياحة.. نعم حققوا فيها نقلة نوعية.

وأنا اعتقد أن «التوزير» من القطاعين العام والخاص مطلوب مع المتابعة والتقييم.. أي بمعنى آخر أنا مع «توزير» رواد ورجال العمل الخاص لخدمة القطاع الحكومي بشرط أن يكونوا ناجحين في عملهم الخاص قبل إسناد مسؤولية حكومية لهم.

* ولكن هل الجهازان الإداريان والفنيان في القطاعين الحكومي والخاص في الدولة مؤهلان لإنجاح «توزير» رجال الأعمال؟

ـ هذا السؤال يتجه بصفه أو أخرى نحو ما يمكن أن نسميه التغيير وأنا أرى أن التغيير دائماً صعب حتى في القطاع الخاص.. فمثلاً في مؤسسة مثل بنك المشرق يأتي رئيس تنفيذي جديد ويفكر في التغيير سوف يجد صعوبة كبيرة.. نتيجة معارضة ومقاومة شديدة من الموظفين..

بسبب تخوفهم من الفكر التغييري الجديد، فما بالك برجل أعمال قادم من قطاع خاص بأفكار مختلفة كليا عن أفكار وممارسات القطاع الحكومي فهل سيجد سهولة وتجاوبا في التغيير؟.. لا أعتقد أن عملية التغيير تتم بقرار وزاري ولكن يمكن أن يتم التغيير بالتدريب والتأهيل والإقناع والحوار مع المواطنين..

لأنه لو جاء بقرار سيرد الموظفون ولو بطريق غير مباشر «غير أنت شوف شو بتسوي».. إنني ألاحظ بعض هذه التجارب في بعض مؤسساتنا حيث طالبت الإدارة العليا بالتغيير بالأمر الصريح. وواجهت مقاومة شديدة وأفضل طريقة للمسؤول الجديد أن يلجأ للإقناع والحوار والتدريب حتى يقنع طاقم الموظفين بإتمام التغيير.

* ولكن هل الجهاز الإداري الحكومي يمكن أن يستوعب ديناميكية وسرعة قرار الوزير القادم من القطاع الخاص؟

ـ بالطبع لا الجهاز الإداري الحكومي الحالي بطيء وليس سريع الاستيعاب والأداء أو الحركة.. ولكنني أؤكد أن قيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي لحركة التنمية الشاملة والوطنية في البلاد تقوم على الاعتماد على نظريات القطاع الخاص والشركات القابضة.

وبالتالي الإمارات كحكومة وكشعب لازم نستغل ذلك ونعمل على أن تدير مؤسساتنا الحكومية بذات نظريات القطاع الخاص وقد طبق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد هذه النظرية على مستوى إمارة دبي والصحافة الأجنبية كتبت عن ذلك

معتبره أن سموه نجح ببراعة في أداء التنمية الشاملة في إمارة دبي باعتباره الرئيس التنفيذي لشركة دبي بما يعني انه نجح في هذه الإدارة بذات الأسلوب الذي يتبعه رجال الأعمال الذين تنجح أعمالهم نجاحاً باهراً.

وأعتقد أن هذا الفكر سوف ينتقل إلى باقي الإمارات وربما إلى دول المنطقة ككل ولتأخذ مثالاً بقرار سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي بإسناد إدارة 20 مدرسة إلى القطاع الخاص في أبو ظبي واعتقد أن هذه المبادرة تمثل نقلة نوعية في التفكير نحو التغيير في إدارة عملية التنمية الشاملة.

وهناك مثال آخر خاص بهيئة سوق المال في دبي الذين ذهبوا لتعيين شركات تدقيق ومحاسبة خاصة لكي يدققوا على شركات الوساطة المالية وهذا يعطي مؤشرا للاتجاه. وعموماً الأجهزة الإدارية والفنية بالوزارات تعودت على نمو بطيء الحركة والأداء ومثلما تم السماح لهم بالتعود على ذلك خلال سنوات طويلة..

يجب أن نعرف جميعاً أن الإمارات الآن تعيش يوماً جديداً وعلينا أن نعطي فرصة لتأهيل وتدريب الجهاز الحكومي لتقبل الأفكار الجديدة وقبول التغيير والتطوير ثم نحاسبهم.ولا ننسى أن قطاع الأعمال الخاص في الدولة أنجب وأهل مئات من رجال الأعمال الأكفاء لتولي مسؤوليات «التوزير» والمشاركة في قيادة وتوجيه عمليات التنمية الشاملة والوطنية في الدولة.

حوار: فريد وجدي