استمرار الحرب الأميركية في العراق يمثل مشكلة لصناعة الدفاع والأسلحة الأميركية بل وبالاً عليها، لأنه يتعين إنهاء كثير من برامج التطوير العسكري لان البلاد في حالة حرب. وعندما أعلنت شركة بوينغ وقف انتاج الطائرة سي 17 العملاقة للنقل العسكري مثل هذا النبأ أحدث زلزالاً في صناعة الدفاع الأميركية لان إغلاق قواعد انتاج هذه الطائرة خلال العامين المقبلين يعني ان الشركة

لن تستعين بالموردين الذين كانوا يوردون مكونات انتاج الطائرة ولابد ان توقف الشركة انتاج الطائرة لان وزارة الدفاع نفدت مواردها المالية وطلبات التصدير لا تستطيع ان تعوض ذلك، ولن تخاطر بوينغ بانتاج الطائرة مع العلم بأن وزارة الدفاع لن تطلب اعداداً منها كما كان الوضع سابقاً.

والمخاوف التي تسري في صناعة الدفاع الأميركية ان يكون ذلك بداية إلغاء كثير من البرامج وتوقف انتاج كثير من الأسلحة الأخرى فيما بعد وأهم أسباب المشكلة ان أميركا في حالة حرب. والحاجة إلى توفير موارد مالية بمقدار 100 مليار دولار سنوياً لإدارة الحرب في العراق

يعني ان هناك ضغوطاً لخفض ميزانية الدفاع، التي تحددت مسبقاً بمبلغ 441 مليار دولار للعام المالي الذي يبدأ في أكتوبر. وتشمل ميزانية الدفاع الأميركية مسائل معقدة تبدأ بما تريده الوزارة وما يعتقده البيت الأبيض وأخيراً موافقة الكونغرس على كل ذلك.

ورغم ان زيادة الانفاق العسكري على الذخائر والوقود والإمدادات والأدوية والإعالة في العراق لا تأتي مباشرة من نفس الميزانية التي تغطي الأسلحة والبرامج العسكرية الجديدة فإن ارتفاع فاتورة الانفاق في العراق يعني توفير الأموال من أجل إنتاج أسلحة جديدة.

مثلاً في وقت سابق من الشهر أعرب مكتب الميزانية في الكونغرس عن مخاوفه بشأن أنظمة الدفاع المستقبلية، وهو مشروع يتكلف 165 مليار دولار لتحديث مركبات الجيش وشبكات الاتصال، والمشروع هو ثاني أكبر برنامج عسكري يهدف إلى إتاحة الفرصة للجنود في أرض المعركة للحصول على المعلومات في الوقت المناسب من مصادر مثل الأقمار الاصطناعية والطائرات الآلية.

لكن البرنامج كانت تكلفته الميدانية 82 مليار دولار، أي نصف التقديرات الأخيرة ويشعر المنتقدون بالقلق بشأن جدوى البرنامج وإذا كان سيصل للجنود في الوقت المناسب. وأصدر الجيش مؤخراً تقريراً حول المشروع

وأصر على أن تشارك فيه شركتا بوينغ وسانيس أبليكاش انترناشيونال، ورحب مقاولو الدفاع بهذه الأخبار، لأنهم كانوا قلقين أن يقع المشروع تحت براثن ضغوط خفض الميزانية، ورغم ذلك فإن مستقبل برامج دفاعية أخرى كبرى لا يزال غير واضح أو أقل تفاؤلاً.

والمشكلة ليست فقط تكلفة الحرب في العراق، بل طبيعة الحرب أيضاً، فقد تحولت الحرب إلى نزاعات غير منظمة بما يعني انخفاض الطلب على الأنظمة الدفاعية الكبيرة، فقد كانت الأمور أكثر بساطة خلال الحرب الباردة عندما أنفق البنتاغون 150 مليار دولار سنوياً على الأسلحة الجديدة،

وانخفض هذا المبلغ إلى 50 مليار دولار عقب سقوط حائط برلين، وكان رد فعل أكبر 15 شركة توريدات عسكرية في أميركا أن اندمجت لتصبح أكبر 5 شركات حالياً، ووعد الرئيس بوش عند نجاحه في الانتخابات برفع الإنفاق الدفاعي وفعل ذلك، فعادت ميزانية الدفاع إلى 160 مليار دولار برغم اختفاء الاتحاد السوفييتي (السابق).

والنتيجة أن شركات توريدات الدفاع الخمس الرئيسية شهدت خمس سنوات رغدة، ومنذ الهجمات الإرهابية في سبتمبر 2001 ارتفعت مبيعات هذه الشركات (لوكهيد مارتين ـ نورثروب جرومان ـ جنرال ديناميكس ـ راثيون) نحو 10% سنوياً. وزادت أرباحها في العام الماضي 25% لتصل إلى 13 مليار دولار.

ورغم أن غالبية ميزانية الدفاع تنفق على برامج الدفاع الكبرى التي لا تستخدم في الحرب ضد الإرهاب أو يستخدم القليل منها أتاحت هجمات سبتمبر مناخاً سياسياً جعل من المستحيل معارضة رفع الميزانية العسكرية. وفضلاً عن ذلك يعني هذا الإنفاق توفير مزيد من الوظائف في مجالات ليس فيها فرص تصنيع أخرى أو توجد فرص نادرة فيها.

ويبدو أن هذا النشاط قد انتهى، ويبدو أن الإنفاق المرتفع على برامج التسليح الكبرى لم يعد مطلوباً ولابد من تخفيفه، ولأن إلغاء هذه البرامج تماماً قد يكون محرجاً من الناحية السياسية، فالحل هو تخفيضها.

وتناضل شركة لوكهيدمارتين من أجل الاستمرار في إنتاج طائرات إف 22 ستيلث مثلا التي بدأت منذ 1986 وتتكلف حالياً 300 مليون دولار، مما يجعلها أغلى طائرة عسكرية في تاريخ أميركا، وكانت القوات الجوية تحتاج في الأصل 381 طائرة من هذا النوع المصمم للعمل في السماوات الأوروبية ضد الاتحاد السوفييتي السابق، وتم تخفيض العدد إلى 183 طائرة.

وحتى تعديل الأنظمة الدفاعية لتناسب نوع النزاعات الجديدة لا يحميها من سكين تخفيض الميزانية. فقد تم تعديل سفينة البحرية دي دي جي 1000 لتناسب مهام الحرب ضد الإرهاب، لكن النتيجة أن تكلفة كل سفينة زادت ثلاثة أضعاف إلى 3 مليارات دولار، وبالتالي تطلب البحرية سبع سفن فقط منها بدلاً من 32 سفينة.

وتخفيض إنتاج الطائرات والسفن التي نادراً ما تستخدم في حرب العصابات أمر حتمي، والاستثمار في تقنيات جديدة مثل أنظمة الحرب المستقبلية التي تمكن الجنود من الامتياز بقدرات أكبر، هو أمر منطقي فكلما زادت الحاجة إلى نشر جنود

مثل حالتي العراق وافغانستان زادت الحاجة إلى طائرات لنقلهم وتحسين معداتهم في الميدان، ولطائرات إعادة التزود بالوقود في الجو تستطيع الطائرات التحليق في مناطق يستحيل الهبوط فيها أو يمثل الهبوط خطورة كبيرة.

لذلك تسري نظرية المؤامرة في أوساط صناعة الدفاع بأن بوينغ قررت إيقاف إنتاج طائرات سي 17 لإجبار وزارة الدفاع على الشعور بأن يدها مغلولة فتطلب زيادة، الميزانية. وطلب قليل من هذه الطائرات يبقي مصانعها مفتوحة،

لأن إعادة فتح المصانع بعد إغلاقها يعني ميزانية أكبر وتكلفة أعلى وسيتوقف إنتاج طائرات سي 17 بمجرد انتاج طائرات سي 17 بمجرد إنتاج طائرات إيرباص A400m المنافسة لبوينغ حيث إن شراء هذه الطائرة أقل تكلفة من شراء الطائرة الأميركية باهظة التكلفة.

ترجمة: اشرف رفيق