ارتفعت معدلات البدانة الأميركية بشكل كبير خلال العقدين الماضيين، ويُقدّر بأن 30% من الكبار فوق 20 سنة أي أكثر من 60 مليون شخص يعانون من البدانة.
ويقول داريوس لاكروالا الخبير الاقتصادي الأميركي في مجموعة راند في كاليفورنيا، الذي تخصَّص في أبحاث اقتصادات المخاطر الصحية، إن الوزن يرتفع بين الأميركيين في الحقيقة من 150 سنة.
حيث زاد وزن الأميركي البالغ طوله ستة أقدام بمقدار 30 رطلاً في المتوسط منذ عام 1995، كما يتضح من سجلات دورا كوستا وريتشارد ستيكل من الحرب الأهلية.
وليس من الصعب ملاحظة هذا الاتجاه التاريخي حيث زادت الثروة والتقدم التقني، وبالتالي أصبح الغذاء أرخص والحركة أقل. وساهم هذان العاملان في ارتفاع الوزن بمرور الزمن من قرون، كما ساهم انخفاض أسعار الغذاء في ذلك منذ فترة طويلة.
وقد انخفضت أسعار الغذاء منذ 1976 بنسبة تزيد على 12% مقارنة بسلع أخرى. وأثبت الباحث توماس فليبسون أن انخفاض سعر الغذاء يفسر على الأقل نصف الزيادة في معدل البدانة.
وتوصل شين بي تشو ومايكل جروسمان وهنري سافر الباحثون في المجال نفسه إلى أهمية سعر الغداء أيضاً في ارتفاع البدانة. وقد ركزوا أيضاً على درجة توفر إتاحة الغذاء ومؤسسات الخدمات الغذائية.
وليس من الواضح إذا كانت المطاعم تساهم في زيادة وزن الناس، أم أن البدناء يجذبون مزيداً من المطاعم إلى السوق، غير أنه لا شك إن تناول طعام أرخص وأسهل سوف يرفع معدل البدانة.
والغريب أن انخفاض الأسعار أصاب بشكل أكبر الأغذية عالية السعرات الحرارية والدهون. حيث أثبت باحثون آخرون أن التقدم التقني قد خفض أسعار الطعام بصفة خاصة بالنسبة لأنواع مثل البطاطا المحمرة عالية السعرات الحرارية.
وتفيد الأدلة السابقة أن السمنة هي أثر جانبي للرخاء والتقدم التقني. ونواجه الآن في أميركا أثار نظام إنتاج الطعام والاقتصاد القائم على المعلومات، مثل ارتفاع معدل الحوادث بارتفاع إنتاج السيارات، وإنشاء الطرق.
وقال لاكدوالا انه لا يعتقد أنه من المفيد دفع عجلة التقدم للخلف في مجال الزراعة وتصنيع الأغذية بل لابد أن نركز على إدارة ومواجهة البدانة من خلال دراسة أثارها الصحية والاقتصادية بجعل الناس يتحملون تكلفة الاستمتاع بأن يكونوا بدناء.
وقالت كارول جراهام أستاذ الإعلام والاقتصاد بجامعة ماريلاند الباحثة في برنامج الدراسات الاقتصادية في معهد بروكنجز حيث ترأس قسم الديناميكا الاقتصادية لاشك أن الطعام الرخيص وأسلوب الحياة قليل الحركة يلعبان دوراً مهماً في البدانة.
لكن المعضلة التي لا تجد حلاً هي تركز البدانة في الفئات منخفضة الدخل والبدانة مشكلة أكثر تعقيداً بين الفقراء، فليست القصة فقط انخفاض أسعار الطعام وتوفره، فلماذا لا ترتفع نسبة البدانة بين الأغنياء بنفس القدر؟
وقالت إنهم أجروا دراسات لتفسير اختلاف انتشار البدانة بين الفئات السكانية في أميركا مع التركيز على دور الأعراف والآمال.
وكانت فرضيتنا هي أنه لا توجد حوافز لخفض البدانة إذا كانت تقليدية في العرف أو المجموعة الاقتصادية الاجتماعية أو هناك آمال ضعيفة في الفئات المهنية التي تنتشر فيها. فمن التقليدي أن يكون الأثرياء بدناء لإثبات رخائهم وثروتهم.
لكن الآن يتباهى رئيس البلاد برشاقته، أليس من المثير أن ترى كيف تغيرت التقاليد والأعراف، وفي الدول النامية لا تزال الأعراف تفيد بأن البدانة دليل على الرخاء والثروة، وقد وجدنا أن البدانة تتركز في روسيا بين الأغنياء أكثر من الفقراء.
ووجدنا في أميركا أن الفقراء أكثر من يعانون من آثار البدانة، لكن هذه التكاليف تتركز بين الفقراء البيض أكثر من الملونين، وفيما البدانة مرتفعة بين الملونين يعانون من نفس العواقب والتكاليف التي يعانون منها قد تفسر ذلك، والمشاركون في الدراسة الذين يشذون عن مستويات الوزن العادية بالنسبة لفئاتهم يعانون أيضاً من تكلفة المعيشة أكثر من متوسط بقية الفئات.
وقد وجدنا أيضاً حسب قول جراهام، إن البداية تتناسب عكسياً مع فئات الدخل، ولا نعرف مع ذلك إذا كان هذا يرجع إلى انخفاض الآمال والجهود التي يبذلها البدناء لإنقاص الوزن أم بسبب تزايد التميز في سوق العمل.
وبغض النظر عن ذلك تفيد النتائج أن تفعيل رسائل صحية عامة لجذب انتباه فئات مختلفة في الولايات المتحدة مع أخذ اختلاف الأعراف والآمال في الاعتبار قد يجعل هذه الرسائل فعالة في إقناع الناس باتباع أسلوب الحياة السليم صحياً.
ويقول لاكداولا إن البدانة تنتشر أكثر بين الفقراء، لكن معدل تزايدها متكافئ بين الفقراء والأغنياء.
وتفيد البيانات الرسمية أن الذين تركوا التعليم قبل اكتماله خلال الفترة من 1976 حتى 2001 زاد وزنهم بمقدار 16 رطلاً في المتوسط، لكن الذين تخرجوا من الكليات وهم بنفس طول الفئة المذكورة زاد وزنهم بنسبة أعلى وتضاعف معدل البدانة بين الذين تركوا التعليم في المرحلة الثانوية لكنه زاد ثلاثة أضعاف بين خريجي الكليات. والآن هناك أكثر من شخص واحد بين كل ستة من الخريجين يعاني من البدانة.
وهذا يجعل من الصعب أن البدانة تنحسر بين الفقراء وتتفق معه جراهام في أن البدانة انتشرت بين كل الفئات الاقتصادية في العقود الماضية، لكن لا يزال هناك اختلاف بين الفئات الاجتماعية الاقتصادية، مثلاً الفئات الاقتصادية الأقل من السيدات تزيد لديهن البدانة بنسبة 50% على الفئات الاقتصادية الأعلى.
وأكثر البدناء يعيشون في المدن التي قل دخل الفرد فيها عن 30 ألف دولار سنوياً في عام2002، فيما قلت نسبة البدناء بين الفئة التي زاد دخلها على 30 ألف دولار سنوياً في نفس العام.
غير أن الباحثين اتفقا على أن تحدي مشكلة البدانة في السياسة الصحية العامة هو الخطوة الأولى لتقليل التكاليف الاقتصادية لها.
ترجمة: أشرف رفيق
