لم تحل العلاقة التاريخية بين الذهب والفضة، بارتفاع أسعار المعدنين معا وهبوطهما معا،وهي العلاقة التي ظهرت جلياً في أنماط التداول على المعدنين،بتسجيلهما أرقاماً قياسية غير مسبوقة على مدار ربع قرن،لم يحل مثل هذا الارتباط الطردي التاريخي دون تقدم المعدن الأبيض على نظيرة الأصفر خلال حركة التداولات التي جرت في بورصة دبي للذهب والسلع بجنيه مكاسب سعريه أكبر،
وذلك أسوة ببورصات السلع العالمية الأخرى، وواكب ذلك، استمرار أسعار الذهب في تقلبها وتذبذبها على خلفية الضغوط السياسية المرتبطة بالملف النووي الإيراني، وتقلب أسعار النفط العالمية، وذلك بالرغم من حصول الذهب على بعض الدعم من تزايد عمليات شرائه في السوق الهندي، استعدادا لموسم الأعياد الذي يبدأ في شهر سبتمبر المقبل.
وشجع الأداء القوي للفضة على بروز تحليلات ترسم آفاقا للمعدن الأبيض أكثر إشراقاً من المعدن الأصفر، وإطلاق توقعات تتكهن بأن يتفوق أداء الفضة على أداء الذهب. بل قامت كذلك مؤسسات مالية معنية بأسواق السلع برفع توقعاتها بالنسبة لأسعار الفضة خلال العام الجاري، أسوة بالتحركات لمتوقعة لأسعار الذهب.
وجاء القسم الأكبر من هذا النمو من الصعود الضخم في الطلب الاستثماري، وهو ما اتضح جليا في أحجام التداول الكبيرة على عقود الفضة الآجلة في بورصة دبي للذهب والسلع.
تفوق أداء الفضة
وتفيد هنا بيانات بورصة دبي للذهب والسلع أن عقود الفضة الآجلة تحركت على مسار مخالف لمسار الذهب خلال الأسبوع المنتهي في 21 أغسطس، إذ استهلت عقود الفضة المستحقة في سبتمبر تداولات الأسبوع عند سعر 12.170 دولارا للأونصة، أي بارتفاع مقداره 36 سنتا، بالمقارنة مع سعر إغلاق الأسبوع السابق عليه،
وبعدما لامست الفضة خلال تداولات الأسبوع المذكور أدنى مستوياتها عند سعر 11.900 دولارا للأونصة، سجلت أعلى مستوياتها عند سعر 12.500 دولار للأونصة، وأغلقت الأسبوع عند سعر 12.050 دولارا للأونصة، جانية مكسبا مقداره 24 سنتا، وبالتالي، أغلقت الفضة الأسبوع على مكسب سعري نسبته 2% تقريبا.
وعلى الطرف المقابل، سجلت عقود الذهب الآجلة المستحقة في الأجل القصير في بورصة دبي للذهب والسلع خلال الأسبوع المنتهي في 21 أغسطس هبوطا زاد على 3%، موسعا نطاق الخسائر للأسبوع الثاني على التوالي،
كما استهلت عقود الذهب الآجلة المستحقة في أكتوبر تداولات الأسبوع المذكور على انخفاض مقداره 7 دولارات بالمقارنة مع الأسبوع السابق عليه، مسجلة سعرا بلغ 630 دولارا للأونصة، ومع ذلك، وخلال منتصف الأسبوع، تحركت الأسعار لتسجل أعلى مستوياتها عند سعر 637.40 دولارا للأونصة، ولكنها هبطت إلى أدني مستوياتها عند سعر 611.90 دولارا للأونصة، وأغلق العقد الأسبوع عند سعر 616.50 دولارا للأونصة،
كما استهلت عقود الذهب المستحقة في ديسمبر تداولات الأسبوع المذكور عند سعر640.20 دولارا للأونصة، ثم ما لبثت أن تحركت الأسعار إلى أعلى لتسجل أعلى مستوى عند سعر 642.20 دولارا للأونصة، ولكنها ارتدت إلى مسار التراجع لتسجل أدنى مستوى عند سعر 618.20 دولارا للأونصة، وأغلق العقد الأسبوع عند سعر 622.20 دولارا للأونصة، أي بانخفاض مقداره 21 دولارا.
وفي 23 أغسطس، أستمر الأداء المتفوق للمعدن الأبيض، إذ تابعت أسعار المعادن الثمينة في بورصة دبي للذهب والسلع أداءها المتفاوت، ومقارنة بالأداء الضعيف لأسعار الذهب الآجلة، حيث سجلت أسعار الفضة ارتفاعاً قوياً. وقفزت أسعار الفضة الآجلة في بورصة دبي للذهب والسلع لشهر سبتمبر بـ 37 سنتاً للأونصة وأنهت الجلسة عند 12.6 دولاراً للأونصة،
وفي مقابل هذا الأداء القوي، أظهرت أسعار الذهب تحركات غير مقيدة وانخفضت بهامش بسيط، بينما قفزت أسعار الفضة بأكثر من 3%. وافتتحت أسعار الذهب الآجلة لعقود شهر أكتوبر عند 5 ,625 دولاراً للأونصة، منخفضة 2.8 دولار مقارنة بسعر الإغلاق في الجلسة السابقة. وارتفعت الأسعار في بدايات الجلسة إلى 3 .634 دولاراً للأونصة مع حلول المساء،
وأدت ضغوطات البيع مع نهاية الجلسة إلى انخفاض الأسعار واستقرت في نهاية اليوم عند 9.627 دولارات، بانخفاض 40 سنتاً للأونصة. وارتفعت فائدة الافتتاح بـ 87 عقداً وأنهت تعاملات اليوم عند 1755 عقداً. وسجلت أسعار الذهب الآجلة لشهر ديسمبر انخفاضاً هامشياً بقيمة 0.4 دولار للأونصة، وبدأ التداول عند 631.9 دولاراً للأونصة ووصل الانخفاض إلى 631.5 دولاراً قبل الارتفاع إلى 638.4 دولاراً للأونصة. ولكن السعر لم يثبت عند ذلك الحد وانخفض مع إغلاق الجلسة عند 633.7 دولاراً للأونصة، وارتفعت عقود شهر ديسمبر الافتتاحية قليلاً بخمسة عقود واستقرت عند 255 عقداً.
تحركات الأسعار في البورصات الأخرى
وعكست حركة التداول في بورصة دبي للذهب والسلع تحركات أسعار المعدنين في البورصات الأخرى العالمية. وفي 21 أغسطس، صعد سعر الذهب، بناء على المخاوف التي سادت الأسواق بأن إيران ربما ترفض الموعد المحدد من قبل الأمم المتحدة لوقف برنامجها لتخصيب اليورانيوم. وقفزت في قسم كوميكس أسعار العقود الآجلة المستحقة في سبتمبر بمقدار 7.20 دولارات للأونصة لتصل إلى 628.90 دولارا للأونصة.
وقال جوناثان بارات رئيس قسم الصرف الأجنبي والعملات في شركة Tricom Futures Pty ومقرها سيدني أن الوضع في إيران يقدم بعض الدعم للذهب، على اعتبار أن هذه القضية ستثقل على أسعار النفط، مما يقوي مخاوف التضخم، وبالتالي، تقدم الدعم للمعدن الأصفر، وعبر ديبا شارما محلل المعادن النفيسة في شركة Anand Rathi Securities ومقرها بومباي عن نفس الرأي بقوله »تعزز التوترات السياسية المتعلقة بإيران أسعار النفط، وهو ما يعزز بدوره أسعار الذهب«.
وقد تراجع سعر الذهب في 23 أغسطس، بعدما أعلنت إيران استعدادها لإجراء مفاوضات جادة مع الولايات المتحدة حول برنامجها النووي، وعليه، بدت المخاطر الجيوسياسية ومخاوف التضخم – بحسب توم بيليك المحلل في Scotland Plc Royal Bank of- كما لو كانت آخذة في الانحسار.
وفي 24 أغسطس،أستعاد الذهب بعض الخسائر التي تكبدها، وجاء صعود سعره نتيجة لقيام بعض تجار المجوهرات في الهند بشراء المعدن النفيس، تأهبا من جانبهم للزيادة المتوقعة في الطلب خلال موسم الأعياد، ومن ثم، صعد السعر الفوري للذهب في 24 أغسطس في لندن بمقدار 2.2 دولار للأونصة، أي بنسبة 0.4% ليصل إلى 624.86 دولارا للأونصة، وتغير سعر عقود الذهب الآجلة في قسم كوميكس ببورصة نيويورك التجارية (نايمكس) على نحو طفيف، مسجلا سعر بلغ 633.70 دولارا للأونصة.
ويشتري الهنود الذهب خلال الاحتفالات بالأعياد والتي ستبدأ في شهر سبتمبر، وتعقد أغلب مناسبات الزواج في شهر أكتوبر، ويتزايد الإقبال على شراء الذهب في الهند التي تعتبر أكبر مستهلك في العالم للمعدن الأصفر، عندما تكون الأسعار مستقرة، ويسبق موسم الأعياد في رأي شيراج شيز محلل السلع في شركة Utisec Commodities Ltd ومقرها بومباي، بعض عمليات الشراء المادي للذهب، كما تنشط الصين هي الأخرى في السوق.
وقد جني الذهب مكسبا سعريا خلال العام الجاري نسبته 27%، وقفز في مايو إلى أعلى سعر في 26 عاما والذي بلغ 732 دولار للأونصة، بناء على تكهنات مؤداها أن أسعار النفط المرتفعة ستحفز على زيادة الضغوط التضخمية، ولكنه انخفض منذ ذلك الحين بنسبة 15%، وجاء انخفاض سعره نتيجة لتراجع مشتر وات تجار المجوهرات الذين يعدون أكبر مشتر للذهب.
إقبال المستثمرين
وعكس صعود أسعار الفضة، زيادة إقبال المستثمرين عليها، حيث زاد مديرو صناديق التحوط من مراكزهم الطويلة (عمليات الشراء) لعقود الفضة الآجلة في بورصة نيويورك التجارية خلال الأسبوع المنتهي في 22 أغسطس، وذلك بناء على بيانات اللجنة الأميركية للتعاملات الآجلة في السلع.
وأفادت بيانات اللجنة أن المراكز الطويلة فاقت أعدادها نظيرتها القصيرة (عمليات البيع) في قسم كوميكس بمقدار 21553 عقدا، إي بزيادة نسبتها، وأن المراكز الطويلة قفزت بمقدار 1812 عقدا، إي بزيادة نسبتها 7%، بالمقارنة مع الأسبوع السابق عليه.
وفي قسم كوميكس، أغلقت أسعار العقود الآجلة للفضة في 25 أغسطس على ارتفاع، وجنت مكسبا نسبته 2.8% لتصل إلى 12.37 دولارا للأونصة.وفي الإطار ذاته توقع بيتر بارنيز الرئيس التنفيذي لشركة Silver Wheaton Corp التي تحقق عوائدها من الفضة أن يصل سعر الفضة خلال العامين المقبلين إلى 20 دولارا للأونصة،
مشيرا إلى أن الشركة تتطلع لأن تشهد السنوات المقبلة أسعارا قوية للفضة. وأرجع أسباب ذلك إلى تخلف سعر المعدن الأبيض عن اللحاق بوتيرة صعود المعدن الأصفر،وأعرب عن اعتقاده بوجود طلب قوي على الفضة سواء على صعيد استهلاكها لأغراض صناعة المجوهرات، أو على صعيد استخدامها لأغراض صناعية.
وقد تعزز تصاعد الطلب الاستثماري نتيجة لتبلور اتجاه لتأسيس صناديق استثمارية مدعومة بالفضة، حيث حصلت شركة Barclays Global Investors وهي احدى الشركات التابعة لمؤسسة Barclays على موافقة لجنة البورصات وأسواق المال الأميركية بقيد أسهم صندوق استثماري مرتبط بالفضة في بورصة الأسهم الأميركية. وتلا ذلك، قيام المؤسسة في 28 ابريل بطرح 50 ألف سهم من صندوق »آى شيرز سيلفر ترست« للاكتتاب العام ويمثل السهم الواحد 10 أونصات من الفضة.
وينطوي إطلاق صندوق استثماري مدعوم بالفضة على تأثيرات ضخمة بالنسبة لسوق الفضة سوق الفضة، نظرا لاتسام السوق بالصغر والمحدودية والتشدد، فضلا عن أن الصندوق يمثل ابتكارا ناجحا في طريقة تملك الأفراد والمستثمرين للفضة مما سيزيد من طلبهم على الفضة.
وقد فتح إطلاق صندوق شركة باركليز كابتال إنفستورز Barclays Global Investors المجال أمام بلورة اتجاه استثماري جديد على مستوى العالم لتأسيس صناديق مدعومة بالفضة في أماكن أخرى من العالم، إذ يتردد في السوق أن هناك صندوقا استثماريا مدعوما بالفضة في طور الإطلاق في دبي.
وينسجم هذا الصعود في الطلب الاستثماري على الفضة في دبي مع اتجاهات الأسواق على مستوى العالم، وتفيد هنا أرقام مؤسسة »جي أف أم إس« للاستشارات في مجال المعادن ومقرها لندن أن الطلب الاستثماري على الفضة في العالم قد أرتفع في عام 2005 بنسبة 23% ليصل إلى 47.5 مليون أونصة، وساهم هذا الصعود في جني الفضة مكسبا سعريا خلال العام المذكور نسبته 10%،
وهو الأمر الذي أعطي قوة زخم لأن يسجل المعدن الأبيض ارتفاعات قياسية خلال النصف الأول من العام الجاري، بحيث وصلت الأسعار في شهر إبريل الماضي إلى المستوى الذي كانت عليه في فبراير 1983، وتضمن الصعود كذلك ارتفاع الطلب الصناعي بنسبة 11% ليصل إلى 409.3 ملايين أونصة وطلب مصنعي المجوهرات ليصل إلى 249.6 مليون أونصة. ومع ذلك تراجع طلب التصوير الفيتوغرافي بنسبة 9% والطلب لأغراض تصنيع
العملات بنسبة 4%، كما قفز الإنتاج العالمي من الفضة بنسبة 3% ليسجل ارتفاعات فائقة جديدة تبلغ 641.6 مليون أونصة، ووفقا لمؤسسة الفضة احتلت جنوب إفريقيا المكانة السابعة عشرة كأكبر منتج للفضة في عام 2004. وتضم الشركات الأكبر إنتاجا للفضة كل من شركة »بي إتش بي بيلتون« التي تمتلك منجم كانينجتون في استراليا الذي يعد أكبر منجم في العالم وشركة »باريك جولد« الكندية وشركة »ريوتينتو«.
وتقدم المقومات الأساسية للسوق دعما لحالة الصعود التي تهيمن على أسعار الفضة، ويرصد هنا تقرير مؤسسة »جي إفى إم إس« للاستشارات في مجال المعادن تراجع إمدادات الفضة من المبيعات الحكومية والخردة، حيث تقلصت المبيعات الحكومية في عام 2005 بالمقارنة مع عام 2004 نتيجة لعجز المبيعات الروسية والهندية عن تعويض التراجع الضخم في المبيعات الحكومية الصينية.
توقعات المحللين
وقد غذت أسعار الفضة القياسية توقعات المحللين بأن المعدن الأبيض يتجه صوب تسجيل المزيد من الارتفاعات خلال العام الجاري، وهو ما أنعكس على تقديرات المؤسسات المالية التي قامت برفع تقييماتها لسعر الفضة، بل وذهب بعض المحللين إلى حد التكهن بأداء سعري للفضة يفوق أداء الذهب، وتوقعوا في هذا الصدد أن تسجل الفضة مستويات سعرية قياسية أعلى من تلك التي سيسجلها الذهب.
ويعتبر جوردان كوتيك المحلل في مؤسسة Barclays Capital Inc واحدا من هؤلاء الذين تكهنوا بأداء للفضة يفوق الذهب، حيث كتب في مذكرة تحليلية شارحا أنه بعدما وصلت الفضة إلى أعلى سعر لها، فأنه من المتوقع أن يتفوق أداؤها على أداء الذهب.
وعقدت تحليلات أخرى مقارنة بين المعدنين على أساس وتيرة الصعود نحو ذروة سعرهما أبان عقد الثمانينات، لتخلص إلى أن الذهب قد قطع شوطا كبيرا في الاقتراب من ذروة سعره في الثمانينات، فيما لم تقطع الفضة نفس الشوط، حيث أن المعدن الأصفر قفز إلى 873 دولارا للأونصة في عام 1980، وهو الآن يصعد بوتيرة تجعله قريبا من مستوى الذروة، بملامسة سعره مستوي 550 دولارا للأونصة، وعلى الجانب المقابل، فأن الفضة التي وصل سعرها إلى 41.50 دولارا للأونصة في عام 1980، مازلت أسعارها تحوم 10 دولارات للأونصة، وهو ما يعني أنه ما زال هناك حيزا لأن يقفز سعرها لتجني مكاسب سعرية تفوق الذهب.
نمو تجارة الفضة في دبي
سلط تقرير صادر عن بورصة دبي للذهب والسلع الضوء على التجارة المادية على الفضة في دبي، وخلص إلى أن دبي سجلت نموا مؤثرا في تجارة الفضة خلال السنوات الثلاث الماضية.
وتبين الأرقام الواردة في التقرير وجود نقلة نوعية ضخمة في سوق الفضة بدبي، حيث ارتفعت الواردات من 25 مليون دولار فقط في عام 2002 إلى 252 مليون دولار في عام 2005، أي أنها تضاعفت نحو عشر مرات خلال ثلاث سنوات فقط، كما زادت تجارة إعادة تصدير الفضة من 5 ملايين دولار في عام 2002 إلى 166 مليون دولار في عام 2004، أي أنها تضاعفت ثلاث عشرة مرة خلال الفترة المذكورة.
