يداعب حلم الذهب العقول والأفئدة في الإمارات ومصر بأشكال وطرق متنوعة، وتمثل همزة الوصل أو القاسم المشترك بين الحلمين إذا جاز التعبير. هو الترفل بنعيم امتلاك الذهب، ولكن تحقيق مثل هذه الأمنية يأخذ مسالك وطرقاً متباينة، ففيما يأسر حلم الذهب قلوب الناس لتحقيق أمنيه الثراء عبر الفوز بجوائز الذهب.

يأسر حلم الذهب مخيلة المصريين عبر البحث عن مواريث الأجداد وكنوزهم، واقتفاء اثرهم في التنقيب عن المعدن الأصفر في المواقع التي وطئتها الأقدام خلال العصور المختلفة للدولة الفرعونية. ويتحرك الحلم في الحالتين على أرضية واحدة، وهي المسعى المشترك للدولتين لتعظيم المكاسب من ما يحمله آفاق الذهب من غنائم وفوائد،

وفيما ينطلق هذا المسعى من حيازة دبي لقب »مدينة الذهب« والذي يجعلها في حركة دائمة لتعزيز مكانتها كمركز عالمي للاتجار في الذهب بمختلف أنواعه ومنتجاته، فانه ينطلق في مصر من حيازتها للقب »حضارة الذهب« والذي يجعل البحث عن كنوز الذهب التي خلفها الأجداد الفراعنة حلما يداعب مخيلة المواطن والمسؤول معا.

تأجج حلم الذهب

يتأجج حلم الذهب في مدينة لدى المقيمين والزائرين، بل يرتادها السياح، وهم مدفوعون بهذا الحلم، حتى يخال للمرء أن حلم الذهب الذي كان وراء اكتشاف قارات العالم الجديد، ما زال يتحرك بقوة ونشوة في مختلف أنحاء مدينة دبي، ويأسر مخيلة الكثيرين الذين يتوقون إلى الترفل بنعيم امتلاك الذهب. وقد كان حلم الذهب أحد الدوافع الرئيسية لروح المغامرة التي امتلكت الرجل الأبيض في ارتياده قارات العالم الجديد، ولكن حلم الذهب في دبي هو صنيعة عبقرية وتصميم الإنسان الذي أجتهد في جعل هذا الحلم نابضا بالحياة في هذه البقعة من العالم.

على نفس المنوال، يتأجج حلم الذهب في مصر التي احتضنت على مدار تاريخها أنواعا شتي من الحضارات، وتذهب مخيلة المواطن العادي إلى كنوز الحضارة الفرعونية، ويجد الناس على سبيل المثال في مدينة الأقصر تحتضن الكثير من المعابد والقبور التي تعود إلى الحضارة الفرعونية، يروون في حكاياتهم ومأثوراتهم روايات الذهب التي تمتزج فيها الأسطورة بالخيال، ولكنها تعتبر جزءا أصيلا من مواريثهم الحضارية والثقافية، ويزداد هذا الحلم تأججا لدى هؤلاء الذين عشقوا علم المصريات الذين يهيمون في أرض مصر بحثا عن كنوز الأجداد.

ولعب الذهب دورا مهما في مصر القديمة، حيث كان ينظر إليه على أنه جلد الآلهة، واستخدم بكثافة في طقوس الدفن، فعلى سبيل المثال، تم دفن توت عنخ آمون مرتديا قناعا من الذهب، ويحتوي تابوته المصنع من الذهب على 110 كيلوجرامات من الذهب الخالص، ويمكن أن يسهم هذا الاندفاع الجديد نحو الذهب في مصر في تنشيط الاقتصاد وتوفير المزيد من فرص العمالة في قطاع التنقيب، ومع ذلك، لف النسيان مناجم ذهب الفراعنة مئات السنين، وتستعين شركة استرالية في التنقيب عن مناجم الذهب بورقة بردي يعود تاريخها إلى 3500 عام.

اللاعبون الرئيسيون في دبي

يغذي حلم الذهب في دبي اللاعبون الرئيسيون في صناعة وتجارة الذهب، وتبرز هنا مجموعة الذهب والمجوهرات التي تنشط وبقوة في جعل حلم الذهب يداعب عقول الكثيرين، فهى تنظم الحملات الترويجية، وترصد جوائز ذهبية وصلت في بعض الأحيان 120 كيلوغراما من الذهب، وكان من شأن هذه الحملات أن دعمت مبيعات التجزئة،

حيث يفضل الناس الهدايا المجانية والتي تتمثل في كوبونات على المبيعات تمنح صاحبها الفوز بجوائز قيمة، كما يسهم مركز دبي التجاري العالمي المنظم لسلسلة معارض »دبي الدولي للمجوهرات« في جعل الذهب عنوانا عريضا لمدينة دبي في مختلف دول العالم، حيث نجح في تعزيز مكانة هذه المعارض لدى التجار والمستهلكين على مستوى العالم، بحيث أصبحت في مصاف معرضي فيجينزا في إيطاليا وبازل في سويسرا، وغير ذلك،

كما نجحت هذه المعارض في اتجاه تمثيل أكبر للتنوع على صعيدي التجار والمستهلكين وبالتالي نجحت في جذب الفئات المستهدفة على مختلف مشاربها سواء محليا أو إقليميا أو عالميا. وذلك من خلال تنظيم الحملات في عدد من الأسواق الرئيسية في العالم ودعوة الوفود التجارية من هذه الأسواق إلى الإمارة للتعرف على قدراتها الكامنة، فضلا عن تشجيع تجارة المجوهرات من كل انحاء العالم لعرض منتجاتهم امام جمهور منطقة الشرق الأوسط وشبه القارة الهندية.

كما تعزز مفاجآت صيف دبي أداء السوق بما يستقطبه من سياح وزوار من مختلف دول العالم ليصبح سوق الذهب أحد الوجهات المهمة التي يقصدها السياح والزوار ليجدوا فيه تشكيلة متنوعة من المشغولات الذهبية التي تتناسب مع مختلف الأذواق ويحرص السياح والزوار لدبي خلال مفاجآت صيف دبي على اقتناص الفرصة لشراء الذهب من دبي للمزايا العديدة التي يحصلون عليها حيث يمكن أن يحالفهم الحظ بالفوز بالجوائز الضخمة التي تطلقها مجموعة الذهب والمجوهرات في دبي.

وتعد عروض الذهب في مدينة الذهب عنصرا رئيسيا في عناصر الجذب الكثيرة التي تميز مهرجان دبي للتسوق في دوراته المختلفة، وغالبا ما تكون محال الذهب محط أنظار السياح والزوار الذين يقدمون إليها من جميع أنحاء العالم، وهم يحرصون على شراء المنتجات الذهبية التي تتمتع بجودة عالية وسعر مميز.

وأضافت بورصة دبي للذهب الكثير إلى حلم الذهب في دبي، فقبل إطلاق بورصة دبي للذهب والسلع، لم يكن في مقدور تجار الذهب التخطيط للمستقبل، ولم يكن متاحا لهم معرفة ما ستكون عليه حجم إمدادات الذهب في المستقبل، ولكن مع إطلاق البورصة، صار في إمكانهم التخطيط للمستقبل، كما تتمثل إحدى الفوائد التي يجنيها التجار من تداولهم على عقود الذهب الآجلة في بورصة دبي للذهب والسلع، في التحوط ضد المخاطر، خصوصا فيما يتعلق بمخاطر تذبذب الأسعار في سوق الذهب فضلا عن المخاطر الأخرى المتصلة بالتضخم مثلا، إلى جانب الاستفادة من الاختلافات الموجودة في الأسعار بين البورصات.

كل هذه الفرص والجوائز الذهبية تجعل حلم الذهب يداعب مخيلة كل من تطأ أقدامه مدينة الذهب، بحيث يكون الفوز بهذه الفرص هدفا عزيزا وأمنية غالية للساعين إلى الثراء.

كنوز الفراعنة

وعلى نفس المنوال، يغذي حلم الذهب في مصر جبال السكري التي ترقد – بحسب الأقاويل – على كنوز من الذهب، وتبعد هذه الجبال 350 كيلومتراً عن مدينة الغردقة، وهي عبارة عن مجموعة جبلية تأخذ أشكالا هرمية شاهقة الارتفاع، تكاد تتلامس من القمة، وتفصل بينها مسافات تشبه الأودية في القاع.

وتقسو الطبيعة في هذه البقعة من العالم، فعند حلول وقت الظهيرة، تتأجج الحرارة القاسية وكأن أفرانا تنفث سخونتها في الجو، وليس الحال بأفضل فوق القمم الجبلية، إذ ان التيارات الهوائية الساخنة تنطلق من أسفل إلى اعلى وكأنها سحابة من الضباب، وتزيد المعادن الكامنة بالجبال من سخونة المنطقة.

ورغم قسوة الطبيعة، فان إغراء الذهب اقوى من أي صعاب، ويطلق هذا الإغراء نورا يهدي إلى استخراج ملايين الدولارات من طي النسيان، وهو ما يخفف من وطأة حرارة الجو التي تزيد على 50 درجة مئوية.

وتبدأ هنا قصة المستثمر المصري المهاجر إلى استراليا منذ نهاية الستينات والذي اكتشف العديد من كميات الذهب في استراليا.. وفي احدى زياراته لموطنه الأصلي، سأل الجيولوجي سامي الراجحي رئيس مجلس إدارة شركة سنتامين ايجبت أصدقاءه لماذا لا استثمر أموالي في مصر؟ قالوا: في أي مجال؟ أجاب: في التعدين طبعا.

وجاء ردهم عليه مفاجئا: لا يوجد في مصر تعدين بالمفهوم الاقتصادي؟!.. وهنا تملكته روح التحدي.. طالع الخرائط الجيولوجية.. استقرت عيناه على عدة مواقع بصحراء البحر الأحمر منها منطقة جبل السكري.. قام بزيارة الموقع.. كرر الزيارة.. ثم توالت الجولات المكوكية والتي أسفرت عن حصوله على عينات من الرمال والصخور.

ثم سافر إلى استراليا.. ومن هناك صرخ عبر الهاتف محدثا احد أصدقائه »وجدتها.. وجدتها.. الذهب ومعادن أخري أكدتها التحاليل المبدئية« وهنا أدرك الجميع أن المعادن الثمينة موجودة، وبحاجة إلى من يبحث عنها ويخرجها من مدفنها لترى النور.

التنقيب في جبال السكري

وبالتالي انطلقت وانتشرت فرق العمل فوق التباب الجبلية، وأخذت تعمل وفق برامج جيولوجية اشرف عليها الجيولوجي سامي الراجحي نفسه وكما يؤكد الجيولوجي محمد فرغلي فإنه بعد الاطمئنان إلى نتائج العينات السطحية تم عمل شبكة مساحية بتقسيم المنطقة إلى مربعات في اتجاه الشمال والشرق وتمت الاستعانة بحفارات عملاقة مستوردة من الخارج للقيام بمهمة الحفر.. وذلك باستخدام وصلات من مواسير ذات أقطار معينة يدفع بها الحفار إلى مسافات تصل إلى 400 متر في بطن الصخور.. وتخرج الوصلة الأخيرة بالعينة المستهدف الحصول عليها.

وكما يشير الجيولوجي بهاء صادق فقد تم إجراء جراحة بالآبار الاختبارية لعمق الصخور.. حيث حفر بئر اختباري كل مئة متر.. ثم بئر كل خمسين متراً.. ثم بئر كل خمسة وعشرين أكد تركيز الحفر بزيادة الآبار أن المناطق التي تختزن المعادن ممتدة تحت السطح وليست مقطوعة.. وهذا معناه ضمان الدقة في العينات المسحوبة، وضمان جدوى التشغيل.

وتم بالفعل توقيع اتفاقية للتنقيب بين الشركة والحكومة المصرية ممثلة في هيئة المساحة الجيولوجية وذلك عام 1994، وكما يشير يوسف الراجحي مدير عام الشركة فان الاتفاقية لا تقتصر على التنقيب عن الذهب فقط.. إنما الذهب والمعادن المصاحبة له بالصحراء الشرقية بمناجم أخرى غير السكري في كل من »ابومروات« و»البرامية« بمساحة إجمالية 5 آلاف كيلومتر مربع وبالتالي فقد تم اخذ عينات من جميع المواقع بهذه المساحة وأكدتها المعامل الاسترالية.

الدعم الحكومي

وبمقتضى اتفاق بين الطرفين، ستحصل الحكومة المصرية على ثلاثة في المئة من إجمالي مبيعات الذهب، إلا أن الشركة في المقابل لن تدفع ضرائب من أي نوع حتى عام 2030 وانه بمجرد أن تسترد سنتامين تكلفة استثماراتها فإنها ستقسم أرباحها الصافية من المنجم بالتساوي مع الحكومة المصرية.

والأرقام هنا لا تكذب ولا تتجمل، وهي تشير ـــ بحسب أقوال عصمت الراجحي المسؤول عن موقع جبل السكري وأحد المساهمين ـــ إلى أن مساحة الجبل تصل إلى 3000 متر مربع، ويسمي الجزء الذي يجري فيه العمل حاليا بموقع آمون على مساحة 500 متر، وشهدت هذه المساحة حفر 267 بئرا اختباريا، وبتحليل العينات ثبت معمليا أن نسبة الذهب الخالص تتراوح ما بين 2.5 ـ 3.5 غرامات في طن الصخور وهي نسبة عالية ومجدية اقتصاديا للغاية.

ويسلط سامي الراجحي رئيس الشركة المزيد من الضوء على أعمال التنقيب بقوله: أن أعمال تنقيب في المنطقة، التي اكتشفت باستخدام خرائط فرعونية قديمة، أظهرت أن هناك مليوني أوقية »أونصة« من الذهب على الأقل يمكن استخراجها على نحو يضمن أرباحًا للشركة وباستخدام تقنية رخيصة في التعدين سيتكلف استخراج الأوقية ما بين 120 دولارا و130 دولارا.

وواصل حديثه قائلا: سنرفع تقدير الاحتياطيات من 1.2 مليون أوقية إلى مليوني أوقية في فبراير، مضيفا انه يتوقع أن يزيد معدل الإنتاج عن 300 ألف أوقية سنويا، اعتبارا من الربع الأول في العام القادم.

وذكر أن أعمال تنقيب أولية كشفت أن قطاعا ثانيا من التل الواقع في منطقة السكري على مسافة 805 كيلومترات جنوبي القاهرة، كشفت انه ربما يحتوي على أربعة ملايين أوقية أخرى من الذهب الممكن استخلاصه وقدر أن التل كله ربما يحتوي على 20 مليون أوقية من الذهب، وتابع الراجحي: بقوله، أن المليوني أوقية يتركزان في أقل من عشرة في المئة من مساحة التل.

ستقوم سنتامين التي تعمل عبر فرعها في مصر، المعروف باسم مناجم ذهب فرعون، بإقامة المصنع الضروري للبدء في أعمال التعدين بحثا عن المليوني أوقية في نهاية العام بتكلفة تتراوح بين 80 مليون دولار و90 مليون دولار.

وأعلنت سنتامين أنها أبرمت اتفاقا مع بنك ستاندرد لندن لتحمل مسؤولية تمويل مشروع السكري الذي سيكون قادرا على استخلاص الذهب من خمسة ملايين طن من الصخور سنويا.

وكما يحظى التنقيب عن الذهب بدعم الحكومة المصرية، فإن دبي استطاعت أن تعزز سمعتها كمدينة للذهب على المستوى العالمي، وباتت المكان الأمثل لمتسوقي الذهب والمجوهرات إقليميا وعالميا، وارتقت أهمية هذا القطاع ليشكل أحد الروافد المهمة لاقتصاد الإمارة، وذلك بفضل الدعم الحكومي الذي تمثل في إرساء البنية التحتية للقطاع وتحديث الأسواق القائمة وإقامة مراكز وأسواق جديدة والتي تعتبر نتاج مشاركتها الجادة مع شركات القطاع الخاص العاملة في قطاع المجوهرات.

وهكذا يتحرك حلم الذهب في مصر والإمارات بنشوة وحيوية، رغم تعدد تعبيرات وأشكال هذا الحلم، فهو يرنو لغاية واحدة، وهي استكشاف فرص وفوائد آفاق الذهب.

السوق المصري في حالة تحول

رصد فيليب نيومان المحلل في مؤسسة »جي إف أم أس« دلائل توحي بأن سوق الذهب المصري اجتاز في عام 2005 ما يشبه بمرحلة التحول. فالدلائل ـــ والكلام له ـــ التي جمعتها خلال الزيارتين اللتين قمت بهما للقاهرة في شهري فبراير ويوليو من هذا العام تؤكد على أن صناعة الذهب في مصر تجتاز مرحلة من التغييرات فيما يتعلق بافاق سوق الذهب هناك.

فمن ناحية أولى ـــ بحسب المحلل ـــ ساهم تحسن الاقتصاد بوتيرة منتظمة ومتواصلة في حدوث تراجع حاد في رغبة الجمهور لبيع مقتنياته من المجوهرات الذهبية ومضى المحلل قائلا: لقد تأكدت من صحة هذه الفرضية خلال سيري في شارع خان الخليلي وهو من أشهر أسواق الذهب في مصر، حيث وجدت حفنه قليلة من المحلات التي تعرض خدماتها لشراء المجوهرات الخردة وهو أمر يخالف ما رؤيته خلال رحلاتي السابقة للقاهرة في العام الماضي.

ورافق هذا الاتجاه – والكلام مازال على لسان المحلل – صعودا في الاستهلاك المحلي، وكنتيجة لذلك، لم تتوقف صادرات خردة الذهب فحسب، بل عادت من جديد واردات السوق المصري من السبائك الذهبية.

واستدرك المحلل في رواية تفاصيل رحلته بقوله: انه على الرغم من ذلك، مازال الشطر الأعظم من المصنعين الذين التقيت بهم يشير إلى أن القدر الأكبر من إنتاجهم يأتي مصدره من خردة المجوهرات.

ورصد المحلل في خلال رحلته للقاهرة اختفاء السوق السوداء للجنيه المصري، حيث كان دائما ما يتطرق الى مسامعه لدى سؤاله عن سعر الذهب في جولاته عبارة »أي جنيه مصري تتحدث عنه«.

دبي ـــ مجدي عبيد: