في المقال السابق، (البيان في 12 أغسطس)، أنهينا النقاش بالتساؤل حول أيّ من أولئك البنّائين الذين كانوا يبنون جدراناً بقوالب من الإسمنت قد يُنهي عمله قبل الآخرين؟ فهل هو البنّاء الأوّل الذي يبني خمسة جدران بارتفاع متساوٍ وطول متساوٍ؛ إذ يبلغ ارتفاع كلّ جدار أربعة أقدام وطوله عشرة أقدام؟

أم هو البنّاء الثاني الذي يبني خمسة جدران بارتفاع غير متساوٍ وطول غير متساوٍ، إنّما بمساحة إجماليّة هي نفسها؛ فكلّ جدار يحتلّ مساحة 40 قدماً مربّعا؟هل هو البنّاء الثالث الذي يبني خمسة جدران بارتفاع متساوٍ إنّما بطول غير متساوٍ، ولا يمكن أن يكتمل قياس طول هذه الجدران بعدد مكتمل من نصف القوالب؟

أم هو البنّاء الرابع الذي يبني خمسة جدران من مساحة إجماليّة هي نفسها كما في السابق، غير أنّ طول كلّ جدار يختلف عن الآخر وارتفاع كلّ منها كناية عن مجموعات مختلفة غير مكتملة للقوالب، بالإضافة إلى أنّ لكلّ جدار قمّة مختلفة يعمل البنّاء عليها، فأحد الجدران له قمّة ناتئة، وآخر له قمّة مستديرة؟

هل يسعنا النظر في سرعتهم من أجل اقتراح تبرير مختلف عن التبرير التقليديّ، ذلك الذي راحت كلّ شركة تقريباً تتفوّه به خلال أكثر من ستّين سنة: أي «من أجل السيطرة على الكلفة علينا السيطرة على الوقت»؟

في الواقع، ينهي البنّاءان الأوّل والثاني عملهما في الوقت نفسه تقريباً.

فعلى الرغم من أنّ الأوّل يبني خمسة جدرانٍ إنّما متشابهة، والثاني يبني خمسة جدران، مختلفة، إنّما في مساحة إجماليّة هي نفسها، فإنّ البنّاءين سيحتاجان إلى كميّة الوقت نفسها لأنّهما يؤدّيان العمليّات نفسها تماماً.

وفي المقابل، فإنّ البنّاءين الثالث والرابع سيحتاجان بالتأكيد إلى وقت أكثر.

أمّا السبب الجوهريّ في أنّ عمليّة البناء يمكن أن تنتج بيوتاً مختلفة كلّ الاختلاف، بدون زيادة التكاليف، فيعود إلى أنّها ترتكز على عمليّة تشبه تلك التي يستعملها البنّاء الثاني. فهي تتألّف من عمليّات نموذجيّة وعاديّة، تُستعمل ثالثاً من أجل بناء مجموعة لا متناهية من الأشكال.

وهي لا تتطلّب عمليّات إضافيّة، وبالتالي لا تُزيد كلفة العمل بعكس ما تقوم به العمليّة التي يستعملها البنّاءان الثالث والرابع. ويمكن إبقاء كلفة البناء ذاتها حتّى حدّها الأدنى وذلك لأنّه يجدر تصوّر كافّة مهمّات البناء على أنّها مفهوم عمليّةٌ نموذجية وليست تركيبُ مكوّنات.

في المقالين السابقين (البيان في 29 يوليو و12 أغسطس 2006)، حاولنا أن نلفت انتباهكم إلى أنّ الاختصاص لا يعني عمّالاً أكفاء فحسب، ف«المزارع» الذي يعمل بصفة «عامل كهرباء» هو نتيجة الخمول الفكري المتواجد في ما يُسمّى بالشركات المتخصّصة. فعندما نُصاب بخمول فكريّ، لا نعود نتساءل عن سبب عدم إدراكنا للحجج الغير معقولة في بلداننا.

وفي نهاية سلسلة المقالات الثلاثيّة هذه؛ المعادلة سهلة: الفكر المتكافئ ينتج العمل الكفؤ؛

في نهاية سلسلة المقالات الثلاثيّة هذه؛ المعادلة سهلة جدًّا: العمل الكفؤ ينتج الخدمات الكفؤة؛

في نهاية سلسلة المقالات الثلاثيّة هذه؛ المعادلة سهلة للغاية: الخدمات الكفؤة تنتج بلداناً عربيّة كفؤة.

فهي النهاية، ألسنا نحن من يسوّق اقتصاداً مبنيا على الخدمات المتكافئة؟

zena@arabianconcept.com