بعد أكثر من عام على انطلاق الفن السابع وإنتاج عشرات الآلاف من الأفلام خلالها، تطور هذا الفن بتقنياته وفنياته، وأثر وتأثّر بفنون كثيرة من الرواية إلى الشعر والرسم والمسرح وغيرها من المستويات الإبداعية الأخرى.
المساهمة الأميركية في هذا الفن كانت كبيرة بالطبع ولها أهميتها التاريخية الجديدة، وكذلك أوروبا بمختلف بلدانها وتنوع ثقافاتها، التي ولدت فيها السينما بالأصل، وفنون كثيرة منها الرواية، التي تتمركز بقوة اليوم في أميركا اللاتينية، التي أحدثت في هذا النوع الأدبي نقلة نوعية كبيرة،
غيّرت إلى غير رجعة في روح الفن الروائي، فأصبح العالم مختلفاً بعد روايات الروائي الكولومبي برييل غارسيا ماركيز، الذي بنى عالماً خاصاً واقعياً وسحرياً، فيه النساء تطير، والأرض تنبت ذهباً، والجنرالات يعلنون الحرب على القمر وإلخ... من غرائبية منحت الخيال مساحة واسعة.
وعلى هذه الخطى يأتي سينمائيو شبه القارة اللاتينية، فيخرجون من السائد، ويؤلفون لغة بصرية وتكوينات للرؤى «الفيلمية» ليست حديثة أو جديدة فحسب، بل لها أبعاد تكوينية مختلفة، وتمتلك خصوصيتها بدقة ومبرهنة على إيقاع شمولي مكتمل،
وتؤسس لسينما انقلابية يقودها الفونسو كودان وشقيقه كارلوس، واليخاندرو غونزاليس انريتو المكسيكي، الذي درس السينما متأخراً بعد أن عمل في محطة إذاعية موسيقية «أف أم» في بلده، ولمع منذ فيلمه الأول في العام 2001
تحت عنوان «آمورس بيروس»، حول الحياة المختلفة لطبقات اجتماعية في المكسيك في ثلاث قصص ترتبط ببعضها بخيط سحري تنتهي باصطدام سيارته لحظة هروب أحدهم، ويشهد عليه متشرد لا يهمه سوى الاهتمام بالكلاب الضالة، المشردة هي الأخرى.
وبعد هذا العمل المفاجئ بقيمته الفنية تفتحت أبواب هوليوود أمام المخرج الجديد، فقدم بعد سنتين عمله الثاني تحت عنوان «21 غرام»، بطولة نشون بن ونعومي واتس، عن حياة أكاديمي جامعي يصاب بمرض عضال وينتظر موته، وإلى جانبه زوجته المدمنة على الكحول والمتوقفة عنه، والتي لا تعرف أن تعود إليه أو لا.
فلسفة الفيلم رمزية، تتطلب جهداً من المشاهد إذ أنه في رأي غونزاليس من المفترض أن يشارك بالفيلم، أي أن المشاهدة ليست فعلاً استمتاعياً فقط، بقدر ما هي دور مطلوب لذاته وخصوصية هذه اللغة السينمائية الفريدة والجديدة، والتي لا تستدعي حضوراً ذهنياً بل إيقاظ حالة حسية تتكامل بين المؤدي والرائي، كل في دوره وموقعه. كتب السيناريو لهذا الشريط غويلرمو أرياغا.
واشترك غونزاليس في فيلم صور في العام 2003 من ضمن 11 مخرجاً بينهم المصري يوسف شاهين عن أحداث 11 سبتمبر، وهو عبارة عن مجموعة أفلام أقواها ما صوّره غونزاليس مع أنه من أعمال «الفيديو آرت»،
وقال غونزاليس عن هذا العمل: «هذا تمرين مهني يساعد على تخلصي من الألم الذي شعرت به في ذاك اليوم المشؤوم، وحين رأيت الرجل الذي قفز من أعلى البرج هرباً من النيران، أحسست أن العالم يتشتت والإنسانية تتفكك».
«بابل» الفيلم الرابع زمنياً لهذا المخرج الانقلابي في سينماه، الذي صوره في ثلاث قارات لأحداث ثلاثة غير مرتبطة ببعضها مباشرة، إلا عبر خيط رمزي يدل على ضياع الإنسان في الصحارى المغربية، حين تحول طلقة نارية المشهد إلى أحداث درامية، وإلى مربية الأطفال التي تريد أن تعبر الحدود المكسيكية ـ الأميركية إلى أرض الوفرة الاقتصادية،
لعوالم ثقافية دخيلة عليه، إلى الزوجين الأميركيين التائهين في الرمال في لحظة ينتصب فيها الموت والحب كجامعين لحيوات في قارات عدة، لإنسان تسيره حركة التاريخ وتسوقه إلى حتفه أو إلى الفرح، كون الأشياء في هذا الفضاء المشبع بالسحرية الواقعية، تسأل أكثر مما تجيب
وتترك المشاهد أمام حيرة من كل ما يفكر فيه ويحلم به، وبالنقيض أيضاً لما لم يحسب له أي حساب. فالمخرج غونزاليس يؤسس لسينما تتمرد على كلاسيكيات وأنماط سينمائية سائدة، بالطبع لا يلغي من سبقوه في أعمال كبيرة أمثال ستانلي كوبريك الذي يبقى علامة فارقة في تاريخ السينما بقوة، لكن غونزاليس في طريقه لأن يجد مكاناً إلى جانب كوبريك بالتأكيد.
دبي ـ حسين قطايا
