في مول الإمارات مثلاً، وحيث تتزاحم الأرجل قاصدة مزيداً من المتعة والترفيه، وباحثة عما هو أكثر من مشتقات التسوق، أو ربما فضول الاطلاع على كل جديد، تسرقك ممرات المركز التجاري الأحدث والأكبر والأكثر فخامة على مستوى المنطقة،

فتبقيك تائهاً في تقاطعاته المتشعبة والمشتركة بألوان وروائح واحدة اسمها الحداثة والرقي وتجسدها أدق وأصغر مكونات المركز، حتى تجد نفسك مسلوب الهدف لتروح ذهاباً وإياباً دونما إحساس، كيف لا ومشاهد ذلك المكان ترشدك إلى حلم منشود وكأنها تحملك لتجوب فيك العالم بأسره دونما تفارق موقعك الأنيق على شارع الشيخ زايد في دبي.

مفاجآت الصيف حملت معها هذا العام معاني كثيرة ومتشعبة لم تكن لتضح وتبرز لو لم تتألق في كل أسبوع عشرات الفعاليات التي ترسخ المعنى العام لدبي وللصيف وللمفاجآت، وفي مراكز عديدة كانت الفائدة واحدة، والمتعة والرفاهية سيان، ولا يفقد الزائر إحساسه الإيجابي أينما حطت قدماه، فدبي لا حدود لها صيفاً أو شتاءً، وفي حداثتها وتطورها أو في تراثها وقديمها تبقى شاسعة،

والمراكز الخلابة والمزركشة لأرض دبي ما هي إلا امتداد لصحرائها الذهبية برمالها الراسخة، ويبقى مول الإمارات الاسم الأصدق والعنوان الأدق الذي يجمع بين جنباته المتباعدة ما عجزت عنه أماكن ومعالم كثيرة من العالم، فهو يحمل كل من وما فيه ليسافر بهم خلسة إلى عالم الأحلام ويحط دونما أجر يدفعه أحد.

وبينما يطوف المسافرون في عالم دبي العصري بمول الإمارات، تروق لهم كل الألوان وتنجذب أعينهم إلى الأضواء الكثيرة المتلألئة، وتسترق آذانهم السمع لمختلف الأصوات، فلا يتركون لوقتهم فراغاً، ويستمرون على هذا المنوال سائرين إلى أن تصطدم حواسهم بعالم آخر فيتضح لهم بعد برهة من الوقت

والتفكير المتضارب أن تراث الإمارات المنتشر في مختلف أروقة المراكز التجارية اصطادهم دونما يشعرون أو يرفضون، ليجدوا أنفسهم أسرى فضول المعرفة والتمحص الذي لا يأبه بمرور الدقائق أو الساعات، لأن المشهد لا يحتمل غير تفسير المفاجأة بالنسبة للزائر وللمتسوق.

مفارقة كبيرة

مفاجئة حقاً كانت الفعاليات التراثية في مراكز دبي التجارية، وعلى الرغم من أن أسابيع صيف دبي العشرة تحمل اسم المفاجآت، إلا أن الأسبوع الأصدق والأكثر مناسبة وقبولاً لهذا المسمى كان التراثي، حيث أن مختلف أسابيع الصيف جذبت بعناصرها المنفردة وفعالياتها المبتكرة جماهير غفيرة من مشارب عدة،

ولكن المفاجآت التراثية كانت واقعاً مختلفاً مزج بين ما تحلق به دبي من معالم وإنجازات حديثة وعالمية، وبين ما عاشه الآباء والأجداد، فكانت مفارقة كبيرة وصلت وبدرجة عالية إلى حد المفاجأة، وإن كان زمن هذا التطور لا يبتعد كثيراً عن واقع الدولة التراثي.

التراث المفاجئ ـ إن صحت تسميته ـ لفت انتباه آلاف المتسوقين في كل مركز تقام فيه الفعاليات، وحظي باهتمام واحترام العديد من المتفحصين له على اختلاف جنسياتهم، فكان العلامة الراسخة للمفاجآت، وحاز على العلامة الكاملة من المتسوقين والعائلات،

ففي عدد من المراكز التجارية جسد المنظمون في دائرة جمارك دبي إمارات الدولة السبع المتقاربة بروائحها التراثية، وألوان قراها القديمة، وعبق أدواتها العتيقة، لتنشر عن طيب نفس روائح الماضي بين أحضان الأماكن الأحدث في عالمنا المتطور.

كوفي شوب الماضي

مول الإمارات واحد من هذه الأركان، حيث وفرت اللجنة المنظمة فيه عدداً من الفعاليات، ما ظهر منها غطاه جمهور متعاظم من الزوار والمتفرجين، حيث حازت الإيحاءات التراثية لإمارة دبي على إقبال كبير من المتعطشين للماضي القاطنين في خضم الحداثة والتطور، وخيمة الضيافة المتواضعة أو بالأحرى «كوفي شوب» الماضي لم يبخل على أحد بأطعمته ومشروباته المجانية،

إضافة إلى خيمة التصوير الفوتوغرافي ومعرض صور المباني والقلاع والآثار التراثية، والعروض الفلكلورية من منطقة حتا، علاوة على العروض الفنية للفرق التراثية والشعبية، والمسابقات التي تحكي تراث أبناء البلد للصغار والكبار على حد سواء.

وعلى هذا المنوال حظيت إمارات الدولة السبع دون استثناء على نصيب متساو من العرض والطلب لكل ما هو قديم، وذلك بفعل تنظيم مدروس وهادف لفعاليات المفاجآت التراثية، أتقنه موظفو دائرة جمارك دبي، والذين أكدوا كما أكد المشهد الواقعي للفعاليات في المراكز التجارية،

أنه تم هذا العام ومن دون تصنع نقل الصورة الحقيقية لمختلف مناطق الدولة التراثية، إذ أن الكثير من المظاهر القديمة التي انتعشت باستضافتها المراكز التجارية لا تزال تمارس في قرى مختلفة من إمارات الدولة، وهو ما يدل على مدى تعلق الإماراتي بكل ما يمت للأرض بصلة.

ولأنها لغة البقاء، وإشارات التعبير عن الجذور والأصول تبقى المفاجآت التراثية المبادرة الأهم والأجدر بالعناية والتنظيم، بحسب ما يرى عبد الرحمن عيسى رئيس اللجنة المنظمة لفعاليات المفاجآت التراثية من دائرة جمارك دبي، والذي يؤكد عدم إغفال جانب استحضار مختلف مناطق الدولة،

من حيث القرى التراثية والحرف اليدوية والفرق الشعبية التي لا تزال تستنشق هواء التراث وتتغناه، لتبقى النتيجة الإجمالية قريبة من الأهداف المعلنة بالتعريف عن حضارة وماضي أبناء الإمارات أمام جمهور تختلف أعراقه وألوانه ومشاربه.

تلك الصورة أحالت المراكز التجارية الحديثة إلى ما هو أشبه بالمتحف المتكامل كما يوضح عبد الرحمن عيسى، إذ أن الأدوات القديمة والمجسمات التي تحاكي الماضي وتروي قصص عيش الآباء والأجداد من خلال الخيم والمقاهي وورش العمل الفنية والأسواق التجارية، وتمثل بمجملها مؤشرات تراثية يتغنى بها مساء المراكز التجارية.

التراث دائماً يبعث الحنين إلى الماضي بغض النظر عن جنسية الجمهور المستهدف، وهذا الأمر دليل إيجابي يعزز ثقة المواطن ببلده ويسرع من عملية التطور بثبات كما يفسر رئيس اللجنة المنظمة، مؤكداً اعتزاز دائرة جمارك دبي بتنظيم أسبوع التراث في كل عام ضمن مفاجآت الصيف،

حيث أنه يحمل في طياته معلومات كثيرة ومعاني كبيرة لا بد من الوقوف عندها بجدية، حتى تكون الرسالة أبلغ وأنجح، ومشيراً إلى أن تكلفة تنظيم هذه الفعاليات بلغت نحو مليون درهم، وذلك رغم أن أعداداً كبيرة من الفرق التراثية أصرت على المشاركة المجانية من باب إعلاء صوت ماضي الإمارات والتحليق به أمام العالم بأسره.

الماضي والجيل الجديد

أحمد بن زعل مشرف عام لفعاليات المهرجان في المراكز التجارية، وموظف في دائرة جمارك دبي قال إن الهدف من المشاركة هذه هو إحياء التراث الأولي لدولة الإمارات وإبقائه قوياً في نفوس الكبار والصغار، لا سيما وأن الجيل الجديد من أبناء الإمارات فاق على واقع المراكز الحديثة والأبراج الشاهقة،

والتي تلغي من مخيلته فكرة تذكر الماضي بألوانه التي لا تبهت، ولم يكن أمام هذا الجيل متسع من الوقت ليعيدوا تصور واقع أجدادهم وآبائهم أو معرفته بالصورة الحقيقية، لذلك كان ضرورياً إبراز الجوانب المختلفة التي عاشها ابن الإمارات في الماضي، وهي حياة البادية والحياة الجبلية والحياة البحرية.

وأضاف أن دائرة جمارك دبي تفخر وتعتز بمشوارها المتجدد مع مفاجآت التراث، بعد أن تبنتها للعام السابع على التوالي، وهذه الفعاليات لا تخص دبي وحدها، بل إن تراث الإمارات كاملاً أضحى مجسداً في «مولات» دبي وهذا أمر إيجابي لا حدود له،

لا سيما وأن العالم الخارجي الذي يعيش في دبي يتوق كثيراً لمعرفة قدم هذا البلد بروائحه الماضية الجذابة، وهذا الدور لا بد وأن يلعبه المواطن ليكون هو الوسيلة الأدق في نقل الواقع التراثي إلى إخوانه الصغار أو السائحين والزوار على اختلاف جنسياتهم.

وقال ابن زعل إن التراث الإماراتي لا يتحدد فقط في «الكندورة» و«الغترة والعقال»، بل إنه أشمل وأعم وأهم من ذلك، فهو يلخص مشوار أمة وحياتها وثقافتها، لكونه حقائق ملموسة وواقعاً معاشاً لا يزال يلفظ أنفاسه في أماكن كثيرة من إمارات الدولة، وما هذه الرموز التقليدية المنتشرة على طول المراكز التجارية إلا دلائل مبصرة لحياة آنفة وواقع مستمر لهذه الأمة،

حيث الأسواق التجارية والمحال التجارية والمقاهي والفرق الشعبية والحرف اليدوية المليئة بالمتعة والتشويق، واحد منها «قهوة سكة الخيل» في مول الإمارات، لا سيما وأنها تقف اليوم بثقة وثبات أمام آلاف الزوار وتواجه نظيراتها من المسميات العصرية المتطورة مثل «كوفي شوب» أو أغاني «الراب والروك» أو محلات آخر طراز.

النهضة والتراث

فهد محمد البلوشي مسؤول الفعاليات المنظمة في مول الإمارات، ويعمل في مؤسسة بنت الإمارات لتنظيم الحفلات والمهرجانات التراثية، انتدبته دائرة جمارك دبي ليحيي ليالي مول الإمارات مع أركان مجموعته التراثية، فيقدمون الصورة الأصدق عن حياة أهل الإمارات وتراثهم الذي يكاد يختنق أمام التقدم المتسارع في مختلف نواحي الحياة،

وهو يقول إن الفعاليات تمكنت وإلى حد بعيد من ترسيخ مفهوم التراث الإماراتي الأصيل ومصطلحاته القديمة في نفوس الكثيرين من أبناء البلد والسياح والزائرين غير المتوقفين أمام عالم الماضي المشع بقتامة لونه والواثق برزانة مكوناته أمام أحدث وأروع التصاميم الحديثة.

هذا الشاب المواطن واظب خلال فعاليات المهرجان التراثي على تجسيد روح الماضي عبر ما يقدمه من شواهد مادية، فحرص ومن معه على إبقاء الحيوية مشتعلة بين الأركان التراثية التي يؤمها في اليوم الواحد عشرات الآلاف من الزوار ومن مختلف الجنسيات،

وهو يقول إن عصر الحداثة الذي نعيش لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ينسي الإماراتي ماضيه، فكل ما هو إماراتي قديم كان ولا يزال أساس متين لهذا التطور الذي وصلت إليه الإمارات، والنهضة التي تشهدها الدولة ارتكزت بالأساس على روح القدم وطموح أبنائه، فالماضي لم يكن مجرد حياة هامشية، وإلا لما وصلت الإمارات إلى ما هي عليه الآن، وكما يقول المثل «إللي ما له أول ما له تالي».

حياة الصبا

حمدان الشامسي الذي يعمل موظفاً حكومياً جاء وعائلته إلى مول الإمارات ليعيد إلى أذهانه بعضاً من حياة الصبا، ويمتع أبناءه الصغار بروح الماضي دون أن يخفي نشوة اعتزازه بأن تراث الآباء والأجداد لا يزال محفوظاً ومشتعلاً حيوية بفعل جهود أناس مخلصين، فالتطور لم يأت من فراغ وأساسه المتين كان ولا يزال العادات والتقاليد التي يعتز بها أبناء هذا البلد، إذ أن تراث كل بلد يوضح ثقافة أبنائه وطريقة تفكيرهم، ويجسد الخصال التي يتحلون بها.

واختتم قائلاً: بغض النظر عن كون المبنى الذي يحتضن هذه الشواهد التراثية حديثاً ومتطوراً، فإن التراث يبقى أغلى ما يملك المواطن لأنه هو الباقي مهما تقدمت السنون، وطالما وجدت أيادي أمينة كما هو الحال مع دائرة جمارك دبي والشباب المتطوعين معهم، سيظل تراث هذه الأمة فوق كل الاعتبارات وفي المكانة التي يستحقها وهي حجرات القلب.

دبي ـ عنان كتانة