إن أرضية مفهوم الشرق أوسطية قد أخذت في الاتساع تدريجيا منذ انعقاد مؤتمر مدريد للسلام، وتحديدا بتطور وتتابع اجتماعات لجانه الخمس ضمن الإطار المتعدد الأطراف من جانب، وبتوقيع الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي في سبتمبر 1993 من جانب آخر، ثم توقيع الاتفاق الأردني الإسرائيلي في يوليو 1994 في واشنطن،
إضافة إلى انتظام انعقاد مؤتمرات التعاون الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الدار البيضاء ثم عمان، فالقاهرة، والدوحة، ويبدو أن رياح «الشرق أوسطية» عادت للهبوب بنشاط في المنطقة أثناء الصيف الساخن في لبنان، إذ يقوم مفهوم الشرق أوسطية على طرح رؤية إقليمية جديدة تستند على أسس جغرافية وسياسية تتعدى الحدود القومية والحضارات،
ويتناول المفهوم أبعاداً متعددة ومعقدة يسهم بشكل عام في إحاطة المفهوم بإطار من الضبابية وعدم الوضوح، وعلى أية حال، وبدون التطرق إلى التفاصيل، فإن أي مفهوم سياسي جديد لا بد وان يجر معه القاطرة الاقتصادية، وإن فكرة السوق الشرق أوسطية، سبقت ظهور إسرائيل،
فهي كفكرة تعود إلى ما قبل ولادة إسرائيل، والأدبيات الإسرائيلية حفلت بالإشارات إلى فكرة المجال للكيان المأمول والتزاوج بين الخبرة الإسرائيلية والثروات العربية، وهي إرهاصات تعود إلى رؤية «هرتزل» الذي أشار حينها إلى فكرة إنشاء كومونولث شرق أوسطي سبق الأوروبيين الذين تحدثوا عن إقامة الفضاء الاقتصادي المتوسطي،
تلا بعض أفكار صدرت عن جابوتنسكي وبن غوريون الذي اقترح المشاركة على مبدأ المقايضة، وتتحدد أهم ملامح رؤى الأطراف المعنية للسوق الشرق أوسطية في كونها تمثل احد جوانب إرساء دعائم شرق أوسطي جديد كمدخل إلى السلام، وتحقيق الرفاهية الاقتصادية في المنطقة بين العرب وإسرائيل،
وان دعاماتها اثنتان: أولهما اقتصادية تستند إلى فكرة الليبرالية والتي ينبغي أن تستند إليها برامج الإصلاح الاقتصادي في الدول العربية، والثانية سياسية وتستند إلى الربط بين السلام السياسي والإصلاح الاقتصادي والتعاون الإقليمي، ولذلك فالسوق تعد مرحلة على طريق التكامل الإقليمي،
يتم فيها إرساء الأساس الاقتصادي للنظام الشرق أوسطي باعتباره الأكثر أهمية بالنسبة لإسرائيل، وجاء التصور الأميركي للسوق في الخطاب الذي ألقاه الرئيس بوش، يوم 9 مايو العام الماضي، والذي تحدث فيه عن إقامة «منطقة تجارة حرة»، بين الولايات المتحدة والدول الشرق أوسطية.
أما التصور الإسرائيلي، الذي اعتمد في جانب كبير من وجوده على كتابات شيمون بيريز، فإن إطاره الرسمي الذي قدمه إلى قمة الدار البيضاء للتعاون الاقتصادي قد حدد المفهوم الإسرائيلي للسوق الشرق أوسطية بأنها تجمع إقليمي لدول الشرق الأوسط، يضم سوقا مشتركة ذات هيئات مركزية منتخبة على نمط السوق الأوروبية المشتركة..
في هذا السياق جاء تعريف بيريز للسوق باعتبارها نوعا من الترتيبات الإقليمية الجماعية التي تقدم حلاً لمشكلات الإقليم التي لا يمكن أن تحل بشكل فردي، ولا حتى بشكل ثنائي أو جماعي.. كما يذهب في تسويقه لهذا المفهوم إلى اعتبار أن السوق تمثل مفتاح السلام والأمن للمنطقة،
وما يؤدي إليه السلام من تطوير للديمقراطية. وفي مناسبة أخرى يكشف بيريز عن دعامات الرؤية الإسرائيلية ليس للسوق الشرق أوسطية فقط بل للشرق الأوسط الجديد ككل حيث تتمثل السوق في صورة معادلة تتكون من النفط السعودي، والأيدي العاملة المصرية، والمياه التركية، والعقول الإسرائيلية.
على الجانب الأخر، فإن معارضي السوق يهتمون بإبراز أهم المخاطر الاقتصادية والسلبيات المرتبطة بقيامها، والتي يمكن تداولها في مجموعات ثلاث، الأولى تتعلق بمخاطر الهيمنة الاقتصادية الإسرائيلية، والثانية تختص بالمخاطر لصور التكامل والتعاون الاقتصادي الإقليمي، وأخيرا قصور مؤشرات وإمكانات التكامل الاقتصادي.
ومهما اختلفت التسميات والمسميات للسوق الشرق أوسطية جراء هبوب رياح الصيف الساخن لإعادة روح التغيير في المنطقة العربية، فإن السوق الشرق أوسطية وعلى حد تعبير الدكتور السيد عليوه، إنما تعني عمل جراحة جغرافية في المنطقة، تُحدثُ تغييراً طبيعيا، واجتماعياً، واقتصاديا كاملا حتى في التوازن الاستراتيجي،...
بهدف إحداث تغييرات في البيئة الإقليمية والطبيعية لا يمكن الرجوع عنها مطلقا، وأن الجوهر النهائي في هذه السوق إنما يتمثل في تعزيز الوجود الإسرائيلي، وتواصل نموه، ونقل عبء ذلك إلى المنطقة العربية، وبالتالي دمجه فيها ليستفيد منه نفطيا، وتجاريا، وماليا.
قتيبة عبدالرحمن -- كاتب ومحلل اقتصادي -- Kutaiba @ emirates.net.ae