تحدثنا وتحدث علينا في مرات عديدة حول أهمية تطوير البحث العلمي وتوسيع رقعته واشكاله، وعن إيحاد برامج متينة لربطه بتوجهات وجهود التنمية في دول مجلس التعاون الخليجي. وهذا يستدعي أول ما يستدعي وضع إطار وطني وإقليمي يسمح للقطاعين العام والخاص ببناء منظومة للعمل والتكنولوجيا تجابه التحديات وتستفيد من الفرص في ظل المتغيرات العالمية الحالية والظروف التي تحيط بدول مجلس التعاون.

إن وضع برنامج توعية شامل طويل المدى لتوضيح دور العلم والتكنولوجيا في اقتصاد اليوم سوف يحقق توليد القناعة الواضحة لدى أفراد المجتمع بالبعد الجديد للعلم والتكنولوجيا في تشكيل مستقبل الأمة ورفاهية أبنائها وأمانيهم، بحيث ترصد ميزانية محددة لهذا البرنامج ويشارك القطاع الخاص في تحقيقه.

كما ان وضع سياسة واستراتيجية قطاعية للعلم والتكنولوجيا مع التأكيد على آليات وضعها موضع التنفيذ في الإجراءات التشريعية والمالية والمؤسسية والتنظيمية سوف يسمح للقطاع الخاص بالمشاركة الفاعلة فيها.

وتنطوي الجهود الهادفة لتحقيق التطوير العلمي على إقامة آليات لتفعيل العلاقة بين عناصر منظومة العلم والتكنولوجيا في القطاعين الخاص والعام، ويتم اعتمادها عن طريق وضع برامج ترفع للسلطات العليا لإقرارها مثل إقامة الهيكليات الإدارية وإصدار التشريعات التي توفر بيئة مناسبة لتحسين التفاعل بين المؤسسات وإنشاء المؤسسات المالية والبشرية وغيرها.

كما تنطوي أيضاً على التعاون بين المؤسسات العلمية والصناعية المهمة والخاصة في تنظيم اجتماعات دورية عالية المستوى يحضرها أصحاب القرار، واجتماعات قطاعية للبحث في آفاق وسبل تفعيل العلاقة بين عناصر المنظومة العلمية والتكنولوجية في دول مجلس التعاون الخليجي.

وانتظام اللقاءات بين منظومات البحث العلمي في دول مجلس التعاون الخليجي سوف يعمل على مد جسور التعاون العلمي بين المؤسسات العلمية والبحثية في هذه الدول، وبينها وبين بقية قطاعات الإنتاج لغرض إثراء الفكر البحثي فيما بينها للوصول إلى صياغة مثالية لمنظومة علمية وتقنية والسعي إلى تفعيلها لتحقيق الأهداف المرجوة منها.

ويرى بعض الخبراء أن عطاء مراكز البحث العلمي في منطقة الخليج ما زال محدوداً، وذلك لكون اغلب المشاريع لدينا هي مشاريع محلية ولكنها تنفذ عن طريق شركات عالمية بعد عمل التصاميم ونقل التقنية من هناك، واغلب المصانع التي أنشئت في الخليج هي من هذا النوع.

وذلك يرجع إلى الفترة الزمنية التي أنشئت فيها هذه المصانع من حيث الحاجة السريعة للإنشاء. كما أن مدى طلب الصناعة من المراكز البحثية والجامعية منها بالذات لحل مشكلاتها، وطلب هذه المراكز من الصناعة دعمها لا يزال ضعيفاً في مجمله رغم انه تحسن مع الوقت.

وهناك الكثير من مجالات التعاون في الكثير من المشاريع في دول مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة للجهود القائمة لوضع خطة عمل تنسيق وتعاون بين المراكز البحثية بين دول المجلس وانجاز العديد من الأنشطة فيما بين دول المجلس. ولكن تشعب الصناعات واحتياجات الدول أدى إلى تباين احتياجات الدول نفسها من مراكز البحوث.

ويطمح الباحثون في دول المجلس إلى الوصول إلى درجة التكامل في المجالات البحثية، فخبرة مركز البحرين للدراسات والبحوث في البحرين مثلاً لابد من أن تنتقل إلى المركز العلمي الآخر في الدولة الخليجية الشقيقة، كما إننا كشعوب خليجية نواجه مشكلات حقيقية مثل تلوث مياه الخليج والنقص في المخزون السمكي والثروة المائية

وهذه هي قضايا مشتركة نستطيع التعاون على أدائها كدراسات وهي فعلاً موجودة مثل قضايا البحوث والدراسات على مستوى الثروة السمكية وعلوم البحار ولكن الكثير من القضايا لم تصل إلى هذه المرحلة، وبالتالي فانه من المهم أن نستفيد من الخبرات لبعضنا البعض خصوصاً في ظل تيسر وسائل الاتصالات.

كذلك وعلى الرغم من تيسر وسائل الاتصالات إلا أن انتقال المعلومات بين دول المجلس مازال دون المستوى المطلوب والحل ينحصر في التنسيق والمزيد من التنسيق. أما بخصوص دور القطاع الخاص، فإن علاقة هذا القطاع بالبحث العلمي تعتمد على سرعة تطور وسائل الصناعة والإنتاج،

وبالتالي فانه لا يرتبط بالمراكز البحثية المعروفة بأنها بطيئة بعض الشيء في الانجاز، وبالتالي فانه من الصعب على صاحب المصنع الذي توقف سير الإنتاج في مصنعه اللجوء لمركز البحث لإجراء الدراسة، فالزبائن لن ينتظروا إجراء هذه الدراسة!! ومن المنطقي جداً أن يتصل بالشركة صاحبة هذه الأجهزة ليحصل على الإجابة بسرعة جداً بعيداً عن هذه المراكز!! ولكن تبرز أهمية هذه المراكز البحثية في القيام بدراسات الجدوى للمشاريع.

ويطبق بعض دول المجلس تجربة جيدة في مجال إلزامية دعم الشركات فيها للبحث العلمي بنسبة معينة من أرباحها السنوية حيث توزع على الجامعات والمراكز البحثية، في حين أنه في الدول الأخرى تتذبذب هذه المساعدات ونوعها مما يؤثر في إنتاجية البحث العلمي. لذلك لا بد من التأكيد على إلزامية الدعم في هيئة قانون أفضل من ترك الأمر للتبرعات خصوصاً للمراكز التي لا تلقى الدعم الحكومي.

ويلاحظ مراقبون هنا أن قيمة ما تدفعه دول الخليج على البحث العلمي الذي يقل عن 1% من الدخل القومي وهو الحد الأدنى المطلوب عالمياً يعني ان هذا البحث لا يلقى الأولوية!! رغم أن دول الخليج مقبلة على العديد من التحديات التي تحتاج لجهود البحث العلمي ودعمه الذي ينعكس بشكل مباشر على النتائج المرجوة منه.

ويمكننا أن نلاحظ بشكل خاص أن المراكز البحثية الخليجية التي تنظر في القضايا التطبيقية كالبحث عن حلول لمشكلات معينة في قطاعات الصناعة والبيئة والتعليم والاقتصادية والاجتماعية لا تزال في بداياتها، كما أن الجامعات لا تزال تقوم بالأبحاث الأساسية في الجانب المحلي التطبيقي والجانب العالمي.

لذلك فإننا بحاجة للكثير من الجهود من أجل ان يبرز اسم دول المنطقة كمنطقة خليجية على الخارطة البحثية والعلمية العالمية، خصوصاً واننا نملك القدرات من خبراء وباحثين ومختصين وما نحتاجه هو ان نتحاور ونتفق على اين نتجه لانجاز عمل ما.

ونشدد في الختام على أهمية دور القطاع الخاص في تقديم الدعم والمساندة للبحث العلمي في المنطقة فهو اليوم لا يزال ينظر إليه بنظرة متقاعسة كونه يركز كما قلنا على الربح السريع في حين أن هذا القطاع في الدول المتقدمة ينشيء مراكز للأبحاث مسؤوليتها البحث العلمي لتدعم الصناعة،

وربما يرجع كذلك إلى أن القطاع الخاص نفسه يعتبر صغيراً في منظومة الدولة، خصوصاً وان أجهزة الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء والصحة وغيرها تتكلف به الحكومات أنفسها، ولكننا نطمح ان يكون له دور اكبر خصوصاً مع التوسع في تنفيذ برامج التخصيص.

-- حسن العالي -- كاتب ومحلل اقتصادي