تعد القضية الانجليزية الشهيرة «Aaron Salomon and Company Limited» أول سابقة قضائية في تبني وتأسيس مفهوم شركة الرجل الواحد. ووقائع هذه القضية تدور حول التاجر (Salomon) الذي كان يعمل في تجارة الأدباغ لفترة طويلة وأراد أن يكوّن شركة محدودة المسؤولية مؤلفة منه وزوجته وخمسة من أولاده وأن يقوم هو بأعباء الإدارة وحده.

قام التاجر (Salomon) برهن جميع أموال الشركة بهدف الحصول على قرض مما أثقل على الشركة وأدخلها في صعوبات مالية اضطر على أثرها الدائن المرتهن إلى تعيين حارس قضائي مما أدى إلى دخول الشركة في حالة تصفية. وخلال التصفية كانت موجودات الشركة كافية لسداد الدين المضمون برهن إلا أنها غير كافية لسداد الديون العادية.

قررت محكمة الاستئناف أن التاجر مسؤول عن الخسائر التي لحقت بالشركة لكون الشركة كانت مجرد خدعة للتهرب من المسؤولية الشخصية إلا أن مجلس اللوردات نقض هذا القرار ووجدأن الشركة قائمة فعلا رغم أن هذا التاجر هو الذي يملك نصيب الأسد في هذه الشركة، وهو مجرد وكيل عن باقي الشركاء،

وفي هذا اعتراف من القضاء الإنجليزي بوجود شركة الشخص الواحد على الرغم من عدم وجود نص قانوني يقضي بوجودها. بالرغم من ذلك إلا أن القانون الانجليزي لم يقنن شركة الرجل الواحد إلا حديثاً وتحديداً عام 1992.

ولعل الخوف من شبح المسؤولية الشخصية للتاجر عن كل ديونه والتزاماته هي التي دفعت باتجاه التفكير نحو تحديد مسؤوليته منذ زمن بعيد على المستوى الفقهي والقضائي والتشريعي. وقد كانت بداية المحاولات نحو تحديد مسؤولية التاجر بإنشاء الشركة ذات المسؤولية المحدودة والتي منها وجدت شركة الشخص الواحد وذلك منعاً لانتشار الشركات الوهمية أو الصورية.

ويُرجع الفقه فكرة إنشاء شركة الشخص الواحد إلى تشريع أمارة ليشتنشتين حين سمح القانون المدني في 5/11/1925 تأسيس المشروع الفردي للتاجر مع تحديد مسؤوليته عن ديون والتزامات هذا المشروع.

وأخذ قانون الشركات الألماني الصادر عام 1980 بالشركة ذات المسؤولية المحدودة المكونة من شريك واحد، علما بأن القضاء الألماني كان قد اعترف بهذا النوع من الشركات منذ عام 1884 عندما أكدت محكمة الإمبراطورية القيصرية أن اجتماع كل حصص الاتحاد النقابي للمناجم محدودة المسؤولية في يد شخص واحد لا يؤدي إلى حل هذا الاتحاد،

وفي هذا اعتراف من القضاء الألماني بالتكوين غير المباشر للشركة ذات الشخص الواحد. وتبنى قانون الشركات الفرنسي الصادر عام 1985 الشركة ذات المسؤولية المحدودة المكونة من شريك واحد سواء أكان الشخص طبيعيا أم معنويا ليتلاءم مع متطلبات الحياة الاقتصادية الحديثة، (5)

كما أخذ قانون الشركات البلجيكي الصادر عام 1987 بهذه الشركة في إطار الشركة ذات المسؤولية المحدودة مع عدم إمكانية الشخص الطبيعي تكوين أكثر من شركة شخص واحد. والمشرع الاتحادي متمثلا في قانون اتحادي رقم (8) لسنة 1984

بشأن الشركات التجارية في مادته الرابعة لم يتبن فكرة الشركة التي تتكون من شخص واحد حيث تنص المادة سالفة الذكر على أن الشركة عقد يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر بأن يسهم كل منهم في مشروع اقتصادي يستهدف الربح وذلك بتقديم حصة من مال أو عمل واقتسام ما ينشأ عن المشروع من ربح أو خسارة،

أي أن الشركة لا تقوم على أكتاف رجل واحد بل تعدد الشركاء يعد ركنا أساسيا فيها. بالرغم من ذلك نجد أن هناك نوعا من القبول النسبي في تأسيس شركات مكونة من رجل واحد، حيث نجد أن المشرع الاتحادي في التشريع الاتحادي سالف الذكر في المادة 70 أعطى الحكومة الاتحادية أو إحدى حكومات الإمارات في الاتحاد الحق في تأسيس شركات مساهمة عامة بمفردها.

كما أن المشرع المحلي لإمارة دبي أصدر القانون رقم 6 لسنة 1992 بشأن مؤسسات ذات شخصية اعتبارية في المنطقة الحرة في جبل علي والذي أجاز تأسيس شركات ذات مسؤولية محدودة تعود ملكيتها لشخص طبيعي أو اعتباري.

ولو تطرقنا إلى الواقع العملي لوجدنا أن هناك العديد من الشركات التي في ظاهرها عبارة عن شركات ذات مسؤولية محدودة بينما في الواقع ما هي إلا عبارة عن شركة من مكونة من شخص واحد. هناك اتجاه فقهي يتبنى فكرة الشركة المكونة من رجل واحد، قد يكون لهذا الرأي وجاهته وأسانيده المتمثلة في تحقيق الفائدة الاقتصادية لجميع الأطراف ،

سواء الشريك الفرد أو المتعامل معه بالإضافة إلى الدولة حيث إن ذلك يساعد على تدوير رأس المال بدلاً من ركوده خوفا من الخسارة فيما لو استثمر هذا المستثمر وكانت مسؤوليته تشمل ذمته المالية كلها، والمتعامل مع هذا المستثمر سيدرك محدودية مسؤولية هذه الشركة لذا فهو سيتعامل معها على ضوء هذا الواقع المتمثل في الشكل القانوني في شركة الرجل الواحد.

وتحقق شركة الشخص الواحد مزايا للتاجر، حيث أرجع الفقه المبررات في تبني تلك النوعية من الشركات إلى عدة مبررات منها ما هو متعلق باستمرار العمل التجاري الذي من اجله وجدت الشركة والتي بالنتيجة تساعد على تشجيع الاستثمار، ومنها ما يتعلق بتفعيل إدارة الشركة، ومنها ما يعود لمسؤولية الشريك المحدودة، ومنها ما يعود إلى الحد من تأسيس شركات وهمية.

نجد أن تشجيع الاستثمار وتفعيل إدارة الشركة قد يصلحان كسببين لتبني هذا النوع من الشركات. إلا أنه لا بد من إعادة النظر في الحد الأدنى لرأسمال تلك النوعية من الشركات، سواء أكانت في إطار شركة ذات مسؤولية محدودة أو شركة مساهمة خاصة لكي تنعكس ثمار الاستثمار على الاقتصاد الوطني.

بالرغم من تلك المبررات لإنشاء شركة الشخص الواحد إلا أن هذه الشركة تواجه صعوبات قانونية سواء تلك التي تتعلق بالمفهوم العقدي للشركة أو الأركان الموضوعية والشكلية الواجب توافرها لانعقادها أو ما تعلق بإدارة هذه الشركة والرقابة على رأسمالها وحماية حقوق دائنيها. فما مدى الحاجة لتأسيس شركة من شخص واحد في ظل النظام القانوني لدولة الإمارات العربية المتحدة؟

تلك كانت مقدمة مهمة للموضوع الذي أمامنا وهو المدخل الأساسي في حديثنا عن تلك النوعية من الشركات الواقعية والموجودة في حقيقة الواقع التجاري ولكن تمارس مهامها بشكل صوري أو وهمي لأن المشرع لم يقم بتنظيمها التنظيم القانوني لاعتبارات مختلفة. في الجزء الثاني سنستعرض لتلك الصعوبات القانونية التي تواجه شركة الرجل الواحد ومدى إمكانية تلافيها.

نقطة وأول السطر ...

إلى أي مدى يمكنك التحكم في أفكارك ؟ إن الإجابة عن هذا السؤال سيحدد وبدقة إلى أي مدى يمكنك التحكم في مشاعرك فإن كل شعور هو في الحقيقة نابع من فكرة قمت بالغوص فيها والتفاعل معها ، وتضخيمها وإضفاء اللون والحركة والصوت على تلك الصور التي تعبر عن تلك الفكرة التي بخيالك.

فلا يمكن أن يتولد شعور من غير فكرة مرت بك وبالتالي فان التحكم القوي بالأفكار هو السبيل الأمثل للحصول على شعور سوي منضبط. والعكس أيضاً صحيح، فان المشاعر التي تنتابك وتحس بها من شأنها أن تجعلك تستنبط منه مجموعة أفكار تكون في نهاية الأمر باعثة على إحداث قرار حيالها .

-- د. جمال السميطي -- باحث قانوني وأكاديمي -- dr.jamal@dc.gov.ae