في ستينات القرن الماضي كان زعيم إحدى قبائل الهنود الحمر يقود سيارته الجديدة «الكاديلاك» السوداء - والتي ابتاعها من عائد النفط الذي تم اكتشافه في الأراضي المملوكة له في ولاية تكساس- بهدوء بالغ، فهو لم يرتكب مخالفة سرعة إطلاقاً بل ولم يسبق لسيارته أن عادت للخلف وفوق ذلك لا تحتاج لبنزين أصلاً.. فقد كانت تجرّها الخيول !!

لم يكن صاحبنا يعي قيمة ما لديه ولا بأن في قدرة السيارة أن تنقله بسرعة الريح حيثما شاء ومتى أراد لو لم يُقيّد إمكانياتها الكبيرة فكره الريفي البسيط، تماماً كالمسؤول الذي لا يعرف قيمة موظفيه ولا يعترف بكفاءاتهم فيحصرهم في صندوقه الضيق وعقليته المحدودة،

ولا أظن أحداً في مؤسساتنا العامة تحديداً إلا وعانى بصورة أو بأخرى من بيروقراطية بعض الإدارات العليا وليعذرني من يقول إن البيروقراطية قد ولّت، فهي موجودة وربما بصورة أقوى مما كانت في السابق!

إنّ دور المسؤول هو البحث عن الكفاءات وإعادة توزيعها ثم ترك مساحات كافية لها لكي تبدع دون خنقها في إطار ضيق من القرارات والتعاميم و«الوصايا» والمتابعة الدائمة التي تكاد تعد على الموظف أنفاسه، فالدور الفعلي للمسؤول أن يخلق أكبر قدرٍ ممكن من الكوادر والمسؤولين الجدد وليس أكبر قدرٍ من الأتباع كما يقول ذلك «رالف نادر»،

وعندما نقرأ أنّ الإنسان يستخدم 10% فقط من طاقاته الذهنية يتبيّن لنا خطورة سلوكيات المسؤول الذي قد لا يستغل حتى هذه ال10% من طاقات موظفيه والذين يناهزون الآلاف في بعض الأحيان فتخسر المؤسسة الكثير من الإنتاجية والفعالية وتغرق في بحر من الروتين والتعاميم التي يتفنن البعض في إصدارها لأتفه سبب ولأدنى مناسبة ولاجتماعات لجانٍ يكثر فيها الهذر وتنعدم النتيجة الإيجابية .

إنّ حب السلطة والتحكم مازالت تعشعش في أذهان البعض من المسؤولين وما فتئ العديد منهم يعشق الانغماس في التفاصيل الدقيقة والتدخل في أبسط الإجراءات وتعقيد الأمور بدعوى التأكد من جودة الخدمات وسلامة الإجراءات ثم يتذمر بعد ذلك عندما لا تأتِ النتائج كما يشتهي !

ليس من المنطق أن يتدخل مسؤول منظمةٍ ما في اختيارات مديري الإدارات لموظفيهم أو توزيعهم أو الصلاحيات التي تفوّض لكل منهم ثم يأتِ بعد ذلك لينتقد انحراف المخرجات عن المطلوب، بل المفترض أن يحاسبهم - فقط - على النتائج المتوقعة منهم في نهاية السنة المالية أمّا كيف يعملون ذلك وبمن يستعينون فتلك أبسط حقوقهم لإنجاز المنوط بهم،

فلا فائدة من أن تأتِ بأفضل المواهب ثم تخبرها كيف تعمل بدلاً من أن تدعها تعمل بطريقتها الخاصة والتي جعلتك تحضرها أصلاً، فدور المسؤول الرئيسي هو وضع الخطط العامة وتدعيم البيئة المحفزة للعمل وليس التدخل في أعمال صغار الموظفين، فإن لم يستطع الفكاك من ذلك السلوك فلا يدل إلا على عدم قدرته على الوفاء بمتطلبات الإدارة وبأنها أكبر بكثير من حجمه الفعلي!

ولا يخفى على المُطّلع أنّ خلق القادة الجدد لا يتم إلاّ بإتاحة الفرص للكفاءات الشابة وتحميلهم للمسؤوليات الكبيرة وتبيان الثقة فيهم أمام الجميع وليس بتهميش الأفراد من أجل البقاء لأطول فترة ممكنة على الكرسي وحتى يرى الجميع أن المؤسسة تدور في فلك ذلك المسؤول وبأنّ الخطأ الذي لا يمكن أن يغتفر هو إزاحته من ذلك المنصب !

إنّ منح الفرصة للدماء الجديدة هو ما دعا رئيس شركة النفط البريطانية العملاقة BP «بيتر سذرلاند» للضغط على مديرها التنفيذي اللامع «اللورد جون براون» للقبول بالتقاعد من منصبه لبلوغه سن الستين رغم أن الأخير كان السبب الرئيسي في نجاحات الشركة الهائلة ووضعها في المركز الثاني خلف إكسون موبيل كأكبر شركات النفط العالمية وأكثرها ربحية ولكن المؤسسة أهم بكثير من الأشخاص مهما بلغت مواهبهم وقدراتهم،

وإنّ استمرارية النجاح تستلزم استمرارية رعاية المواهب الشابة ووضعهم على محك الاختبارات الصعبة تحت مظلة قيم المؤسسة وخبرات النجاح لديها ثم زجّها في معترك المسؤوليات الكبيرة حسبما تم وضعه من خلال برامج الإحلال دون تأخير ودون دندنة على وتر العواطف، فنجاح المؤسسة هو ما يُنتظر من كافة العاملين تحقيقه من خلال جهدهم وتفانيهم وتعاونهم أمّا العاطفة فمكانها مؤسسات العمل الخيري !

نقطة أخرى تستثيرني وأراها أصبحت قاعدة مقدسة لا يجوز الخوض فيها ألا وهي إعادة تأهيل المسؤولين وإلزامهم ببرامج تدريبية متواصلة لأن أثرهم يتعدى أنفسهم ليشمل المؤسسة بأكملها وفرص نجاحها أو إخفاقها في المستقبل..

فلا مكان لـ «أبو العُرّيف» فالعكس هو المطلوب، إذ لابد أن يكون المسؤول هو أكثر الموظفين انفتاحاً على المنهجيات الجديدة ومعرفة بأفضل الممارسات، بل ولا بد أن يكون في مؤسسته أكثر الموجودين سؤالاً واستفساراً عن كل معلومة دون تعالم أو تعالٍ.

إن المسؤول الذي يظن نفسه يفقه كل شيء، ويعرف في كل شيء أكثر من أي شخصٍ آخر هو أكبر خطر يواجه المؤسسات التي تطمح للتطوير، فإنما وجدت المنظمات للاستفادة من قدرات كل شخصٍ فيها، فهي منظمات للجهود كما أنها منظمات للأفكار أيضاً، وليست قطيع غنم يسوقها شخص واحد إلى حيث يريد هو، لذلك يقول جاك ويلش الرئيس السابق لجنرال إليكتريك وأحد أعظم الرؤساء التنفيذيين في تاريخ عالم الأعمال : «شخصٌ ما، في مكانٍ ما لديه فكرةٌ أفضل !»

ويؤيده في ذلك عبقري آخر يدعى سام والتون مؤسس متاجر (وول مارت) الشهيرة والذي قال تعليقاً على أسرار النجاح الباهر لمتاجره : «أغلب نجاحاتي أخذتها من أفكار الآخرين!» فما بال الكثير من مسؤولي المؤسسات العامة لدينا لا يسمعون حتى أفكار العاملين لديهم فضلاً من أن يستفيدوا ممن هم خارجها؟

إن سر النجاح في المؤسسات أن تعرف كيف «تقود» الآخرين لا أن «تسوقهم»، فلا يتأتّى نجاح ما لم تتحد فيه «القدرة» على أداء عملٍ ما مع «الرغبة» في أدائه ولا يمكن أن تستثير رغبة موظفٍ وحماسته بتهميش أفكاره وبإلزامه بأفكار نابعةٍ من خلف كرسي وثير في مكتب فخم لا يخرج صاحبه منه إلا عند مغادرته للبيت،

والمسؤول الناجح هو من يعرف أنّ النجاحات عملية جماعية وبأنّ الموظفين هم أدرى الناس بتفاصيل أعمالهم ورديء الإجراءات وحسنها وباستطاعتهم تحقيق نقلاتٍ مميزة في الأداء إن وُجِد المسؤول الذي يعرف كيف يضغط على الأزرار الصحيحة، تلك الأزرار التي لم يعلم بوجودها زعيم الهنود الحمر!

- عوض بن حاسوم الدرمكي -- الوكيل المساعد لدائرة البلديات والزراعة بالعين

وعضو مجلس الخدمة المدنية لإمارة أبوظبي -- Awad141@yahoo.com