من النادر أن يتحرك سعر العملة المحلية الصينية ارتفاعاً أمام الدولار، ولذلك كان انخفاضها أمام العملة الأميركية بنسبة 28 ,0% في منتصف أغسطس هو أكبر تغير لها منذ غيرت الصين قيمة العملة في يوليو 2005. وفي اليوم التالي ارتفع اليوان الصيني بنسبة 24 ,0% أمام الدولار وأغلق على ارتفاع 16 ,0% نقط، أي ثلاثة أضعاف ارتفاعه خلال نفس اليوم.

هذه التغيرات في سعر العملة الصينية ليست كبيرة وخلال الأشهر القليلة الماضية كان سعر اليوان الصيني أكثر تذبذباً بناء على المعايير الخاصة به ومن فبراير حتى مارس العام الجاري، كان خروج تحركات العملة الصينية عن المألوف كبيراً وملحوظاً كما يقول ستيفن جين من مورجان ستانلي.

الصين تسمح بتغيير العملة في حدود 3 ,0% يومياً حسب قرارات البنك المركزي. وبما أن هذا هو حال الصين فإن السرعة في التغيرات في سعر اليوان لا يحتمل أن تكون محض صدفة. ويقول سايمون ديريك من بنك نيويورك إن تصريحات وو شياو لينغ نائب محافظ البنك المركزي تبدو بيان إعلان نوايا.

وقال وو إن الشركات الصينية لابد أن تغطي مخاطر العملة باستخدام وسائل أخرى كما تفعل الشركات الأخرى. وهناك احتمال آخر أن السلطات تريد أن تثبت للمضاربين والشركات الصينية أن العملة ليست ثابتة إلى الأبد.

واقترح وو إن انخفاض سعر اليوان في 15 أغسطس قد يكون بهدف مساعدة شركات الحكومة أو البنوك التي لديها فائض في الدولارات تريد بيعها.غير أن المشكلة الأكبر هي إذا كانت هذه التذبذبات مقدمة لارتفاع شامل في سعر اليوان مثلاً عبر طريق الاقتراب من السقف عدد أكبر من المرات.

وقد انخفض سعر الدولار من 11 ,8 يوانات إلى 8 يوانات فقط. وقد يكون ارتفاع سعر اليوان في مصلحة الصينيين عن طريق تهدئة النمو الاقتصادي المحموم غير أن الصينيين متسرعون خاصة بسبب الضغوط السياسية الأميركية في الإسراع برفع سعر العملة.

وقد يكون ارتفاع اليوان صدفة لأن أكبر انخفاض لليوان جاء عقب تصريح هنري بولسون وزير الخزانة الأميركي بأن الصين في حاجة لإثبات مزيد من المرونة في السياسة النقدية. وقد لا يكون الأمر مجرد صدفة. والأميركيون مصرون على مواصلة الضغط. والمقرر أن يزور بولسون الصين عقب اجتماعات صندوق النقد الدولي في سنغافورة الشهر المقبل.

وقال عضوان بمجلس الشيوخ الأميركي إنهما سوف يدفعان لتمرير مشروع قانون يهدد بفرض رسوم بنسبة 5 ,27% على الواردات من الصين إذا لم تسمح برفع سعر العملة المحلية أمام الدولار.

وليس من المحتمل تمرير هذا القانون، لكنه مصدر قلق ويحث بعض المراقبين على الهدوء، كما يقول ديفيد بلوم من بنك اتش اس بي سي حيث إن الصين تتجه نحو مرونة العملة. ويذكر بأن الدول الغربية انتهجت سياسية مرونة سعر العملة في أواخر السبعينات فقط، ويتهم البنك بتصريح فان فانغ الأخير،

وهو عضو لجنة السياسات النقدية في البنك المركزي الصيني. وقال إن الصين تستطيع أن تتعايش مع ارتفاع سعر اليوان حتى 5%، وهذه النسبة أقل مما يضرى أميركا، لكنه أعلى ما يمكن توقعه من الصين.

الاقتصاد الصيني والأرباح

قد لا يكون لجهود الصين لتهدئة النمو الاقتصادي تأثير فوري أو سريع بسبب تزايد دور الأرباح في الاستثمار الرأسمالي، المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي في البلاد. حسب ما قاله البنك الدولي في تقريره ربع السنوي حول الاقتصاد الصيني.

وجاء في التقرير ان إجمالي الأرباح في القطاعين العام والخاص في الصين زاد بنسبة 28% خلال النصف الأول من العام 2006، أي بارتفاع 9% على نفس الفترة من العام الماضي. وقال التقرير إن أحد أسباب مرونة استثمار الأصول في مواجهة إجراءات تهدئة النمو هو تحقيق الأرباح التي تمول أكثر من نصف الاستثمار.

والمحركان الرئيسيان لاقتصاد الصين في العام الجاري هما الاستثمار المسؤول عن 40% من نمو إجمالي الناتج المحلي أو الصادرات. وارتفع الناتج الاقتصادي الصيني بنسبة 9 ,10% خلال النصف الأول من العام وبنسبة 3 ,11% خلال الربع الثاني مما حدا ببكين لتعزيز سياسات الحد من الإقراض المصرفي والمشروعات التي تمولها الحكومات المحلية.

وقد بدأت الحكومات المحلية مجموعة من الاستثمارات خلال النصف الأول من العام تماشياً مع الخطة الاقتصادية الخمسية مع تمويل العديد من المشروعات باتفاقات طويلة المدى مع البنوك.

ويقول البنك الدولي إن الحكومات المحلية مسؤولة عند 10 ـ 20% من الاستثمارات التي يدفعها المسؤولون المحليون لأنهم يقيسون مدى كفاءتهم واستمرارهم في مناصبهم بسرعة النمو الاقتصادي واعتمادهم على مبيعات الأراضي لتحقيق عائدات.

وكان تركيز إجراءات الحد من النمو السريع التي أعلنتها بكين خلال الشهر الماضي على الحد من هذا الإنفاق بإجبار المحليات على الحصول على تصريح من الحكومة المركزية لتنفيذ المشروعات الكبرى والحد من قروض البنوك.

غير أن تحليل البنك الدولي يوفر تقييماً إيجابياً لطفرة الاستثمار الصيني فيقول إن الإنفاق نشط في قطاعات عالية العائدات خاصة الشركات الخاصة. وقال التقرير إن السلطات قد تشعر بالراحة لأن غالبية الاستثمارات تحولها الأرباح وليس القروض وأن أكبر نمو في الاستثمار يحدث في القطاعات التجارية.

غير أن هذا يفيد بأن حوافز القطاع الخاص تلعب دوراً هاماً في تبرير الاستثمار بعد دور الحكومات المحلية. ولا يزال البنك الدولي متفائل بشأن الاقتصاد الصيني بصفة عامة ويؤكد أن السياسة العامة ليست محمومة في ظل التضخم المنخفض وفائض الحساب الجاري. ويقول البنك إن السلطات قد تنظر قبل تطبيق معايير تهدئة جديدة لأسباب منها ان هذه الإجراءات قد تؤدي إلى تراجع شديد في النمو الاقتصادي.