يقول مامادو سورو الذي يجري على عجلات يومياً من التاسعة صباحاً ليخترق الزحام في شوارع دكار عاصمة السنغال وسط المشاة والسيارات والدراجات النارية ليصل إلى الزاوية الأخرى من الشارع الذي يقطن فيه، ليحتل مكانة بين المتسولين من المقعدين ليجني يومياً نحو 5 دولارات، عندما يكون الحال جيداً.

ومامادو هو أحد آلاف المتسولين الذين يجوبون العاصمة السنغالية الواقعة في غرب إفريقيا الشهيرة بالكرم. وقد هاجر مامادو إلى السنغال قادماً من ساحل العاج بعد إصابة في الحرب أقعدته. وسمع مامادو عن كرم الخير في عاصمة الدولة الإسلامية التي يدفع سكانها بسخاء في شكل صدقة للمقعدين والمعوزين.

لكن مامادو يشعر الآن أنه محاصر ليس فقط بالمقعد المدولب الذي يجلس عليه، فهناك كثير من المتسولين المتزايدين في العدد دائماً، وكثير منهم من الدول المجاورة مثل مالي وموريتانيا والنيجر وبوركينا فاسو الذين تكتظ بهم الشوارع.

وكان المتسول من قبل يحصل على 10 دولارات يومياً ما يعادل أجر وظيفة مكتبية في المنطقة. لكن الشرطة بدأت تلاحق مامادو وزملاءه لطردهم بعيداً عن الشوارع الرئيسية محاولين تحسين صورة المدينة، وأصاب التعب والوهن ايادي المحسنين الكرماء فيها ايضاً لكثرة المتسولين.

وقال اميناتو دياو استاذ التاريخ بجامعة الشيخ انطا ديوب ـ الذي تخصص في ثقافة فعل الخير والصدقات والتسول في السنغال، لا يمكن ان يسير المرء في سلام في دكار بعد الآن. وغالبية العواصم الافريقية تكتظ بالمتسولين، ويقرر البنك الدولي ان المدن الافريقية تنمو بمعدل ضعف نمو المدن الأخرى في العالم. لكن دكار لها جاذبية خاصة بسبب النمو الاقتصادي الأسرع من بقية دول إفريقيا السوداء.

وقال حسان ساجني خبير التمويل في مشروع مكافحة الفقر الحكومي ان 60% من المتسولين يأتون من مالي وغينيا فقط لأن السنغال دولة إسلامية وشعبها يعطي عناية كبيرة للفقراء. وأضاف أن المتسولين يفهمون ثقافة السنغال الملتزمة تجاه الفقراء والمعوزين بفعل الديانة الإسلامية.

وفي أحد أيام الجمعة الذي تقام فيه صلاة الجمعة ألقى أحدهم إطار السيارة الإضافي بين يدي مامادو ليقوم بتغيير إطار سيارته المعطوب نظير هبة كريمة، وقد ترك مامادو زوجته وطفليه في بلاده منذ عام 2002، حتى يجرب حظه في دكار، وقال مامادو إنه تحين الفرصة للقدوم إلى السنغال لكسب عيشه بالتسول.

وهناك فئة أخرى من المتسولين في دكار أيضاً، فالعائلات الفقيرة في القرى غالباً ترسل أطفالها إلى المدن ليدرسوا في المدارس الدينية لتحفيظ القرآن، ويتكفل الأطفال بمعيشتهم هناك عن طريق التسول، ويعرف هؤلاء الأطفال «بالطلاب» أو «طالبي» حسب لغة أهل السكان، وهناك نحو 100 ألف منهم يجوبون المدن السنغالية للتسول.

ويتلو هؤلاء الأطفال سوراً قرآنية أمام الحافلات ومن نوافذ سيارات الأجرة لركابها ليحصلوا على الهبات المالية أو الغذاء أو مكعبات السكر، ويقول البعض ان الشيوخ الذين يعلمون الطلاب قراءة القرآن يشاركونهم في حصيلة التسول، غير أن الناس يتبرعون بهذه الهبات طواعية في معظم الأحيان.

ويقول دياو في ثقافتنا ليس الفقراء فقط هم الذين يحتاجون للصدقات، بل الأغنياء أيضاً لأنهم يعطون الصدقات طمعاً في حظ أوفر في الدراسة والعمل والحياة، ويعتقدون أن هذه الصدقات تمهد لهم الطريق إلى الجنة. حتى أمينة دوي صاحبة صالون تجميل تستطيع بالكاد ان تدفع ايجاره، لكنها تطيع أوامر الامام بتوزيع جرعات من الحليب على الطلاب من أجل التبرك ونجاح أعمالها.

وقال أحد المتسولين ويدعى «سنسو» ان الناس يتأثرون جداً عند رؤية المتسولين أيام الجمعة ويدفعون بسخاء، وقد جاء إلى دكار من 20 سنة قادماً من مدينة فوتا الجنوبية التي لاتزال تأوي أسرته حتى الآن.

وفتح سنسو يده وقال انه لم يحصل في ذاك اليوم إلا على ما يعادل ثلاثة «دراهم» لكنه في أيام الجمعة يحصل بعد الصلاة أحياناً على 40 دولاراً في يوم واحد. غير ان ظاهرة المتسولين لا تلائم مدينة دكار التي تكثر فيها متاجر البوظة وتعقد فيها المؤتمرات الحكومية.

ترجمة: أشرف رفيق