رغم التذبذب اليومي لسعر صرف العملة البريطانية، وتراجعها في 19 أغسطس إلى أدنى مستوى في 19 أغسطس، إلا أن أداءها على مدى الأشهر المنصرمة من العام شكل مفاجئة كبرى بالنسبة للمحللين والمستثمرين، بل وبالنسبة أيضا لصناع السياسة النقدية في المملكة المتحدة، إذ فاق هذا الأداء التوقعات التي تكهنت بأن يخيم الهبوط على الجنيه الاسترليني خلال العام الجاري،

ولكن خابت هذه التوقعات على أرضية جني العملة البريطانية مكاسب سعرية تجاوزت توقعات كبرى المؤسسات المالية والتي قامت بدورها برفع تقديراتها خلال الشهر الجاري إلى مستويات أكبر من تلك التي قدرتها في مطلع العام الجاري.

وجاء هذا التألق المفاجئ للعملة البريطانية نتيجة لحصولها على الدعم من مصادر متنوعة، حيث تضافرت مشتريات البنوك المركزية مع تصاعد عمليات استحواذ الأجانب على الشركات البريطانية، مع زيادة جاذبيتها كوعاء استثماري في تداولات عقود العملات الآجلة، مع ورود بيانات اقتصادية قوية،

في تحفيز العملة البريطانية على التقدم صوب جني المزيد من المكاسب السعرية خلال الأشهر المنصرمة من العام.بيد أن القوة التي ظهر بها الاسترليني خلال الأشهر المنصرمة من العام، قد أضرت بالصادرات البريطانية التي شهدت تراجعا قياسيا في مستوياتها.

التذبذب اليومي

وتجلى التذبذب اليومي في سعر صرف الجنيه الاسترليني، بهبوطه في مواجهة اليورو إلى أدنى مستوى سجله في ثمانية شهور نتيجة لظهور علامات تدل على تباطؤ وتيرة التضخم في المملكة المتحدة، مما سيحد من قدرة بنك انجلترا على رفع معدلات الفائدة خلال العام الجاري، وسجلت السندات البريطانية لمدة عشر سنوات أكبر مكسب أسبوعي منذ شهر مايو.

ولقد تراجعت العملة البريطانية في مواجهة نظيرتها الأوروبية على مدار أيام الأسبوع المنتهي في 19 أغسطس بسبب بروز تكهنات تتوقع أن بنك انجلترا سيقوم برفع الفائدة مرة واحدة فقط خلال العام الجاري.

وجرى التداول على الجنيه الاسترليني في 19 أغسطس عند 16 ,68 من 32 ,67 بنساً لليورو في 11 أغسطس، وهبط سعره كذلك في مواجهة الدولار خلال نفس الفترة إلى 8780 ,1 من 8911 ,1 دولار، وهو اكبر انخفاض منذ 18 نوفمبر 2005.

وجنت كذلك السندات البريطانية مكاسب سعرية، وهو ما أرسل عوائدها إلى أدنى مستوى تسجله خلال الشهر الجاري، وذلك إثر إعلان بنك إنجلترا أن أعضاء لجنة السياسة النقدية قد انقسموا حول قضية رفع الفائدة خلال اجتماع اللجنة في 3 أغسطس، إذ هبطت عوائد السندات لمدة عشر سنوات في 19 أغسطس بمقدار 13 نقطة مئوية لتصل إلى 60 ,4 %.

وبلغ سعر الفائدة على السند المستحق في سبتمبر 2016 ما نسبته 86 ,4%، وهبط العائد على السندات البريطانية لمدة عامين بمقدار 10 نقاط أساس ليصل إلى 86 ,4 %. وأفاد مكتب الإحصائيات أن مبيعات التجزئة قد هبطت في شهر يوليو بنسبة 3 ,0%، بعدما صعدت بنسبة 7 ,0% في شهر يونيو.

فيما توقع استطلاع للرأي أجرته مؤسسة بلومبيرج أن ترتفع المبيعات على أساس سنوي إلى 4%. حيث مثلت الحرارة المرتفعة في الشهر المذكور رادعا للمتسوقين في بريطانيا. وأشاع تقرير حكومي صادر في 15 أغسطس بشأن أسعار المستهلك التفاؤل بخصوص كبح الضغوط التضخمية، إذ هبط مؤشر أسعار المستهلك في شهر يوليو بنسبة 1 ,0 % مقارنة بالشهر السابق عليه.

ورأي محللون أنه ربما يكون التراجع في سعر صرف الجنيه الاسترليني محدودا، بعدما أظهر تقرير حكومي صادر في 18 أغسطس أن صافي الإقراض للرهن العقاري وصل في شهر يوليو إلى 7 ,5 مليارات جنيه استرليني من 5 ,5 مليارات جنيه استرليني في شهر يونيو.

واظهر تقرير حكومي صادر في 18 أغسطس أن الموازنة البريطانية سجلت في شهر يوليو فائضا قياسيا بلغ 3 ,6 مليارات جنيه استرليني، وهو ما يجعل من اليسير على وزير الخزانة تقليص الاقتراض. وعلى نحو غير متوقع، رفع بنك انجلترا في 3 أغسطس معدل الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية ليصل إلى 75 ,4 %، و

هي أول زيادة في تكاليف الاقتراض على مدى عامين، معلنا في 9 أغسطس أن إنفاق المستهلك سينمو بمعدل أقل من المعدل المستهدف على الأجل الطويل والذي يبلغ 7 ,0%. وورد في التقرير عن اجتماع لجنة السياسة النقدية في 3 أغسطس الإشارة إلى أن هناك وقتاً سيرتد فيه بنك إنجلترا عن إجراء زيادات في معدل الفائدة، وهو الوقت الذي تصبح فيه مسارات النمو الاقتصادي والتضخم أكثر وضوحا.

وتراجع العائد على عقود الفائدة الآجلة المستحقة في شهر ديسمبر بمقدار 6 نقاط أساس ليصل إلى 16 ,5%، مسجلة الانخفاض الأول الأسبوعي خلال ثلاثة أسابيع.وقد تراجع الجنيه الاسترليني في 17 أغسطس لأدنى مستوى في أسبوعين إثر تقرير أظهر أن مبيعات تجار التجزئة تراجعت على نحو غير متوقع في شهر يوليو، وذلك للمرة الأولى على مدى 6 أشهر.

وأعرب ستيوراد ريستون محلل العملات في شركة Rabobank Groep ومقرها لندن أن الجنيه قد بدأ مرحلة الضعف، حيث عكست بالفعل أسعار صرفه جميع الأخبار الإيجابية، ومن ثم، فمن المتوقع أن تظل أسعار الفائدة عند مستواها من دون تغيير».

تألق الاسترليني

بيد أن الصعود الضخم للجنيه الاسترليني خلال الأشهر المنصرمة من العام قد فاجأ صناع السياسة النقدية، وقلص مكاسب المصدرين. إذ قفزت العملة البريطانية في مواجهة الدولار منذ شهر ديسمبر الماضي بنسبة 2 ,9%، بعد ما سجل الاقتصاد نموا يعد الأكبر على مدى عامين، وقفز استحواذ الأجانب للشركات البريطانية بنسبة 65 %، وزادت عمليات شراء البنوك المركزية للجنيه الاسترليني لرفع حصته ضمن احتياطياتها من العملة الصعبة.

ولكن أضرت قوة الجنيه الاسترليني بالصادرات، واتجهت ـ بحسب بيتر ماثوي المدير الإداري لشركة Black Country Metals Ltd - نحو التراجع، مما دفع الشركات إلى تكثيف نشاطها في عمليات التحوط من المخاطر للحد من الخسائر.

وتسهم الصادرات بنسبة 29% من اقتصاد المملكة المتحدة الذي يعد ثاني أكبر اقتصاد على مستوى القارة الأوروبية، وتظهر البيانات الحكومية أن صعود قوة الجنيه الاسترليني، وتسجيله تقدما يعد الأكبر منذ عام 2003، قد ساهم في دفع الصادرات نحو التراجع خلال شهري مايو ويونيو.

التعاملات الآجلة

واتجه المصدرون نحو التعاملات الآجلة، مع ملامسة العملة البريطانية في 3 أغسطس أعلى مستوى تسجله على مدى 15 شهرا والبالغ 9143 ,1 دولار، وعلق «ديفيد كيرن» المستشار الاقتصادي في غرف التجارة البريطانية بقوله « ان أداء الصادرات يتسم بالتواضع، ورغم أن سعر صرف العملة لا يعد المشكلة الوحيدة، ولكنه يعتبر مشكلة مهمة».

وفاجأ صعود الجنيه الاسترليني كلاً من المحللين وصناع السياسة النقدية على حد سواء، وفي هذا السياق، توقع استطلاع للرأي أجرته مؤسسة بلومبيرج للأنباء في يناير الماضي وشمل 53 محللا، أن يجني الجنيه الاسترليني مكسبا سعريا نسبته 3% على مدى عام 2006 ليبلغ 77 ,1 دولار، كما تنبأ اتحاد الصناعة البريطاني في 31 ديسمبر الماضي بأن يهبط سعر صرف العملة البريطانية إلى 70 ,1 دولار.

وعلى نفس الصعيد، أصبح الجنيه الاسترليني العملة المفضلة للمتداولين على عقود العملات الآجلة، وأظهرت بيانات بورصة شيكاغو التجارية أن التداول على العقود الآجلة للجنيه الاسترليني قد قفز خلال الربع الثاني من العام الجاري بنسبة 126% بالمقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي.

وجرى التداول في 18 أغسطس على العقود الآجلة للجنيه الاسترليني المستحقة في شهر ديسمبر عند مستوى 8897 ,1 دولار، وهو ما أثر على توقع المستثمرين بجني العملة البريطانية المزيد من المكاسب.

إعادة تصويب التوقعات

وتنبأ محللون في استطلاع لوكالة بلومبيرج للأنباء في مطلع العام الجاري أن الجنيه سيجني مقابل الدولار خلال عام 2006 مكسبا سعريا نسبته 5 %، وكانت البنوك البريطانية الأكثر تشاؤما بشأن مستقبل العملة البريطانية، واتفقت أكبر خمسة بنوك على أن الجنيه الاسترليني سيجني مكسبا نسبته تقل عن 3 % ليبلغ 75 ,1 دولار بحلول نهاية عام 2006.

وقال آندرو مانلي مدير رابطة تكنولوجيات التصنيع البريطانية التي تضم 250 صاحب أعمال انه منذ مطلع العام الجاري، وخبراؤنا ينصحوننا بأن الجنيه الاسترليني سيتعرض للمزيد من التراجع في أسعاره»

وخلال الشهر الجاري، رفع كل من بنك صس ءا أكبر مدير للأموال في العالم،

وبنك BNP Paribas أكبر بنك فرنسي من ناحية القيمة السوقية، تقديراتهما لسعر صرف الجنيه الاسترليني، حيث توقع الأول بأن يصل متوسط سعر صرف العملة البريطانية إلى 9150 ,1 دولار بحلول نهاية العام الجاري، فيما توقع الثاني أن يبلغ سعر الجنيه دولارين في العام المقبل،

كما توقع بنك Royal Bank of Scotland Group Plc في مستهل العام أن يغلق الجنيه الاسترليني العام 2006 على سعر 74 ,1 دولار، ولكن البنك عدل توقعاته في الوقت الحاضر، مقدرا بأن التداول على الجنيه سيكون عند مستوى 85 ,1 دولار بحلول نهاية العام.

وقال آدم مايرز محلل العملات في بنك UBS AG بلندن « لقد أصبنا بخيبة أمل بسبب إخفاق توقعاتنا السابقة، وبالفعل، لقد تفاجأنا أسوة ببنوك أخرى عديدة بقوة أداء الاقتصاد البريطاني. وفي 3 أغسطس، سجل الجنيه الاسترليني أعلى سعر منذ مايو 2005، إثر إعلان بنك انجلترا رفع الفائدة للمرة الأولى في عامين.

ومن ثم، رفع صناع السياسة النقدية تكاليف الاقتراض بمقدار ربع نقطة مئوية لتصل إلى 75 ,4 %، بعدما تجاوز التضخم في شهر يوليو وللشهر الثالث على التوالي المعدل المستهدف من قبل بنك انجلترا والبالغ 2 %، فيما نما الاقتصاد خلال الربع الثاني من العام الجاري بنسبة 6 ,2%، مسجلا تفوقاً على اقتصاديات كل من ألمانيا وفرنسا واسبانيا. التي تعتبر أقوى اقتصاديات في منطقة اليورو.

وأظهرت تعاملات عقود الفائدة الآجلة أن التجار يتوقعون قيام بنك انجلترا برفع تكاليف الاقتراض مرة واحدة خلال الأشهر المتبقية من العام لتصل إلى 5 %.، في حين كان رهان المستثمرين في مطلع العام الجاري يتوقع بأن يبقى معدل الفائدة على نفس مستواه دون تغيير على مدى أشهر العام الجاري.

مشتريات البنوك المركزية وحصل الجنيه الاسترليني على الدعم أيضا من قيام البنوك المركزية بشراء الدولار في إطار خطط تنويح احتياطياتها من العملات الأجنبية بعيدا عن الدولار. كما انجذبت هذه البنوك إلى السندات البريطانية التي سجلت عوائد مرتفعة بالمقارنة مع سندات منطقة اليورو، وشغلت العملة البريطانية مكانة الين في شهر ديسمبر كثالث أكبر عملة احتياط على مستوى العالم بعد الدولار واليورو.

وحتى نهاية شهر مارس الماضي، رفعت البنوك المركزية ممتلكاتها من الجنيه الاسترليني إلى 115 مليار دولار أي بنسبة 4% من إجمالي احتياطياتها، مسجلة أعلى مستوى منذ عام 1999. وأظهرت بيانات صندوق النقد الدولي أن كلاً من ايطاليا والنرويج وبولندا وعمان وأوكرانيا من بين هؤلاء الذين قاموا بشراء الجنيه الاسترليني، وقد أعلن بنك ايطاليا في 1 أغسطس بأنه قام برفع حصة الجنيه الاسترليني ضمن احتياطياته لتبلغ 25 % بحلول نهاية عام 2005.

وقال بول روبسون محلل العملات في Royal Bank of Scotland Group Plc إن الجنيه الاسترليني صار يتمتع بجاذبيه لدى البنوك المركزية، وهو ما يوفر له بيئة صحية، وان الناس في مطلع العام راهنوا على هبوط الاسترليني، ولكن موجة صفقات الاستحواذ على الشركات البريطانية قدت دعما للجنيه الاسترليني.

وبحسب البيانات التي قامت مؤسسة بلومبيرج بتجميعها، قفزت عمليات استحواذ الأجانب على الشركات البريطانية إلى أعلى مستوى منذ عام 2000، وأنفقت الشركات الأجنبية 8,52 مليار جنيه استرليني في 463 صفقة.

وقد دفعت مجموعة Grupo Ferrovial SA ثاني أكبر شركة إنشاءات أسبانية حوالي 1 ,10 مليارات جنيه استرليني لشركة BAA Plc مقابل شراء مطار هيثرو الدولي، كما اشترت مجموعة Linde AG شركة BOC Group Plc بقيمة تبلغ 8 مليارات جنيه استرليني لتصبح أكبر مورد للغاز في العالم.

متابعة : مجدي عبيد