لم تكن البداية الفنية التي رسمها أنور مبارك لنفسه والمستقبل الذي وضعه أمامه، إلا خطوات لكي يحقق طموحا اكبر وشهرة أوسع، لذا جاءت الانطلاقة الأولى وهو في سن صغيرة قارئا للقرآن الكريم على طريقة القارئ عبد الباسط عبد الصمد، ومقلدا لاغاني الكبار وخاصة أم كلثوم، وبين الفينة والأخرى مؤديا لأعمال فنانين يمنيين مشهورين.
كما كتب له الحظ ان يجاور بمسكنه موسيقيين شبابا شكلوا فرقة موسيقية تقدم الأغنيات الأجنبية، وعن طريقها داعبت أنامله أوتار مختلف الآلات الموسيقية الشبابية كـ «الأكرديون» وآلات النفخ والإيقاع، إلى أن وصل بموهبته فرقة فنية كان يشرف عليها الموسيقار اليمني الراحل يحي مكي أستاذ الموسيقى والأجيال الفنية اليمنية.
ومن خلال فرقة «الأنامل» ظهر نبوغه الموسيقي وتجلت موهبته في الغناء فأصبح اليوم احد الفنانين الشباب يمثل الأغنية اليمنية مع أقرانه في المحافل والمهرجانات العربية والدولية.
أنور مبارك هو الطفل المقلد الذي يملك اليوم صورة واضحة المعالم لطريقه، بعدما غدا فنانا مشهورا من خلال أغانيه وألبوماته الموسيقية بل وألحانه، فالصوت وجمال الكلمة عنده يكتملان باللحن الجميل المستمد من البيئة التي يعيش فيها ويستطيع ترجمتها إلى أحاسيس صادقة ومعبرة.
كانت ستينات القرن الماضي بداية الطريق الطويل في المشوار الإبداعي للفنان مبارك ، وكانت أغنية «جسر الهوى عطشان» التي كتب كلماتها الشاعر الغنائي احمد الجابري ولحنها يحيى مكي هي فاتحة سبيل الإبداع للموهوب الذي لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره في ذلك الحين، تلك الأغنية التلفزيونية.
أوصلت صوته إلى الكثيرين الذين رأوا في ذلك الصوت قدرات فنية مميزة ومتميزة ليلتقطه عازف الكمان علي فيروز ويضمه إلى الفرقة الحديثة للموسيقى والفنون كأحد أفراد الكورس الأساسيين في الفرقة، وكانت فرحته لاتوصف وهو يقف خلف كبار الفنانين يردد مقاطع من أغانيهم، ثم تأتي الانطلاقة الأخرى من خلال الموسيقار يحيى مكي الذي قدم له أول لحن خاص به أغنية «فينك يا قمر».
محطات فنية
في بداية هذا الحوار يقول أنور مبارك: المحطات التي شكلت مني فنانا يمنيا كثيرة، ولكن أهمها هي المحطة التي عرفتني جماهيريا على المستويين اليمني والخليجي، يوم وقفت على خشبة مسرح الشعب بجانب نادي التلال الرياضي بكريتر عام 1970 لأشدو بأغنية «غالي غالي» التي انطلقت كالنار في الهشيم فكان الناس يرددونها في كل مكان، تبعها بعد ذلك أغنيات مثل «كثير سامحتك، عد للصفا من ثاني، في أمان الله وسافر» وجميعها من ألحان الفنان احمد بن غودل إلى جانب أغنية «غالي غالي».
يضيف قائلا: هذه المحطة رسخت شهرتي بين أوساط الجمهور، بعدها كان علي تطوير ثقافتي الموسيقية، وكان ذلك من خلال الالتحاق بمعهد الفنون الجميلة عند افتتاحه في السبعينات من القرن الماضي، واستطعت أن انمي من قدراتي الموسيقية على يد أساتذة أجلاء وفنانين كبار أمثال المرحومين الأستاذ جميل غانم مدير عام المعهد والموسيقار احمد بن احمد قاسم، اللذين عملا على تطوير مدارك الفنانين وفق الأسس الفنية العلمية، وكنت حينها أصغر الفنانين الملتحقين بالدراسة النظامية بالمعهد سنا وتجربة.
وبعد سنوات ثلاث من الدراسة المنتظمة حققت المركز الأول على دفعتي بتفوق ونلت دبلوم التخرج في الموسيقى، وهذا النجاح أهلني للقيام بتأسيس وتدريب الفرقة الموسيقية والفنية لوزارة الداخلية بالشطر الجنوبي آنذاك.
وعن أشهر أعماله خلال فترة الانطلاقة الأولى يقول: خلال هذه السنوات قدمت عددا كبيرا من الأعمال الغنائية المميزة مع عدد من الشعراء والملحنين واذكر من ذلك أغنيات: متى بتعود ليحيى مكي، يطوف الربيع الحان جميل غانم، بلادي تغني للملحن عبد الله بافضل، مشتيش عتاب لشهاب مصلح وأغنية وعد مني لو تحبني للشاعر عبد الرحمن السقاف.
ولم يقف طموحي عند هذا الحد بل سعيت إلى تجديد ذاتي من خلال تقديم لوحات استعراضية موسيقية درامية فقدمت عدداً كبيراً منها للمسرح من خلال مسرحيات «يابلاشاه» و«دنيا فالتو» و«أبو العيال» وتجربة في الدراما الإذاعية والتلفزيونية فعملت على تلحين وغناء عدد من مقدمات المسلسلات الدرامية المحلية التي منها «حنتوش» و«طحطوح» و «موال الصمت» وأخيرا «الحنين».
وحول أبرز من تعامل معهم من الشعراء والملحنين يوضح: الذين تعاملت معهم في تلك الفترة الذهبية من الشعراء هم محمد حسين الجحوشي ومحمد عوض بن شيخان وعبد الرحمن السقاف ، ومن الملحنين الفنان القدير محمد مرشد ناجي ويحيى مكي وأحمد بن غودل ومحمد سالم بن شامخ وعبد الله بافضل، وحاليا استعد لعدد من الأعمال الجديدة مع شعراء وملحنين يمنيين وخليجيين، وسوف أعلن عنها عندما أكمل ألحانها.
مظلومون إعلامياً
وفيما يتعلق بانتشار الفنان اليمني عربيا يقول أنور مبارك: في مرحلة ماضية حققت الأغنية اليمنية شهرة واسعة على مستوى اليمن والوطن العربي، ودعني هنا أوجز الفنانين الذي نقلوا الأغنية اليمنية ونشروها عربيا وخليجيا والفنانين العرب الذين تغنوا بها، وعلى سبيل المثال الموسيقار احمد قاسم وغنى له محرم فؤاد، وفرسان خليفة غنت له فائزة احمد.
ومحمد سعد عبد الله وغنت له الفنانة اللبنانية هيام يونس، ومحمد مرشد ناجي الذي غنى له الفنان السوري فهد بلان والفنان السعودي محمد عبده، وواصل المشوار الفنانون أبوبكر سالم بلفقيه وعبد الرب إدريس واحمد فتحي وعلي بن محمد وهم اليوم من كبار الفنانين في الوطن العربي وقد غنى لهم وردة الجزائرية والراحلة ذكرى والمغربية أسماء لمنور وغيرهن.
إذن نال هؤلاء حظوظا كبيرة في الانتشار والشهرة، وعلى الجانب الداخلي نجد أن الفنانين الشباب لم ينالوا فرصهم الممكنة ولم يحققوا ولو جزءا بسيطا مما حققه الأولون، وفي رأيي الأسباب كثيرة أهمها غياب الحفلات الفنية الجماهيرية المنظمة التي من خلالها يتواصل الفنان مع جمهوره وتساعده على الانتشار.
وثانياً عدم وجود شركات الإنتاج الذي تواكب التطور الحاصل من الناحية التقنية والفنية واكتشاف المواهب والأصوات الناجحة بالقدر الذي صار همها فقط الكسب السريع، وثالثاً أجهزتنا الإعلامية المسموعة والمرئية التي أهملت الفنان اليمني على حساب الفنان العربي الذي لاتنقصه وسائل التعريف بالجمهور، والسبب الأخير والجوهري انعدام الدعوات من مسئولي المهرجانات العربية والخليجية للفنان اليمني مع إيمانهم بقدرته وموهبته وجماهيريته.
بالطبع هنا استثني المهرجانات الموسيقية التي تقام في سلطنة عمان فنحن سنويا نشارك في كل الحفلات التي تقام هناك، كما انه في الآونة الأخيرة بدأ تلفزيون قطر يوجه الدعوات للفنانين اليمنيين لتصوير أعمالهم ومشاركاتهم في الحفلات التي تقام هناك، وهذه خطوات جيدة أتمنى ان تتواصل من بقية المهرجانات الموسيقية التي تقام مثلا في دبي والكويت والبحرين.
وأخيرا ماذا تقول عن الأغنية الخليجية عموما؟
يجيب: منذ عشرات السنوات و الأغنية الخليجية تتمتع بحضور وانتشار واسعين، وكانت تصلنا من الكويت والسعودية أغان راقية بأصوات مطربين حملوا الراية ابتداء من عصر عوض الدوخي وشادي الخليج وعبد الكريم عبد القادر وطلال مداح ومحمد عبده وغيرهم، وفي السنوات العشر الأخيرة برزت الأغنية الإماراتية بنقلة نوعية لتنافس بجدارة وتتطور باستمرار بفضل ظهور شعراء وملحنين مميزين.
وبفضل دعم المسؤولين والصحافة والقنوات الفضائية التي حرصت أيضاً على إبراز التراث والفلكلور الشعبي، ولذا انطلقت الأغنية الإماراتية وانطلقت الأغنية الخليجية بشكل عام وأصبحت أغنية لكل العرب والقاسم المشترك لأي مهرجان أو محفل دولي، وبرزت الكثير من الأصوات الشابة المتميزة والناجحة التي قدمت صورة جميلة عن مفهوم الإبداع والتألق.
حوارـ جميل محسن:
