تنتشر فكرة «الرعاية الصحية الالكترونية» في أميركا كعلاج فعال لنظام الرعاية الصحية الذي يعاني من مرض ارتفاع التكلفة. وتتدافع شركات التقنية الرئيسية أمثال «اي بي ام» وميكروسوفت وجنرال الكتريك وشركات متخصصة أخرى على الاستثمار في الرعاية الصحية الالكترونية،

أو توفير تقنية معلومات صحية للمستشفيات والعيادات والأطباء. وانضم الكونغرس الأميركي إلى هذه الحملة، حيث وافق مجلس النواب الأميركي مؤخراً على مشروع قانون لتعميم استخدام البرمجيات الحاسوبية الضرورية لتكوين قاعدة بيانات وسجلات رقمية للمرضى.

والتقنية المقصودة ذاتها هي تخزين التاريخ المرضي والطبي للأفراد الكترونياً ورقمياً، بما في ذلك الحالات المزمنة، والاختبارات والفحوص الطبية والوصفات الدوائية والتشخيص وتقارير الأطباء. وإدخال الأوراق التي تسجل التاريخ المرضي للمرضى إلى الحاسوب في شكل بيانات رقمية

هو خطوة حيوية نحو تحديث النظام الصحي الذي أطلقت عليه صحية «نيويورك تايمز» غير الكفؤ والمتخم بالأوراق في أميركا، وتقول دراسات عديدة إن هذا التحويل إلى الحواسيب سوف يقلل الأخطاء الطبية والتكاليف وينقذ حياة مرضى ويوفر دولارات عديدة تصل إلى 800 مليار سنوياً، وفق ما ذكرته مؤسسة راند.

وحتى المتفائلون باستخدام التكنولوجيا الحديثة في هذا المجال يتوقعون أن تنتقل التقلبات التي تصحب ثورة المعلومات إلى مجال الرعاية الطبية، وسوف يساهم دمج السجلات الطبية الرقمية مع الشبكة الرقمية القومية في تحديد فرص توفير التكلفة كما يقولون، غير أن هذا سوف يفتح الطريق أيضاً إلى الأدوية المفصلة لحالات معينة والعلاجات الجديدة، وفي النهاية رفع كفاءة الرعاية الصحية.

ورغم ان هذا أمر ليس سيئاً، إلا أنه ليس هو المأمول بالنسبة لارتفاع تكاليف الرعاية الصحية الملحوظ في أميركا، ويقول الدكتور بريان ستورم الأستاذ بجامعة بنسلفانيا ان كل أدوات التقنية المعلوماتية الجديدة تقدم وعوداً براقة، غير أنه ليس بالضرورة أن تؤدي إلى خفض تكلفة الرعاية الصحية.

ولن يأتي تأثير تحويل الرعاية الصحية إلى تكنولوجيا رقمية إلا بعد سنوات طويلة لأن 20% فقط من الأطباء الآن يستخدمون سجلات رقمية طبية غير أن الدفع من جانب المجتمع السياسي والشركات سوف يؤدي إلى إسراع الخطر.

ويقول خبراء الطب إن الملفات الرقمية هي حجر الأساس في خلق أسواق أكثر كفاءة في الرعاية الصحية، وهذا هو ما يتحمسون من أجله، وليس الحواسيب والبرمجيات، لكن المعلومات الصحية يمكن تبادلها بسهولة والبحث فيها وقياسها وتحليلها لتحديد العلاجات والأدوية الأكثر فاعلية وتحديد التكلفة أيضاً.

غير أن الأسواق الكفؤة يمكن أن تكون خارجة عن نطاق التوقع ويكون هناك من يكسب ومن يخسر، من يفيد ومن يتضرر منها. ويتوقع لثورة المعلومات في مجال الرعاية الصحية بأن تكون مربحة جداً لبعض الشركات الناجحة في هذه الصناعة وفق رأي خبراء الطب والاقتصاد معاً، وقد تؤدي إلى رفع الإنفاق الصحي بدلاً من تقليل التكلفة.

وقال الدكتور ديفيد كاتلر الخبير الاقتصادي الصحي في هارفارد إن تقنية المعلومات سلاح ذو حدين فتوفير معلومات أغزر قد يفتح أسواقاً في صناعة الدوائيات مثلاً لكن قد يزيد أيضاً من الطلب على بعض الأدوية في الأسواق الأصغر والأكثر تركيزاً.ويضيف قوله إذا كانت المعلومات الأكبر ستفيدنا في فهم ما يحدث في الرعاية الصحية فقد تؤدي إلى توفير مزيد من الرعاية لأعداد أكبر من الناس وترفع تكلفة نظام الرعاية بالكامل.

وتسمى قاعدة التقنية لمزيد من الكفاءة في نظام الرعاية الصحية «الشبكة الوطنية للمعلومات الصحية» وينبغي أن تتيح هذه الشبكة للأطباء والممرضات والباحثين وعامة الشعب متابعة نتائج علاجات معينة وأدوية وأجهزة طبية بتجريد البيانات الطبية من المعلومات الشخصية. والفكرة هي الدخول على موقع عام لاستخلاص بيانات من قاعدة صحية تحتوي آلاف بل ملايين السجلات الطبية لأفراد، ويتم تحديثها باستمرار.

وقد يساعد برنامج ذكي الأطباء على فهم ما ينفع وما لا ينفع والبحث عن إجابات عن الآثار الجانبية وأوقات التعافي وجرعات الفيتامينات مثلاً.ويقول خبراء الصحة والطب إن نتيجة ذلك سيكون هناك قرارات أقل تقوم على دراسات تجريها شركات الأدوية كما يحدث الآن.

وتشير دراسات إلى أن نصف الذين قد يفيدون من أدوية معينة يتعاطونها، غير أنه من الممكن تفضيل علاجات خاصة لحالات خاصة في ظل عصر تشخيص الأدوية. ومع ذلك فإن نظام الرعاية الصحية الرقمي بكل الوعود التي يأتي بها ليس هو الحل الفضي. أو السحري لنظام الرعاية الصحية الأميركي.

ويحذر البعض من أن وضع قدر كبير من الثقة في التقنية الرقمية قد يأتي بنتائج عكسية. وقال الطبيب ديفيد هملستاين الأستاذ بكلية طب هارفارد إن هذا يشجع على الاعتقاد بأننا لسنا في حاجة إلى إصلاح حقيقي، وكل ما نحتاجه هو بضعة حواسيب.

ترجمة: أشرف رفيق