غالباً ما يدفع النجاح التجاري لأي فيلم بأصحاب الإنتاج لأن يقدموا سلسلة منه، في جزء ثان وثالث ورابع أحياناً، من دون الاهتمام بالمحتوى إن كان يستحق أجزاءً أخرى أو لا، فالمداخيل الضخمة تغري، والفن في هذه المساحة يخضع لمقياس مادي حاد، يبرر ذاته، ويخترع فنياته، التي يدور حولها ألف سؤال وسؤال عن ماهية الإبداع وعلاقته بالجوانب الاقتصادية.

وفي هذا المجال يصح إخضاع أي فن، إلى سياق التفسيرات الاقتصادية لحركة التاريخ على أنها مادية بحتة، من دون لبس معنوي أو روحي، مع ان الفنانين إجمالاً يرفضون هذه الحتمية، مراوغة تارة، وبصدق مقنع تارة أخرى.

هذا لا يلغي أن القلة من الأفلام تستوجب إنتاج أجزاء أخرى. ولكن يجب ألا يغيب عن بال صناع السينما أن الفيلم ليس دراما تلفزيونية على الطريقة الأميركية أو المكسيكية التي لا تنتهي حلقاتها، وقد تطول وتتجاوز المئة حلقة في عشرات السنين، وإلا عندها تكون الفنون قد اختلطت ببعضها إلى حد تضيع معه خصوصية كل فن، وبالتالي يفقد هويته الملازمة لطبيعته.

«غريزة أساسية» في جزئه الثاني بعد 14 عاماً على جزئه الأول الذي أخرجه الهولندي بول فدهوفن، ولعب دور البطولة فيه بمواجهة شارون ستون، الممثل مايكل دوغلاس بدور الشرطي الذي يقع في غرام المتهمة بجرائم قتل لأكثر من رجل، قضوا بعدة ضربات بمخرز الثلج في لحظات حميمية ومحرجة، تزيد من الالتباس المطلوب في هذه النوعية من السيناريوهات، خاصة وأن المرأة التي تدور حولها الشبهات مثقفة وكاتبة روائية وحسناء تدفع بمن يقابلها إلى حافة الإثارة المطلقة، التي قد تؤدي إلى حتف مؤكد.

كاثرين ترامبيل تنتقل من الولايات المتحدة إلى لندن من دون أي تفسير، حيث تقع جريمة قتل رياضي معروف بطريقة غامضة، فتدور حول الكاتبة الشبهات، لكن الشرطة لا تملك أدلة واضحة تدينها، فتقرر الاستعانة بطبيب نفساني كي يساعد بفك خيوط التركيبة النفسية لهذه المرأة، فيقع فريسة لأهوائها كما حدث مع الشرطي في الجزء الأول من الفيلم، بإشارة واضحة إلى قوة شخصية المرأة الجميلة ذات الذكاء «الكبير» يؤدي دور الطبيب الممثل ديفيد موريسي الوسيم أكثر مما هو مؤد لأدوار مهمة في تاريخه الفني.

شاهدناه منذ بداية تسعينات القرن الماضي في عدة أعمال لم يبرز فيها أو يلفت إلى قدرته لأن يكون من الأسماء ذات المستوى الرفيع.

أخرج الجزء الثاني من «غريزة أساسية» المخرج الانجليزي مايكل كايتون جونز صاحب عدة أفلام مهمة منها: «سيتي باي ذا سي» بطولة روبرت دونيرو الذي عمل مع جونز أيضاً في الفيلم الرائع «هذه حياة الأولاد» 1993، وهو أدار بروس ويليس في أفضل أدواره في فيلم «ذا جاكيل» هنا في «غريزة أساسية» يؤكد جونز قدرته على تعدد أساليبه في الرؤية البصرية، وتنوع زوايا اللقطات الموحية والمرمزة وإدارة الإضاءة والتصوير.

من خلال العمل بدقة على الظلال في السينوغرافيا العامة الجيدة، بصرياً والتي لا ينقصها سوى الحبكة القصصية الجيدة الغائبة في هذا العمل، فالمشاهد يعرف إلى ما ترنو إليه الحكاية، خاصة وأن العمل تكملة لفيلم أول لا يحتاج إلى تكملة أصلاً، لأنه حقق مبتغاه ولا يحتاج إلى جزء ثانٍ.

قرر لسبب تجاري فقط من قبل منتج ذكي وحقق أرباحاً هائلة في إنتاجات شركته الخاصة، وهو من أصل عربي سوري يدعى ماريو قصار أنتج أفلاماً تجارية كثيرة نجحت في تحقيق أرباح هائلة في تاريخ السينما الأميركية منها سلسلة «رامبو» مع سيلفستر ستالوني، و«ترامينتور» مع أرنولد شوارزينغير الذي عمل مع هذا المنتج في «ميثين» وقصار صنع من الممثلين المذكورين نجوماً كباراً على شباك التذاكر ورفع أجرهما إلى أرقام خيالية وصلت حد التقاضي عن الفيلم الواحد إلى 25 مليون دولار أميركي.

كما فعل مع شارون ستون نفسها التي كانت مغمورة إلى حد بعيد قبل أن يمنحها قصار فرصتها الذهبية الكبيرة في الجزء الأول لهذا العمل الجديد، الذي انتقلت عبره ستون إلى مصاف النجوم الأوائل في هوليوود، لكنها لم تقدم أي دور يُذكر بقوته في تاريخها السينمائي، إذا ما قورنت مع حسناوات هوليوود الأخريات مثل: انيت بنينيغ وميثال بفايفر اللتان أثبتا أنهما أكثر من دمى جميلة بشعر أشقر.

فشارون ستون اعتمدت على الدوام على الإغراء الذي نجحت فيه لمرة واحدة بإدارة بول فيرهوفن في عام 1992 حين أنتج الجزء الأول لهذا الفيلم، وهي في الجزء خسرت الكثير من رونقها بعد 14 عاماً، وهذا طبيعي لكنها لم تدرك على ما يبدو أنها أصبحت كبيرة على لعب أدوار كهذه.

«غريزة أساسية» أخذ وقتاً طويلاً قبل أن توافق عليه أجهزة الرقابة المحلية لعرضه، وخسر الكثير من المشاهد المجانية المثيرة المقطوعة منه، بالنسبة ذاتها تقريباً التي حذفت من العمل في النسخة التي عُرضت في الولايات المتحدة الأميركية على عكس الصالات الأوروبية التي تعودت أن تعرض الشريط كاملاً من دون أي حذوفات. يبدأ عرض الفيلم في الصالات المحلية بعد يومين.

دبي ـ حسين قطايا: