يرتاد راشد احمد الشامسي مدير عام مؤسسة الإمارات العامة للبترول (إمارات) مجالات استثمارية متعددة للوصول إلى حزمة من المنتجات والخدمات التي تشكل فيما بينها قاعدة قوية لتعزيز الوضع المالي للمؤسسة، بحيث تعوض المكاسب المتحققة في احد المجالات الخسائر المسجلة في مجالات أخرى، وبحيث تعادل »سنوات العجاف« أي السنوات التي تتكبد فيها المؤسسة خسائر في عملياتها »سنوات السمان« أي السنوات التي تحقق فيها المؤسسة أرباحا صافية.

ويجد الشامسي نفسه في معترك البحث عن نقطة للتوازن بين الخسائر والمكاسب أشبه بمن يسير على خط مشدود من طرفيه، يستلزم منه السير الآمن والسلس مراعاة التوازنات الدقيقة من خلال النظرة المجردة الخالية من العواطف إلى معادلة الربح والخسارة، والانطلاق من قاعدة استثمارات متنوعة، تتيح إمكانية التحوط من مخاطر تقلبات أسعار الوقود.

ويتحدث الشامسي عن الكيفية التي بها يدير مثل هذا الوضع البالغ التعقيد بقوله: هناك سنوات نسجل فيها أرباحا عالية، وسنوات أخرى نحقق فيها أرباحا منخفضة في قطاع التجزئة، ونحن في مؤسستنا نمتلك قنوات أخرى ناجحة والتي تساعدنا في تعويض الخسائر التي نتكبدها في قطاع التجزئة،

وبوصفنا شركة توزيع نفطية، نمتلك رؤية طويلة الأجل بشأن هوامش الأرباح، ويتم تحقيق مستويات هذه الهوامش على نحو ثابت ومنظم خلال أجل المشروع الاستثماري. ونحن نمتلك النضج الكافي لوضع العواطف جانبا بشأن صعود أسعار النفط والتكاليف المصاحبة، من خلال وضع متوسط لتكلفة المنتج، ورسم منحنى يعكس كيفية الوصول بشكل مباشر إلى نقطة تحقيق هوامش أرباح مريحة.

هوامش أرباح مريحة

وفي معترك بحث الشامسي عن المنتجات الاستثمارية التي تدر هوامش أرباحاً مريحة، يؤمن إيمانا جازما بأهمية عدم انخراط المؤسسة في مجالات تبعد عن دائرة عملها الأصلية، وبالتالي فهو يؤمن بأهمية التخصص، ومن وجهة نظره، ليس من السهل على شركة تعمل في مجال تسويق المنتجات المكررة أن توسع مجال عملها إلى عمليات التنقيب والإنتاج، إذ يتطلب الدخول في هذا المجال امتلاك النفاذ إلى التكنولوجية المتقدمة وخبرات العمل، في حين، يتركز اهتمام العاملين في المؤسسة على الأنشطة المتعلقة بعمليات التكرير والتسويق.

وعليه، استبعد الشامسي انخراط مؤسسة الإمارات العامة للبترول (إمارات) في الأنشطة المتعلقة بالتنقيب والإنتاج خلال المستقبل المنظور، على اعتبار أن هذا المجال ينطوي على قواعد لعبة مختلفة، وعلى اعتبار أن مؤسسة تفضل الانخراط في الأنشطة التي تؤديها بشكل جيد، وتتمثل حصرا في تسويق المنتجات البترولية في الأسواق المحلية والخارجية.

المنافسة تحقق التفوق

ورغم التحديات الناجمة عن تعدد اللاعبين في السوق المحلي للمنتجات البترولية، إلا أن الشامسي يؤمن بقيمة المنافسة، ويرى فيها باعثا ومحركا على التفوق والتميز، ويتحدث عن هذا المجال قائلا: تفرز المنافسة التفوق، ولم يعد الاحتكار أمرا طبيعيا في أي مناخ اقتصادي، ورغم أن شركات توزيع المنتجات البترولية تعتبر شركات حكومية، إلا أن وضع ملكيتها مسألة مختلفة، حيث تملك الحكومة الاتحادية مؤسسة الإمارات العامة للبترول (إمارات) بالكامل، وتمتلك حكومة دبي شركة »اينوك«،

وتمتلك حكومة أبوظبي شركة »أدنوك«، وشبه وضع شركات توزيع المنتجات البترولية وضع البنوك، من ناحية وجود عدد كبير منها، تمتلك فيها الحكومة حصصا، وهذا ليس مع معناه أن تثبط الحكومة روح المنافسة بأن تعرقل عمل البنوك التي لا تمتلك فيها حصصا، وبالفعل تمتلك شركات توزيع المنتجات البترولية أصولا متعددة، وهي تبذل كل ما في وسعها لتقاسم الخدمات والمنشآت، كما أنها تتعاون فيما بينها لتعظيم الاستفادة من هذه الأصول، وإذا كان بإمكان شركات النفط المحلية التشارك في المنشآت مع شركات النفط العالمية، فإنه من السهل عليها أن تتعاون فيما بين بعضها البعض.

وعلى غرار شركات توزيع مشتقات الوقود الإماراتية الأخرى، تواجه مؤسسة الإمارات العامة للبترول (إمارات) وضعا ضاغطا ناجما عن فروق الأسعار العالمية لبيع البنزين بالجملة وأسعار البيع المحددة محليا، نتيجة لنهوض الدولة بمسؤوليتها الاجتماعية في مجال تسعير الوقود،مما يعني تكبدها وتكبد غيرها من الشركات العاملة في البلاد لخسائر كبيرة دورية،وتضع هذه الصيغة تضع شركات بيع الوقود بالتجزئة في موقف صعب أي أنها معرضة للخسائر في حال تقلب الأسعار العالمية.

فروق الأسعار

ولمواجهة مثل هذا التحدي الحرج، تقوم مؤسسة الإمارات العامة للبترول (إمارات) بتجميع الاحتياطيات والسيولة الفائضة المحققة في ما سماه »السنوات السمان« لمجابهة الأوضاع الصعبة في »السنوات العجاف«. وتفيد هنا تقديرات المؤسسة في عام 2003 أن متوسط الخسائر الشهرية يبلغ 15 مليون درهم ( 4.1 ملايين دولار) والتي يتم تعويضها من ارباح النشاطات الأخرى التي تمارسها »إمارات« وخاصة قطاع الزيوت وبيع وقود الطائرات.

وقد حققت »إمارات« في عام 2002 نموا سنويا بمعدل وسطي بلغ 12%، وبلغت العوائد الإجمالية نحو 2.5 مليار درهم (681 مليون دولار) فيما بلغ صافي الارباح نحو 240 مليون درهم (66.6 مليون دولار).

وفي هذا المجال، تحرص المؤسسة على تطبيق مفهوم المحطة المتكاملة، ليس لاعتبارات تتعلق بالارتقاء بمحطات التزويد بالوقود إلى مصاف المحطات المتواجدة في دول العالم فحسب، ولكن أيضا لاعتبارات تتعلق بالربحية، وتعويض خسائر بيع منتجات البنزين.

ويتجسد هذا المفهوم في الجيل الجديد من المحطات التابعة للمؤسسة المنتشرة في دبي والإمارات الشمالية، على نحو ينسجم مع استراتيجية المؤسسة والتزامها تجاه عملائها، بتوسيع شبكة محطاتها ونشرها في مختلف المناطق الحيوية والمهمة، سواء كانت سكنية أم صناعية أم تجارية، وبشكل يسهل على مرتاديها الوصول إليها،

والاستفادة من مختلف خدماتها العصرية، يرتفع عدد محطات الخدمة من الجيل الجديد التابعة للمؤسسة في دبي والإمارات الشمالية إلى69محطة، منها 39 محطة في دبي وحدها، ويتوفر في بعضها، إضافة إلى خدمات بيع الوقود، متجر البيع المتنوع »إمارات بلاس«، الذي يجسد المفهوم الحديث والعصري لمتاجر البيع المتنوعة التابعة للمؤسسة، ويعد نقلة نوعية ومتطورة لسلسلة متاجر »إمارات«،

من حيث روعة التصميم والخدمات المبتكرة، كما تتوفر خدمة الوجبات السريعة والاستهلاكية والكمالية والصحف والمجلات والمرطبات والمأكولات الخفيفة والساندويتشات والخبز الطازج والمعجنات والحلويات، إضافة إلى نكهات متنوعة من القهوة العربية والايطالية والأميركية والشاي المثلج.

تنويع قاعدة الاستثمارات

وإلى جانب حرص المؤسسة على تحقيق الأرباح من أنشطة التسوق في محطاتها، انتهجت منذ إنشائها سياسة توسيع وتنويع قاعدة استثماراتها لتشمل شركاء عالميين لديهم الخبرة التقنية والتسويقية المطلوبة لتحقيق أعلى مستويات النجاح في القطاعات المختلفة.

وفي هذا الإطار، تأسست في عام 2004 شركة »امويل« لتخزين المشتقات البترولية في المنطقة الحرة بجبل علي بموجب عقد شراكة بين »إمارات« وشركة »بي بي« ومجموعة »ترافيجورا«، ويشتمل المشروع على بناء 9 خزانات لخلط وتوليف وتخزين الجازولين عالي الجودة، إضافة إلى تخزين المواد الأولية بطاقة استيعابية تقدر بنحو 203 آلاف متر مكعب. وتبلغ حصة »إمارات« فيه 60 % فيما تتوزع النسبة الباقية بالتساوي بين »بي بي« و»ترافيجورا«.

وقد جرى تصميم المشروع، الذي يشغل مساحة 47ألف متر مربع، بتكلفة تصل إلى 33 مليون دولار باستخدام احدث التقنيات الفنية والتكنولوجية لضمان كفاءة التشغيل ومراعاة معايير السلامة البيئية، ولتحقيق أقصى مرونة في التشغيل والتوصيل، سيتم مد خطوط أنابيب تربط المشروع بمرافئ تصدير النفط الثلاثة في ميناء جبل علي، ليشكل بذلك مركزا رئيسا للتوزيع. وينسجم هذا المشروع مع توجهات المؤسسة نحو تطوير الأعمال والدخول في شراكات جديدة بهدف تنويع الخدمات والمنتجات التي يتم توفيرها.

وفي سياق تنويع المنتجات الاستثمارية للتحوط من مخاطر تقلب أسعار الوقود تم انجاز العمل من قبل شركة دانة غاز ومؤسسة الإمارات العامة للبترول »إمارات« في انجاز المرحلة الأولى من مشروع أنبوب الغاز المشترك في وقت قياسي وبوشر بتشغيل المرحلة الأولى من مشروع أنبوب غاز الحمرية، وذلك بموجب اتفاقية التعاون المشترك بينهما.

ويتضمن المشاركة في تنفيذ أول خط أنابيب مشترك في المنطقة لنقل الغاز إلى محطات الطاقة والمستهلكين الصناعيين، وذلك على أساس المشاركة في التملك والتشغيل بنسبة 50 بالمئة لكل من الشركتين. وتضمنت المرحلة الأولى من المشروع إنشاء خط أنابيب بقطر 10 بوصات وربطه موقعيا بمنشآت قائمة تابعة إلى »إمارات«،

وسيقوم هذا الأنبوب بإيصال الغاز إلى المحطة الجديدة لتوليد الطاقة التابعة إلى هيئة كهرباء ومياه الشارقة (SEWA).، وجسد هذا المشروع الحيوي بصورة جلية وواضحة طبيعة العلاقات المتميزة والمثمرة، والتعاون القائم بين القطاعين العام والخاص، بما يسهم بشكل فاعل في دعم وتعزيز الاقتصاد الوطني.

ولعل دخول المؤسسة إلى هذا المجال الحيوي جاء في ظل حسابات تتعلق بتزايد استخدام الغاز الطبيعي كمصدر رئيس للطاقة على مستوى العالم، باعتباره من أهم بدائل الطاقة المتوفرة بكميات كبيرة، إضافة إلى دوره المهم في المحافظة على بيئة نظيفة وآمنة، مشيرا إلى الدور الذي تقوم به دائرة عمليات الغاز التابعة للمؤسسة التي أنشئت في العام 1984 بغرض تامين وتزويد المنشات المختلفة في الدولة من احتياجاتها من الغاز الطبيعي بعد تجميعه ومعالجته.

وتتضمن المرحلة الرئيسية المتبقية من المشروع إنشاء أنبوب للغاز بقطر 48 بوصة، يمتد من الصجعة إلى المنطقة الصناعية في الحمرية التي تشهد نمواً سريعاً وتبعد مسافة 32 كيلومتراً عن المجمع. إن هذا الأنبوب الذي ستبلغ طاقته مليار قدم مكعب في اليوم سيكون من أضخم خطوط الأنابيب في الإمارات و سوف يستخدم، بعد انجازه المتوقع نهاية هذا العام، في نقل الغاز المحلي والغاز المستورد إلى ثلاث جهات مستهلكة هي: هيئة كهرباء ومياه الشارقة (SEWA)، والهيئة الاتحادية للماء والكهرباء (FEWA)وشركة (CNGCL) الشركة الفرعية لدانة غاز المتخصصة بتسويق الغاز، ولقد تم التعاقد حول تجهيز قطع الأنابيب من اليابان وستصل إلى الموقع في شهر سبتمبر المقبل.

ولقد تضافرت في المشروع جهود إقليمية مشتركة حيث قام بتنفيذ الأعمال الهندسية للمرحلة الأولى شركة وورلي بارسون (Worley Parsons) من أبو ظبي وكان المقاول الأساسي للتشييد دتكو مكونيل داول (Dutco McConnel Dowell)من دبي وتم تجهيز مواد الأنبوب وتغليفه من قبل مجموعة القحطاني من المملكة العربية السعودية.

وفي فبراير من العام الماضي، وقعت مؤسسة الإمارات العامة للبترول »إمارات«، وشركة »بي.بي« العالمية وشركة »شل« على اتفاقية لإنشاء شركة »إمداد لتخزين وقود الطائرات« في المنطقة الحرة بجبل علي (تحت التأسيس )، برأسمال يبلغ 132 مليون درهم، ووزعت حصص الشراكة بواقع الثلث لكل شريك، وتهدف الشركة إلى بناء مستودع لتخزين وقود الطائرات في المنطقة الحرة بجبل علي، ومد خطوط أنابيب لنقل الوقود للمطار مع مراعاة أقصى إجراءات الأمن والسلامة والمحافظة على البيئة خلال عمليات النقل والتحميل.

وتعتبر الشراكة بين مؤسسة »إمارات: وشركتي »بي.بي« و »شل«، امتدادا لمشاريع مشتركة سابقة أثبتت جدواها ونجاحها، ما عزز الثقة لدى المؤسسة بأن يحقق المشروع الغرض والأهداف المرجوة منه.

وجاء إنشاء الشركة (إمداد) بعد دراسات وأبحاث شاملة ومعمقة تناولت احتياجات السوق المتزايدة من وقود الطائرات خاصة مطار دبي الدولي. خيث أشارت الدراسات إلى أن حجم الطلب اليومي على وقود الطائرات في مطار دبي الدولي، سيرتفع من 10.000 متر مكعب في الوقت الحاضر إلى نحو 26.300متر مكعب في العام 2010. وتنسجم هذه التوقعات مع معدلات النمو القياسية التي يحققها المطار في حركة الطائرات، وما يرافق ذلك من مشاريع توسعة ضخمة يتم إنجازها الآن في الموقع الحالي، إضافة إلى مشروع »مدينة مطار جبل علي« العملاق، والذي سيساهم في استقطاب المزيد من حركة الملاحة الجوية العالمية.

وعقب تأسيسها، وقعت شركة إمداد لتخزين وقود الطائرات في المنطقة الحرة بجبل علي، على عقد لبناء مستودع ضخم لتخزين وقود الطائرات في المنطقة الحرة بجبل علي مع شركة بيللي للطاقة بتكلفة 46 مليون درهم وبطاقة تخزينية تبلغ 140 ألف متر مكعب من وقود الطائرات. يمتد المشروع على مساحة 30.000 متر مربع.

وعلى هذه القاعدة المتنوعة من الاستثمارات، ينهض الشامسي بمسؤولية إدارة أعمال المؤسسة، بناء على نهج الإدارة الذاتية لمخاطر تقلبات أسعار الوقود والتي تؤمن له جني مكاسب من بعض الأنشطة لتعويض خسائر أنشطة أخرى، واستخدام فوائض الأرباح لتعويض الخسائر التي تتكبدها الشركة في سنوات العجاف، وتعد هذه التوليفة من التوازنات بمثابة الدفة التي بها يدير الشامسي أعمال الشركة في ظل أجواء يخيم عليها في معظم الوقت عدم اليقين بشأن ما سوف يحمله الغد بخصوص أسعار النفط.

المنافسة.. قيمة عليا

يؤمن الشامسي بمبدأ المنافسة، ويرى فيها باعثا ومحركا على التفوق والتميز، ويتحدث عن هذا المجال قائلا: تفرز المنافسة التفوق، ولم يعد الاحتكار أمرا طبيعيا في أي مناخ اقتصادي، ورغم أن شركات توزيع المنتجات البترولية تعتبر شركات حكومية، إلا أن وضع ملكيتها مسألة مختلفة، حيث تملك الحكومة الاتحادية مؤسسة الإمارات العامة للبترول (إمارات) بالكامل،

وتمتلك حكومة دبي شركة »اينوك«، وتمتلك حكومة أبوظبي شركة »أدنوك«، وشبه وضع شركات توزيع المنتجات البترولية وضع البنوك، من ناحية وجود عدد كبير منها، تمتلك فيها الحكومة حصصا، وهذا ليس معناه أن تثبط الحكومة روح المنافسة بأن تعرقل عمل البنوك التي لا تمتلك فيها حصصا، وبالفعل تمتلك شركات توزيع المنتجات البترولية أصولا متعددة، وهي تبذل كل ما في وسعها لتقاسم الخدمات والمنشآت، كما أنها تتعاون فيما بينها لتعظيم الاستفادة من هذه الأصول، وإذا كان بإمكان شركات النفط المحلية التشارك في المنشآت مع شركات النفط العالمية، فأنه من السهل عليها أن تتعاون فيما بين بعضها البعض.

دبي ــ مجدي عبيد: