لم يعد ممكناً غض النظر عن تداعيات المد العمراني الذي يجتاح معظم إمارات الدولة، والتي تتلخص في مجموعة نقاط آخذة في التكاثر مرسلة إلى المعنيين بـ «رسالة تحذير قوية» يرى المراقبون ضرورة أخذها على محمل الجد،

وهي «تزايد اعداد الوافدين إلى الدولة ما يرفع الطلب على الوحدات السكنية في سوق يعاني من نقص حاد في المعروض بسبب عدم مقدرة قطاع الإنشاءات على انجاز المشاريع في مواعيدها المحددة مما وضع اغلب المطورين في خانة «غير الملتزمين بوعودهم». فيما يلوذ بعض المطورين في القطاع الخاص بالصمت بعد أن أطلقوا مشاريع بالمليارات على صفحات الجرائد فقط !!

ويرى بعض الذين يودون إيقاد شمعة في الظلام بأن الحل يكمن في ضرورة إصدار بعض التسهيلات المتعلقة باستقدام شركات الاستشارات الهندسية وشركات المقاولات لتساعد في ردم الفجوة الحاصلة في عدد المقاولين ما يعين قطاع الإنشاءات على انجاز المشاريع لتدخل الأخيرة إلى السوق فتهدأ من «روع» الطلب على العقار.

لكن على الجانب الآخر هناك من يرى بأن المقاول سيتضرر إذا دخلت شركات المقاولات الأجنبية بقوة لأنها تملك مقدرة تنافسية تتفوق على المقاول المحلي على الرغم من النتائج الكبيرة للأخير والذي سيعمل لاحقا بالباطن لدى المقاول الأجنبي صاحب العقد الرئيسي لتنفيذ كل المشاريع!!

وهكذا لا تخرج الحلول سهلة مقابل بعض التنازلات، ومن ناحية ثانية فإن أي تدخل لوقف تدفق الوافدين الجدد وتراكم المشاريع الإنشائية سيؤديان إلى تضخم في المعروض من العقارات..... الرئيس التنفيذي لدبي للعقارات العضو في دبي القابضة هاشم الدبل يقول إن السوق العقاري يئن من مشكلة نقص المقاولين

وتحديدا مقاولي الباطن وهذا النقص للأسف ساهم إلى حد كبير في تأخر دخول العديد من المشاريع إلى حيز التنفيذ أو انجاز المشاريع بما يسمح بتهدئة الطلب ازاء العرض في السوق. وأشار الدبل إلى ان مشكلة نقص المقاولين ليست محلية بل هي تمتد على مساحة الوطن العربي

بحيث نرى ان الحصة الأكبر من تنفيذ المشاريع تذهب إلى المقاول الأجنبي فقد «تحولت عقود مشاريع البناء العربية خلال العقد الأخير إلى معركة غير متكافئة يتقابل فيها المقاول العربي أمام المقاول الأجنبي. ولكن الغلبة في تلك المعركة غالبا ما تكون للأجنبي مع أن العربي يلعب على ملعبه ووسط جمهوره!!

ولا يحصد المقاول العربي غير 15 أو 20% من قيمة عقود الاستثمارات في الإنشاءات العربية المقدرة ب100 مليار دولار سنويا. إلى جانب القليل من الإعجاب على تطوره في تنفيذ المشاريع البسيطة، لكن المقاول الأجنبي يحصل على الإعجاب وعلى العدد الأكبر من شيكات تلك العقود !!

المثير ان بعض المقاولين العرب يؤكدون ان المقاول الأجنبي يحصل على عقود البناء في البلدان العربية لكن اغلب المقاولين الأجانب يستعينون بالمقاول العربي لتنفيذ تلك المشاريع (من الباطن) لانشغال المقاول الأجنبي بمشاريع أخرى!! وهذا دليل (غير معلن) على مدى مقدرة المقاول العربي على مقارعة الأجنبي.

ويتساءل الدبل: لماذا نستقبل المقاول الأجنبي بالورود والابتسامات ونفتح له الأبواب والجيوب على مصراعيها في مشاريعنا العربية بينما يلاقي المقاول العربي العبوس وتضرب بوجهه أبواب كل الدول الأجنبية؟

أما السؤال الذي ربما لا يجرؤ أحد على طرحه ولا يفكر احد بالإجابة عنه فهو: هل هناك مصالح من العيار الثقيل تمنع زيادة حصة المقاول العربي من المشاريع التي تنفذ على الأراضي العربية؟؟ أم ان الأمر يتعلق بكفاءة وجودة المقاول الأجنبي وضعف أداء المقاول العربي؟..

مطلوب مقاول أجنبي!

يعتقد رئيس داماك القابضة حسين سجواني أن دخول اعداد كبيرة نسبيا إلى قطاع التطوير العقاري منطقية عندما تعود بالفائدة على السوق وعلى المطورين انفسهم لكن عندما لا يتمكن المطور الصغير الذي دخل السوق حديثا ولأسباب متعددة من الفوز بحصة مماثلة لحصة المطورين الرئيسين المعروفين على صعيد المبيعات فان هذا الوضع ادى لاحقا إلى «تورط» المطورين الصغار، ما يجعلنا نعتقد بانهم سيواجهون اياما «مرة».

فهذه الشركات المطورة الصغيرة دخلت السوق مدفوعة بالنتائج المتقدمة التي حققها السوق قبل عامين فباشرت من جانبها السعي إلى الفوز بنصيب من الكعكة فدخلت مجال التطوير العقاري وبدأت تعلن عن بناء أبراج ووحدات سكنية وأطلقت لذلك حملات إعلانية ضخمة لكن المفاجئ كما أسلفت هو ان النمو تراجع رغم استمراره.

ويرى سجواني بأن جملة أسباب تقف وراء تراجع اداء المطورين الصغار ابرزها عدم دراية أو كفاءة المطور الصغير وقلة خبرته «وفي اعتقادي ان المطور الصغير سيواجه مشكلات ومصاعب جمة في العام المقبل وسيعيش أياماً سوداء نتيجة تزايد الأعباء المالية والأحمال على كتفه».

ودعا سجواني المطورين الذين يدخلون إلى السوق إلى بذل جهد أكبر لقراءة معطيات السوق ووقائعه قبل الانخراط في عملياته. كما يجب على أولئك المطورين ان لا يحلقوا بأحلامهم في السماء لمجرد انهم شاهدوا الناس تقف في الطوابير والمشاريع تباع على الخريطة وتكاد الشركات لا تلحق بالطلب المتزايد والمتنامي، وفات على هذا المطور أو ذاك ان يتحسب للسوق وتقلب أحواله إذ لا يوجد سوق في العالم يبقى على الوتيرة ذاتها.

نقص حاد ومشاكل

وحول التأخر في المشاريع على خلفية نقص عدد المقاولين يقول سجواني «ما يحدث في سوق الإنشاءات من نقص حاد في اعداد المقاولين وتحديداً اعداد مقاولي الباطن بات يشكل تهديداً حقيقياً للطفرة العمرانية، فالمطور ملتزم بمواعيد تسليم للمشترين

وهو في الوقت نفسه ملزم بتسديد التزامات مالية سواء للبنوك أو غيرها لكن ما الذي نفعله أمام النقص الحاصل في عدد المقاولين في السوق، لقد أصبحنا نرسل إلى 20 مقاولاً بانتظار تقديم عطاءاتهم ولا نحصل على أكثر من 5 عطاءات لأن البقية مشغولون بتنفيذ مشاريع».

وأضاف «لقد أصبح المطور يقف في الطابور ان صح التعبير لكي يحصل على مقاول!! ولو جئت للحق فإن ما يحصل في سوق البناء فيما يتعلق برفض المقاولين لكثير من المشاريع لعدم توفر الوقت الكافي أمامهم ولالتزامهم بمشاريع أخرى لا يخدم المسيرة العمرانية التي دخلت مرحلة جديدة من الطفرة. هذا غير ان شركات المقاولات

تتحسب الآن لارتفاعات جديدة في أسعار مواد البناء عقب قرار زيادة البترول وزيادة أسعار الأسمنت التي تجعل المقاول أكثر حذراً قبل الدخول في أي مشروع وبالطبع فإن ذلك لا يعني أن المقاول سيقاطع سوق مواد البناء الذي سيرفع أسعاره كونه يعتمد في إنتاج ونقل مواد البناء على الوقود بدرجة كبيرة،

مما سيجبره على رفع تكاليف البناء على المالك والذي سيقوم بدوره بتحميلها للمستأجرين أو مشتري العقارات بهدف السكن، ليتلافى أية خسائر أصبحت في نطاق الحقيقة والواقع ولا تندرج في خانة التوقعات.

ويرى سجواني ان الحل يكمن» في دعوة المقاول الأجنبي إلى القدوم للدولة للمشاركة في عمليات البناء لسد النقص الحاصل في السوق. ومثلما تقوم دائرة السياحة في دبي بحملات دعائية في الأسواق العالمية لتسويق دبي والترويج لها نحن بحاجة إلى برامج مماثلة نقوم فيها في الخارج لحث المقاولين الكبار والشركات العالمية المتخصصة في المشاريع العملاقة على القدوم إلى دبي.

رفض وتبرير

وحول عدم قبول بعض المقاولين دخول المقاول الأجنبي إلى السوق لينافس المحلي على حصته وليس على صعيد كفاءة الأداء أوضح سجواني « ما الذي يزعج المقاول المحلي إذا ما جاء المقاول الأجنبي؟ المشاريع تكفي الجميع والى الدرجة التي غيرنا فيها دفة الحديث من مرحلة التضخم في عدد المقاولين إزاء المشاريع التي لا تكفيهم إلى المرحلة التي بتنا نواجه فيها تحدياً كبيراً نجم عن النقص الحاد في إعدادهم إزاء الحجم الكبير المطروح من المشاريع.

خذ مثلاً مشروعا تنفذه أكبر الشركات العقارية في الدولة لكنه يعاني من تأخر بعض مراحل التنفيذ نتيجة عدم وجود مقاولين في السوق. ثم نسمع عن رفض البعض لقدوم عدد من المقاولين الأجانب لسد النقص».

«الأجنبي» يستعين «بالوطني»!!

ويعلق نائب رئيس مجلس إدارة جمعية المقاولين ورئيس احد أهم شركات المقاولات في العاصمة ابوظبي أحمد خلف المزروعي، على الدعوات المطالبة باستقدام شركات مقاولات لتغطية عجز أكيد في عدد مقاولي الباطن وربما تعرقل عملية تنفيذ المشاريع المزمع إطلاقها، بالقول «هذه الدعوات تصب في صالح المقاول الأجنبي الذي لم يعد الرقم واحد

لاسيما بعد ان أثبتت شركات المقاولات المحلية مقدرتها على تولي تنفيذ مشاريع ضخمة بنفس الكفاءة الأجنبية ان لم تتفوق عليها. ولفت المزروعي إلى حقيقة ان المقاول الأجنبي كثيرا ما يفوز بالعقود ومن ثم يمنحها للمقاول الوطني لينفذها في مفارقة مؤلمة».

ودعا المزروعي إلى ان تكون الأفضلية في منح المشاريع إلى المقاول المحلي الذي رافق عمليات البناء منذ 30 عاما وضحى كثيرا ليصل إلى ما وصل اليه. وأوضح ان المقاول الأجنبي يأتي إلى البلد مع بضعة مهندسين بينما العمالة والآليات وباقي مستلزمات تنفيذ المشاريع موجودة ومتوفرة لدى المقاول المحلي.ويؤيد المزروعي قيام تحالفات محلية محلية أو محلية أجنبية لمواجهة أي نقص في عدد الشركات.

وأكد على صعيد آخر على الدور الذي تلعبه جمعية المقاولين في توفير الحماية اللازمة للمقاول وتوفير سبل دعمه للنهوض بواقع صناعة الإنشاءات وحماية السوق من تلاعبات محتملة لا سيما ان شركات المقاولات تتناقل حاليا أقاويل عن احتمال ارتفاع أسعار مواد البناء.

ويلفت المزروعي إلى حقيقة ربما تغيب عن أذهان الكثيرين وهي ان المقاول الأجنبي كثيراً ما يستعين بالمقاول الوطني لتنفيذ المشاريع التي يحصل عليها (من الباطن) نظراً لانشغال المقاول الأجنبي بمشاريع أخرى،

وهذا يدعو إلى التساؤل حول الأسباب التي دفعت إلى ترسية المناقصة على المقاول الأجنبي في حين كان بالإمكان ترسيتها على المقاول المحلي الذي اثبت انه يستطيع إنجاز المشروع بعد ان حصد خبرة طويلة وأصبح متمكناً وقادراً على أن يكون نداً حقيقياً لمنافسه الأجنبي في تنفيذ أكبر المشاريع.

ويضيف بأن الضرورة التي أباحت وجود شركات المقاولات الأجنبية في وقت ما، لم يعد لها وجود الآن وان الاستمرار في الاعتماد عليها من شأنه أن يهدد كيان الشركات الوطنية العربية التي لابد وأن تحظى بكل الدعم والمساندة على اعتبار أنها عصب قطاع يعد من أهم القطاعات الاقتصادية في بلادنا العربية بل ويعد خياراً استراتيجياً لتنوع مصادر الدخل القومي لها.

أسباب.. وأسباب

الدكتور عماد الجمل الخبير والمحكم الدولي في قضايا فض المنازعات يرى ان اللوم دائما يكون من نصيب المقاول حتى عندما يكون هناك نقص في عدد المقاولين فنحن نسمع عبارات مثل «بالتأكيد هناك نقص لان المقاول شبع من الملايين ولم يعد يريد العمل»!! وهكذا دائما يتعرض المقاول إلى العتب.

وأشار المقاول يتعرض إلى الانتقاد عندما يقوم برفع أجوره أو رفع تكلفة البناء، دون ان يسأل احد عمن يقف وراء قيامه برفع أسعاره!!ويضيف الجمل المشكلة على الجانب الآخر لا نجد من يسأل مثلا «لماذا يستمر المقاول بتكبد خسائر مالية كبيرة».

ووصف الجمل علاقة المقاول بالخسائر بأنها على ما يبدو (أبدية) ولن تزول!!واقترح الجمل ان يتم إعادة النظر في جملة امور وابرزها نظام تصنيف المقاولين ليكون هناك اساس لمن يسمح له بتنفيذ هذا المشروع دون ذاك وهذا بالطبع سيقود إلى فرز شركات المقاولات ويوضح حجم النقص في الاختصاص المطلوب لا ان نأتي ونكتفي بالإشارة إلى ان هناك نقصا في عدد مقاولي الباطن.

وأشار الجمل إلى ان المقاول يتحمل اعباء عديدة لها أول وليس لها آخر وتبدأ بأسعار الوقود، وتنتهي بالضمانات البنكية التي يجب على المقاول أن يدفعها عند استقدام العمالة، كما يجب أن يكون هناك تنسيق وبرمجة لعملية إطلاق المشاريع لان تهافت المالك على البناء، واستعجاله انجاز الأبراج السكنية والتجارية التي تشهد طلبا مرتفعا للغاية، يجعل المقاول بشكل أو بآخر مندفعاً هو الآخر إلى رفع أسعاره، فيقع في دائرة الاستغلال.

ويضيف الجمل، وحتى يتراجع المقاول عن أسعاره الجديدة يجب أن تكون هناك حركة تصحيحية لأسعار مواد البناء فأسعار الاسمنت لا تزال مرتفعة.ودعا إلى بذل الجهود لترسيخ الاستقرار في سوق مواد البناء التي إذا ما ترنحت، فإنها تطال بنتائجها السلبية العديد من الفعاليات التجارية والاقتصادية المهمة والتي لها تأثير مباشر في الحياة اليومية للناس والمجتمع.

تحقيق: مشرق علي حيدر