اقتصاد الإمارات الذي حير الجميع بخلطته السحرية التي جعلت منه واحداً من أقوى اقتصادات دول المنطقة، ألهب حماس أحد مواطنيها واشعل في مخيلته فكرة تطوير برج بتصميم غير مسبوق يعكس قوة ذلك الاقتصاد ويعطي انطباعا بالتجربة الإنسانية الفريدة التي سيوفرها لسكانه. فتحولت الفكرة إلى حقيقة اسمها «أبراج هيدرا- التنين» .
مشروع الأبراج يحمل اسم هيدرا- التنين وتملكه شركة هيدرا العقارية التابعة لمجموعة رويال جروب ومقرها ابوظبي. وقصته بدأت عندما قررت الشركة تطوير مشروع في الخليج التجاري وفي موقع استراتيجي يطل على شارع الشيخ زايد.
اولى الخطوات كانت على الطريقة الغربية . د. سليمان الفهيم الرئيس التنفيذي لشركة هيدرا العقارية يرسل طلب الشركة عبر الايميل إلى الرئيس التنفيذي لشركة أي سي دي المهندسة زينة مالك، ويؤكد لها رغبة الشركة بتطوير مشروع أبراج غير تقليدية متعددة الاستخدامات بين التجاري والفندقي في اطار الخليج التجاري،
فشرعت المهندسة مالك بالبحث عن شكل ومضمون ومعنى هندسي يلبي مطلب الشركة التي بالتأكيد لن ترضى بأبراج توفر اكبر قدر ممكن من المساحات التجارية القابلة للبيع وعلى حساب القيمة السوقية للأبراج لاحقا. قامت مالك اولا بالتعرف على وجهة نظر الدكتور سليمان الفهيم الذي يحمل شهادة الدكتوراه في العقار وتكاد هذه الشهادة الوحيدة على مستوى الدولة والعالم يحصل عليها مواطن من الخارج وفي احد اهم المواضيع المتعلقة بالتطوير العقاري.
كان الفهيم مأخوذاً بفكرة تطوير مشروع يجعل من اسم الشركة ينطلق كالصاروخ في سماء دبي المزدحم بالمطورين الذي نجح بعضهم في تحقيق سمعة قوية ومبيعات اقوى فيما فشل البعض الاخر بالوصول إلى المراتب الاولى بسبب غياب الرؤية العقارية والتخصص فراحوا يطورون أبراجا سكنية اشبه بعلب السردين يحشر فيها الناس حشرا
او توهموا بانهم يطورون أبراجا تجاريا مع انها شبيهة إلى حد ما بزجاجات المشروبات الغازية مع فارق واحد هو ان الاولى تساعدك على هضم الطعام بينما الثانية تساعد على التسبب بعسر هضم لدى الشركات المتورطة بالتأجير فيها لانها لا تصلح لاشغالها من قبل الشركات او المستثمرين.
تحديات
الدكتور الفهيم مثل أي مطور عقاري حريص على اسم الشركة وعلى سمعتها كان كثيرا ما يراجع ادق التفاصيل مع المهندسة زينة مالك التي كانت هي الاخرى تعاني من الفهم القاصر لبعض المطورين الذين يرومون تطوير أي مشروع باي طريقة وباسرع وقت وبارخص الاثمان شرط ان يكون قابلا للبيع بسرعة
وليس مهما ما سيوفره البرج من تجربة إنسانية لساكنيه لان الطلب في السوق مشتعل والعرض يعاني من انيميا حادة وهكذا يكون الفهيم ومالك التقيا عند نقطة ان لا يخرجا إلى السوق بمشروع معاق هندسيا او منسوخ عن مشروع هندسي عالمي مع بعض التحويرات التي تشوه الشكل الهندسي لذلك المشروع.
طلب الفهيم كل شيء في المشروع لانها مكونة من خمسة أبراج وكان على مالك ان توفر ذلك الـ «كل شيء» وفقا لفلسفتها التي عادة ما ترتكز على عناد له مبرراته العلمية والإنسانية.
الفكرة وتطبيقها
قال الفهيم لزينة «انه نشيط، وصاحب عزيمة وتصميم، وواثق من نفسه، ومتعدد المواهب، ومحظوظ» فسألت من جانبها «من تقصد» فأجاب «اقتصادنا» ابتسمت زينة لانها باتت تعرف ما يريد الفهيم. وهنا كان من المهم جدا الخروج بالشكل الهندسي فقال الفهيم «كل الصفات التي ذكرتها موجودة في التنين الشهير في الاسطورة الصينية»!!
هنا اصبحت المهندسة زينة قاب قوسين او ادنى من ترك الفهيم لتتوجه إلى مكتبها لتحدث فيه ثورتها التقليدية التي ستجرف معها كل الموظفين ومكاتبها خارج الإمارات لجعل الحلم حقيقة. زينة تؤمن بان الأعمال العظيمة كانت احلاما بسيطة في البداية.
عملت زينة أشهراً طويلة على الخروج بأبراج معمارية مخصصة لرجال الأعمال وباتت تفكر بالمزايا التي يجب توفيرها لاناس يصنفون على انهم أقوياء ومحظوظون جدا، وقلوبهم دافئة ومليئون بالطاقة الملتهبة وأذكياء ولهم جاذبية لا حدود لها تضمن أن يؤثروا بأفعال الأشخاص المحيطين بهم وتجعلهم مركز الاهتمام ويقدمون النصائح الجيدة.
هذه صفات رجال الأعمال وهي ايضا صفات التنين الذي يرمز قبل كل شيء إلى القوة ودوره الطبيعي هو أن يكون في موقع القيادة وفي المقدمة. وهذا ماحصل بالفعل خرجت المهندسة زينة بمشروع أبراج التنين «هيدرا» وهو يحمل في شكله ومضمونه كل تلك الصفات . ولكن كيف.
كيف؟
تعرف المهندسة زينة بأن دبي لم تعد «ترحب» بأي برج او مبنى وبأي تصميم هندسي معماري كان، ما لم يكن ذلك المبنى (على صعيد التصميم المعماري والتجربة الإنسانية التي سيوفرها) قادرا على اضافة «شيء ما جديد ومفيد» للمدينة وللمستخدم النهائي سواء اكان ذلك المستخدم مستأجرا ام مالكا او رجل أعمال او حتى مستثمرا.
لذلك قامت بتجسيد حركة التنين في الشكل الهندسي لمشروع الأبراج بما يسمح للاخيرة وعبر روحية الشكل النهائي لها بالاستفادة من تلك الحركة التي تعطي للناظر مشهدا جديدا للأبراج كلما تحرك بخطوات اخرى حول الأبراج.
وتجسد ذكاء مالك في احالة مخيلة الناظر للأبراج او الساكن والعامل فيها إلى «التنين الاسطوري وحركاته المهيبة» عندما وضعت المصاعد (وعددها 10) التي تنقل رواد الأبراج من خارج الأبراج وليس في داخلها كما جرت العادة، بحيث تتحرك المصاعد على جسد الأبراج الخارجية لتعطي (مشهدا بانوراميا) واحساسا مختلفا لمن يرتقي بها إلى محل عمله ثم لتعطي تلك المصاعد بحركتها منظرا مفعما بالحركة لمن يمر بالقرب من تلك الأبراج.
ثم كان التحدي الاكبر والاعقد بالنسبة لمالك عندما قررت ان لا تترك ثغرة في الشكل والمعنى الهندسي لأبراج التنين ويتلخص ذلك التحدي بكيفية ربط تلك الأبراج كما يحصل في التنين الذي عادة ما يكون بخمسة رؤوس!! نجحت المهندسة زينة في ربط الأبراج بطريقة غاية في البساطة والتعقيد في الوقت ذاته.
فالأبراج ترتبط مع بعضها في طوابق محددة ومعينة وليس في كل الطوابق. والى درجة ان احد المكاتب ربما ستمتد مساحته من برج لتدخل في برج اخر. وبالطبع فان سعر هذا المكتب لن يكون مماثلا لباقي اسعار المكاتب الاخرى في الأبراج ذاتها. المهم ليس التسعير والبيع من اهتمامات هذه القصة. لكن اين العصب التجاري للمشروع؟
العصب التجاري
وضعت المهندسة زينة مالك السر التجاري للمشروع في برج الفندق الذي يصطف إلى جانب باقي الأبراج الاربعة. هذا الفندق سيدار بطريقة غير تقليدية وسيفتح الباب امام صناعة فندقية غير تقليدية في دبي. فالنزيل سيحظى بفريق مهمته توفير كل احتياجاته من الابرة إلى الطائرة!!
الفريق سيكون بمثابة سكرتيرة شخصية لرجل الأعمال. بالاضافة إلى ان الكثير من رجال الأعمال لن يتمكنوا من العثور على بيت لحظة وصولهم إلى البلد الا بعد حين لكن هذا الفندق سيوفر من المزايا ما سيجعل منه منزلا مصغرا لرجل الأعمال او المستثمر.
نجاح
نجح الفهيم في الفكرة وتطويرها فيما نجحت مالك بالخروج بسلعة هندسية سيكون لها فعل مدو في السوق العقاري. وفي كل الاحوال لا تزال دبي بحاجة إلى مشاريع غير تقليدية لانها قدمت للجميع اكثر مما قدموا لها دون ان تنتظر منهم ذلك بقدر ما تطلب منهم ان يخرجوا عليها بفكرة تقليدية لتضمن لهم النجاح الغير تقليدي ايضا.
دبي ـ مشرق علي حيدر
