تمثل التقاليد والعادات حيزاً مهماً في نمط حياة المواطنين في بروناي ، ويمكن للزائر بين الفينة والأخرى معاينة بعض الحفلات الجميلة التي ترتبط بتقاليد الخطوبة والعرس وما شابههما، حيث يشكل الرقص الملايو بمصاحبة الآلات الموسيقية التقليدية فيها تشخيصاً حياً للحياة البروناوية اليومية وأساطيرها.
وتوفر الوحدات والمجمعات الرياضية ذات المواصفات العالمية العديد من التجهيزات والتسهيلات لمحبي وهواة رياضة كرة القدم والهوكي وألعاب القوى، والجولف والتنس والبادمنتون والكرة الطائرة والاسكواش وكرة الطاولة والسباحة والغوص والسنوكر والجري وغيرها، وهي رياضات تتمتع بشعبية كبيرة في بروناوي.
ولا شك أن الزائر سيندهش أيضا لمهارة الرياضيين البروناويين في مجال الرياضات التقليدية مثل سيباك تاكراو (رياضة مشابهة لرياضة الكرة الطائرة غير أن اللاعبين يستعملون أرجلهم بدلا من أيديهم ويستعملون كرة خفيفة من قصب الروطان)
ورياضة سيلات (رياضة الدفاع عن النفس فريدة من نوعها وموجودة في العالم الملايوي فقط) ولعبة تشونكاك (لعبة يحرك فيها اللاعب أحجاراً صغيرة من حفرة إلى أخرى فوق لوحة خشبية على شكل سفينة) ولعبة باسانغ (لعبة معقدة بعض الشيء حيث يحرك اللاعب فيها ما يناهز 120 قطعة فوق لوحة خشبية) والطائرة الورقية (كايت) وسباق الزوارق الطويلة وغيرها.
إن الزائر المتبصر والمتأني سيشهد بنفسه التزام البروناويين بتعاليم الإسلام، ومن هذا المنطلق فإنه من المستحب أن يخلع الزائر أحذيته عند دخول بهو المسجد، وأن يتجنب المرور أمام المصلين ، كما يستحسن أن تلبس الزائرات غطاء على رؤوسهن ويرتدين ملابس طويلة.
وقد اعتاد المواطن البروناوي في حياته اليومية أن يحيي الآخرين بمصافحتهم بلطف وإيصال يديه بعد ذلك إلى صدره بينما تقتضي العادة عدم مصافحة النساء. وقد اعتاد البروناويون أيضاً الإشارة إلى الأشياء بإبهام اليد اليمنى عوضا عن السبابة وعدم ضرب اليد اليمنى في اليد اليسرى، ومن المستحسن أيضاً تقديم الهدايا والطعام باليد اليمنى وعدم تسريح القدمين إلى الأمام باتجاه الآخرين عند الجلوس على الأرض.
والناس في بروناي تكسو وجوههم الطبيعة السمحة والهدوء، فلا إجهاد ولا قلق ويكفي أن نذكر أن الدولة تهتم أول ما تهتم برفاهية المواطن البروناوي، فالتعليم والعلاج والخدمات بالمجان ويعمل جميع أبناء بروناي في وظائف الدولة ويتقاضون مرتبات خيالية إضافة إلى أن لهم الحق في اقتناء المساكن والسيارات وما يريدون من معدات بأجور رمزية.
وتعتبر كامبونغ آيبر ( القرية المائية) عموما ـ الموجودة في سلطنة بروناي ـ أكبر قرية سكنية تطفو على سطح الماء في العالم، وترسو القرية التي يبلغ عدد سكانها ما يناهز 30 ألف نسمة على ضفتي نهر بروني في الوقت الذي يمتد تاريخ القرية عبر عدة قرون، حيث وصفها الرحالة الأوروبيون الأولون باسم فينيسا الشرق،
وانبهر المؤرخ الإيطالي أنطونيو بيغافيتا الذي رافق الرحالة الأوروبي الشهير فيردناند ماجيلان عام 1521 لحجمها ومساحتها الكبيرة. أما اليوم فإن أغلب المنازل بنيت فوق ركائز وأعمدة وخرسانات من الأسمنت والحديد، وجهزت بأحدث الأثاث والإلكترونيات.
غير أن القرية وبالرغم من ذلك استطاعت الحفاظ على طابع الحياة التقليدية المتميز فيها وعلى ألوانها الزاهية المختلفة. ويمكن للزائر أن يستأجر زورقاً (ووتر تاكسي) للقيام بجولة عبر القرية أو القيام بجولة على الأقدام عبر المسالك والممرات الخشبية التي تربط المنازل بعضها ببعض، كما يجد الزائر في هذه القرية مدارس حديثة ومستشفيات ومراكز للشرطة ومسجداً، شيدت كلها فوق سطح الماء.
ولا تتعدد في هذه السلطنة الإسلامية الصغيرة والموجودة في قلب آسيا ، المواسم المناخية، بسبب هطول الأمطار عليها معظم شهور السنة تقريبا. تقع بروناي في الساحل الشمالي الغربي لبورنيو، وتتألف من منطقتين منفصلتين عن بعضهما البعض بنحو 30 كيلومتراً. كلتا المنطقتين يحدهما بحر الصين الجنوبي من الناحية الشمالية، ويتاخم إقليم السارواك الماليزي جميع حدود الاتجاهات الأخرى.
ويتكون الجزء الغربي من بروناي من أراض منخفضة جبلية، أما الجزء الشمالي فهو عبارة عن منطقة ساحلية منبسطة. معظم أراضي البلاد تقع في دائرة الغابات المدارية الكثيفة، وتمثل الرقعة الزراعية نحو 15% فقط من مساحة السلطنة، الأمر الذي ترتب عليه استيراد أكثر من 80% من المنتجات الغذائية من الخارج.
النشأة والتكوين
تعود نشأتها التاريخية إلى القرن الرابع عشر حيث كانت بدايات التكوين، وظهور شكل السلطنة بمفهومها السياسي. وخلال القرن الخامس عشر والسادس عشر شكلت بروناي قوة إقليمية كبيرة، من خلال المملكة الإسلامية التي حكمت بروناي وبورنيو الشمالية، ولم تسيطر على بورنيو وحسب بل كانت تضم ولايتي ساباح وسارواك الماليزيتين إلى أن وصل مداها جزءا من الأرخبيل الفلبيني،
ويعد البرتغاليون والأسبان أول من وصل إلى البلاد من الأوروبيين، إلا أن البريطانيين كان لهم تأثير أقوى بعد أن فقدت المملكة إقليم سارواك لصالح بريطانيا عام 1841، وبدأت في الاضمحلال إلى أن أصبحت محمية بريطانية عام 1888 وأعقبت ذلك سلسلة من المعاهدات تم انتزاع ليمبانغ لتضم إلى إقليم سارواك وذلك في عام 1890،
وخلال الفترة بين 1941 و 1945 وقعت البلاد تحت الاستعمار الياباني، ثم أصبحت شبه مستعمرة بريطانية عندما تم تعيين المقيم البريطاني مستشاراً للسلطان، ثم كادت بريطانيا أن تبتلع البلاد بالكامل لولا ظهور النفط الذي قررت بريطانيا على إثره ضم البلاد إلى ماليزيا عام 1962
الأمر الذي أعقبه كثير من الاضطرابات إلى أن حل السلطان الدستور في العام نفسه واستقل بالبلاد بشكل رسمي في العام 1975 بعد اعتراف الأمم المتحدة باستقلالية البلاد. أضاف السلطان إلى البلاد الشكل الإسلامي بفرض العديد من القوانين الإسلامية خاصة في العام 1984، والعام 1991.
معالم النهضة والسياحة
بندر سري بيجاوان هي العاصمة وأهم مدن البلاد، وهي تتمتع بأناقة ونظافة وهدوء لافت للأنظار لأنها تبيت في سبات تام منذ الساعة التاسعة مساء، ومن أهم المميزات الأخرى انتشار الطراز المعماري الحديث والمتناسق خاصة مسجد عمر علي سيف الدين الذي تم تشييده عام 1958 ويعد من أجمل المساجد التي شيدت في العصر الحديث، ويقف ذلك المسجد الذهبي العملاق على مقربة من نهر بروناي.
ومن أهم معالم العاصمة الأخرى نجد مجموعة قرى كامبنغ آير المائية المعلقة، التي بنيت على دعامات بضفاف نهر بروناي منذ عدة قرون، وهي تمثل لوحة فنية رائعة، وتحفة أثرية موغلة في القدم، وتعد هذه المنطقة مزيجا من الطراز القديم والحديث.
هذا بالإضافة إلى استانا نور الإيمان وهو قصر السلطان الرائع والذي يفتح أبوابه للزوار والعامة خلال احتفالات العيدين، وبالقرب من منطقة القصر وعلى منتصف النهر هناك بولاو رانغو موطن القرود الخرطومية النادرة وقرود المكاك الآسيوية، وهذه المناطق تستهوي الزائرين و السائحين.
وعلى بعد 12 كيلومتراً شمال غرب العاصمة تقع منطقة واساي كاندال، بغاباتها الكثيفة ومصباتها المائية الساحرة وبحيراتها المتفرقة، وأهم مصباتها المائية هناك اير تيرجون تينغي و اير تيرجون ريندة. وهناك مدينة بانتاي سري كينانغان التي تعرف باسم بانتاي توتونغ، ومن أجمل معالمها الشاطئ برماله البيضاء البراقة،
والذي يشهد التقاء نهر توتونغ بالمحيط ليكون منظراً خلاباً، ويعد هذا الشاطئ من أجمل شواطئ البلاد، ومن أمتع مناطقها الترفيهية. وعلى مسافة 40 كيلومترا جنوب العاصمة بندر سري بيجاوان تقع مدينة باتانغ دوري على ضفاف نهر تيمبرونغ بطبيعتها الجميلة، وهي نقطة بداية الغابات المدارية المطيرة الغنية بالحياة البرية.
التركيبة السكانية
سلطنة بروناي من الدول التي لا تعاني من مشكلة السكان بالرغم من صغر حجمها حيث يبلغ التعداد السكاني 330 ألف نسمة فقط، ويتألف الشعب من مجموعة أعراق بنسب متفاوتة مشكلة شعباً في غاية الانسجام والتآلف، ويمثل المالاي غالبية السكان بنسبة تبلغ 69% من إجمالي المواطنين، ويليهم الصينيون بفارق كبير حيث يمثلون 18% من نسبة أهالي البلاد، أما البقية فهم عبارة عن مزيج من بعض قبائل المنطقة والمهاجرين من الدول المجاورة كالهنود.
تفوق شعب المالاي أثّر كثيراً في الصبغة الثقافية للبلاد، وتلعب العادات والتقاليد والاعتقادات القديمة دوراً كبيراً في الحياة الثقافية، وتعد العادات من أهم مصادر القوانين التي تحكم كثيراً من مناسبات الحياة العامة بالبلاد، حتى أن هناك قطاعاً حكومياً يعنى بالاهتمام بالعادات والتقاليد ومن أهم مسؤولياته المحافظة على هذا الجانب من الحياة.
وتعتبر سلطنة بروناي من الدول المحافظة ويلعب الدين الإسلامي الدور الرئيسي في تشكيل نمط الحياة العام.
ولغة المالاي هي لغة البلاد الرسمية وتستخدم الحروف العربية في كتابتها، هذا بالإضافة إلى لغة الجاوا واللغة الإنجليزية، وتمثل المشغولات النحاسية والفضية أهم موروثات هذا الجيل، التي مازالت تجد اهتماماً كبيراً من قبل الدولة والشعب.
دبي ـ وجيه عبدالعاطي
