يبقى موضوع قياس الأداء في الشركات والمؤسسات مثيراً للجدل، فتحقيق الأرباح دائما ما يغطي الكثير من السلبيات وعدم تحقيق الأرباح يطمس الكثير والكثير من الايجابيات. ما هو السر في انهيارات مفاجئة لمنشآت ضخمة كانت تحقق أرباحاً هائلة لسنوات عدة؟؟

وما هو السر في نهوض منشآت أخرى كانت تخسر لفترة طويلة؟؟ إن الاعتماد الكلي على الأرقام والحسابات يجعل من الصعوبة قياس الأداء العام لمنشأة معينة. أما لو أردنا الحديث عن الأداء المالي فإن الأرقام وحدها قد تفي بالغرض. ولكن الأداء المالي يمثل عنصراً واحداً من عناصر الأداء العام للمنشأة.

من الأخطاء الشائعة جداً استخدام الأرقام والبيانات الخاصة بفترات سابقة، فقط، لأغراض التخطيط المستقبلي، لا يمكن للأرقام مهما بلغت كفاءة وخبرة المحاسبين أن تتحدث لوحدها عما تم إنجازه خلال فترة معينة. فالأرقام يمكنها إظهار الكميات المباعة والمصاريف خلال الفترة أو قيمة الأرض التي تم شراؤها، ولكنها حتما لن تظهر مثلاً الكفاءة والخبرة النادرة في سوق العمل والتي بلغها موظفو المنشأة،

وحتما لن تظهر ميزانية الشركة أصولا تمثل قدرة عمل المنشأة على إنجاز عملية إنتاجية معينة خلال زمن قياسي مقارنة مع المنافسين. وأيضاً، لن يكون بمقدور أصحاب المنشأة ملاحظة تدني إنتاجية الموظفين فيما لو كانت المنشأة تحقق الأرباح. الإجابة عن السؤالين المطروحين هي أن الاعتماد الكلي على الأرقام والحسابات يجعل المديرين وصناع القرار يعتمدون على معلومات «تاريخية» لا تظهر جميع الأبعاد المطلوبة. إذن.. كيف يمكننا التغلب على هذه العوائق لقياس الأداء؟

الإجابة تحتاج إلى الكثير من الدراسات والأبحاث، وهو ما بدأ فعلا خلال العقد الأخير من القرن الماضي ومازال مستمراً. ومن هنا كانت نشأة بعض المصطلحات التي أصبحت تتردد كثيراً مثل بطاقة الأداء المتوازن «The Balanced Scoreard» .

نشأ مفهوم بطاقة الأداء المتوازن في بداية التسعينات الميلادية عندما قام معهد نولن نورتن بإجراء دراسة بعنوان «قياس الأداء في منشأة المستقبل» بمشاركة 12 شركة من مجالات مختلفة. وكان المحرك الأساسي للدراسة اقتناع المشاركين بأن طرق قياس الأداء التقليدي المعتمدة على البيانات التاريخية لم تعد تفي بالغرض المطلوب لاتخاذ قرارات فعالة.

استغرقت الدراسة عاما كاملا وكانت النتيجة وضع حجر الأساس لمفهوم بطاقة الأداء المتوازن. وقد تم تلخيص النتائج في كتاب «The Balanced Scoreard» الذي قام بوضعه الباحث الأكاديمي روبرت كابلان ودافيد نورتن من معهد نولن نورتن، وكان من أكثر الكتب مبيعاً حول العالم.

تم تقسيم البطاقة إلى أربعة محاور للقياس هي «المالية» و«العملاء» و«الإجراءات الداخلية» و «التعلم والنمو» يعنى كل محور من المحاور المذكورة بوضع المقاييس والمعايير التي ينبغي قياسها للوصول إلى القياس العام للأداء وربطه بمدى تحقيق الأهداف الإستراتيجية.

تقوم البطاقة بربط رؤية ورسالة المنشأة بمؤشرات الأداء التي تتنوع بحسب المحور المعني، مثل العائد على الاستثمار ورضا العملاء وجودة الأداء ومهارات الموظفين. وتعتمد فعالية استخدام البطاقة على مدى منطقية الأهداف الموضوعة لكل مؤشر.

إن تطبيق بطاقة الأداء المتوازن واستخدامها بشكل صحيح يسهل من عملية الابتعاد عن الأساليب التقليدية لقياس الأداء مثل مقارنة الموازنة المالية مع الأرقام الفعلية، والتي لا يغفلها مفهوم بطاقة الأداء المتوازن ولكنه يجعلها عنصراً من عناصر القياس العام.

يمكن إيجاز مفهوم بطاقة الأداء المتوازن بأنه يحقق التوازن بين العناصر المالية وتلك غير المالية لقياس الأداء، بالإضافة إلى التوازن بين التركيز على الأهداف الإستراتيجية القصيرة المدى والطويلة المدى. يتم وبشكل مستمر تطوير المفهوم الأساسي مع زيادة عمليات التطبيق العملي.

ومن أهم التطورات ظهور ما يسمى بالخرائط الاستراتيجية Strategy Maps والتي جعلت من الاستراتيجيات نقطة الارتكاز لبطاقة الأداء المتوازن. إن من شأن تطبيق مفهوم بطاقة الأداء المتوازن بشكل أوسع في منطقتنا العربية النهوض بأداء المنشآت والأفراد مما يحقق على المدى البعيد نهوضاً اقتصادياً مستمراً.

باحث قانوني واكاديمي

Ahmad.khatib@dmi.ae