قد يعتقد البعض أنه لا توجد علاقة بين ربط العملات الخليجية بعملات رئيسية كالدولار والجنيه الإسترليني واليورو وبين أسعار السلع والخدمات في الأسواق المحلية، غير أن ذلك ليس صحيحاً حيث أن هناك ارتباطا كبيرا بين الاثنين. لكن كيف يؤدي ربط العملة المحلية بالدولار إلى ارتفاع الأسعار؟

في عام 1971 خرجت عملات دول العالم المختلفة عن الارتباط بالذهب بعد تدهور الدولار وامتناع دول أوروبية عدة عن قبوله في ذلك الوقت، وبالتالي سقط الدولار الأميركي أمام الذهب، ولم يعد له وزن ثابت كما كان الحال قبل ذلك حيث كانت الأوقية من الذهب الخالص تساوي 35 دولارا أميركيا،

وارتبكت دول العالم في تحديدها لأسعار عملاتها المحلية كما تباينت الرؤى في أسعار الصرف خاصة تلك التي كانت تربط عملاتها بالدولار الأميركي الثابت الوزن مع الذهب، ووضعت أغلب الدول أنظمة جديدة في تحديد سعر صرف العملات المحلية، وإن كان الكثير منها تم تحديده على أساس سعر معين بالدولار الأميركي، وهي الدول التي كان يعظم معاملاتها مع الولايات المتحدة ومنها أغلب دول مجلس التعاون.

وهناك نظامان لتحديد سعر صرف العملة المحلية أقرهما صندوق النقد الدولي للدول الأعضاء للعمل بأحدهما، وذلك منذ عام 1972. هذان النظامان يتمثلان فيما يلي:

(1) نظام التعويم الكامل للعملة المحلية وهو أن يترك سعر صرف العملة المحلية يتحدد حسب العرض والطلب على العملات الأجنبية، ويتم ذلك في ضوء وضع ميزان المدفوعات للدولة، فإذا كانت النتيجة النهائية للميزان عجزاً فإن ذلك يعني أن الطلب متزايد على العملات الأجنبية لسداد العجز، وهو ما يؤدي إلى رفع أسعار صرف العملات الأجنبية بالنسبة للعملة المحلية،

أما إذا كان هناك العكس أي أن هناك فائضاً في ميزان المدفوعات فإنه يعني انخفاض الطلب على العملات الأجنبية لتوافرها بالسوق النقدي المحلي نتيجة لهذا الفائض، وهو ما يؤدي إلى انخفاض أسعار صرف العملات الأجنبية بالنسبة للعملة المحلية.

وبذلك فإن العملة المحلية تتحدد يومياً حسب العرض والطلب على العملات الأجنبية دون أي قيود، فإذا كان هناك فائض في ميزان المدفوعات فإن سعر صرف العملة المحلية يرتفع تلقائياً، وإذا كان هناك عجز في الميزان فإن سعر صرف العملة المحلية ينخفض تلقائياً،

وهو ما يعني أن تحديد العملة يتم طبقاً للنظام الرأسمالي الحر ودون تدخل من الدولة، وفي هذه الحالة فهو لا يؤدي إلى خسائر أو مكاسب نقدية حيث لا يكون هناك ضغوط نتيجة لعوامل اقتصادية داخلية أو خارجية، أي أن السعر يتحدد بحرية تامة في ضوء النشاط الاقتصادي للسكان وطبقاً للحالة الاقتصادية وأوضاع المعاملات الخارجية للدولة.

(2) نظام التحديد الإداري للعملة المحلية وهو النظام الذي تقوم الدولة بالتدخل إدارياً بالنسبة لتحديد سعر صرف ثابت للعملة أو حتى سعر صرف متحرك في حدود نسبة معينة عادة لا تزيد على 3% صعوداً أو هبوطاً عن السعر المحدد للعملة المحلية - ويلاحظ أن نظام تحديد سعر العملات المحلية هو من أهم القضايا التي تواجه حكومات الدول النامية،

لأن هذا التحديد طالما لا يتم بالشكل السليم والعادل الذي يتفق مع الوضع الاقتصادي الحقيقي للدولة فإنه يمكن أن يخلق مشاكل اقتصادية كبيرة تؤثر على التنمية الاقتصادية والاجتماعية بل وتؤدي إلى تقويضها وقيام أزمات اقتصادية يصعب علاجها،

وهو ما حدث فعلاً في دول جنوب شرق آسيا حيث أدت التخفيضات المتتالية لأسعار صرف العملات المحلية مع انهيار بورصات الأوراق المالية إلى سقوط اقتصاديات هذه الدول إلى أقل من النصف وعودتها إلى المستوى الاقتصادي الضعيف الذي كانت عليه في الخمسينات والستينات من القرن الماضي بعد أن كانت قد وصلت فعلاً إلى مستوى مرتفع من التقدم الاقتصادي.

وقد اختارت الإمارات نظام الربط بالدولار الأميركي. واستمرت عليه رغم انخفاضه المتوالي خلال السنوات الأخيرة وبالرغم من أن هذا الانخفاض يؤدي إلى ارتفاع في أسعار السلع والخدمات، ولتوضيح ذلك ببساطة نفترض على سبيل المثال أن الدولار الأميركي يساوي ثلاثة دراهم و يورو واحد، ثم أخذ ينخفض أمام اليورو حتى وصل اليورو إلى 3 ,1 دولار،

وهو ما يعني أن السلع التي كنا نستوردها من أوروبا بمليون دولار قبل انخفاضه سترتفع قيمتها إلى 3, 1 مليون دولار لكي نستورد نفس الكمية دون زيادة، وذلك بفرض أننا نقوم بسداد القيمة خصماً على الأرصدة المتوفرة بالدولارات، وبذلك فإن قيمتها بالعملة المحلية ستكون 9 ,3 ملايين درهم أي بزيادة قدرها 30% وفي هذه الحالة يقوم المستوردون برفع أسعار بيعها محلياً بنفس هذه النسبة وربما أكثر قليلاً طالما تمثل سلعا استهلاكية كاملة الصنع.

وإذا كانت السلع المستوردة تمثل سلعا استثمارية أو سلعا وسيطة فإن تكلفة الإنتاج ستزيد بنسبة موازية للانخفاض في سعر الدولار، وبالتالي نشاهد رفعاً في أسعار السلع المحلية وهو طبيعي لتعويض الخسائر الناتجة عن زيادة أسعار السلع المستوردة بالدولارات،

كما أن هذه الزيادات تنتقل بدورها إلى الخدمات المالية والمصرفية والمصروفات النثرية التي تخدم كلاً من السلع المنتجة محلياً والسلع المستوردة من الخارج، وبالأرقام فقد عرضت جريدة الفايناننشيال في تحقيقها المشار إليه أعلاه نسب الزيادة في الأسعار التي ظهرت في الفترة الأخيرة نتيجة ربط الدرهم بالدولار،

فذكرت أن متوسط الأسعار ارتفع في الفترة الأخيرة ما بين 20% الى 30% وكانت الزيادة 27% بالنسبة للسكن و 20% للمواد الغذائية و 18% للرعاية الصحية و 20% للتعليم و 25% للنقل. وقد يتساءل البعض عن أسباب انخفاض الدولار في السنوات الأخيرة بما يزيد على ثلث قيمته.

يرجع ذلك إلى عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية، من بينها زيادة الكراهية الخارجية للولايات المتحدة نتيجة لما قامت به في أفغانستان والعراق وتأييدها المستمر لخطوات إسرائيل ضد الفلسطينيين ومؤخراً رفضها المطالبة بوقف إطلاق النار في لبنان بدعوى أن ذلك يقضي على الإرهاب،

غير أنه في الواقع يعمل على زيادة المتطرفين النابع من زيادة الكراهية إلى الحد الذي يعطي الدافع للتضحية بالحياة التي لا يكون لها معنى مع الظلم الذي يقع من الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الغربية الأخرى.

أما العوامل الاقتصادية التي ساعدت على انخفاض سعر صرف الدولار في الأسواق الخارجية، فأولها العجز الكبير في ميزان المدفوعات الأميركي نتيجة الزيادة في السلع المستوردة إلى الولايات المتحدة وانخفاض صادراتها، الناتج من انخفاض الناتج القومي الأميركي نسبياً نتيجة لانخفاض مستوى أداء العامل الأميركي عن العامل الأوروبي والعامل الآسيوي الذي يحب عمله ويرفض الاجازات للراحة،

وهي ظاهرة أصبحت واضحة في الفترة الأخيرة، خاصة بعد دخول اتفاقية منظمة التجارة العالمية حيز التنفيذ على نطاق واسع في السنوات الأخيرة مما ساعد على التحسين والتطوير الاقتصادي والتجاري في دول متقدمة عديدة على عكس ما كانت تأمله الولايات المتحدة، بالإضافة إلى أن السلع الصينية أصبحت تغرق الأسواق الأميركية لرخص سعرها ولجودتها عن مثيلتها الأميركية في بعض الأحيان.

أما العوامل الاجتماعية التي ساعدت على انخفاض سعر صرف الدولار الأميركي فهي حياة الترف التي يعيشها الأميركي الذي يتجاهل التطورات الدولية الحديثة ولا يهتم بالظلم الذي تمارسه أنظمة الحكم التي تسيطر عليه، بالإضافة لظهور حالات فساد عديدة في أكبر شركات أميركية محلية وخارجية، بل نسمع أن هناك مسؤولين أميركيين تورطوا في الفساد بشكل واسع دون اهتمام بصالح بلادهم ولا السياسات التي تنتهجها،

منها ما كان يسمى بصفقات (النفط مقابل الغذاء) الذي تورط في إبرامها مسؤولون أميركيون بجانب مسؤولين من الأمم المتحدة، هذا بالإضافة إلى الانتهاكات الاجتماعية داخل المجتمع الأميركي والتي تتزعمه سيدات ماجنات وسيدات أعمال وغيرهن من الذين فقدوا المبادئ السليمة.

وهكذا، فإن عوامل عديدة أدت في السنوات الأخيرة إلى انخفاض كبير في قيمة الدولار الأميركي وجعلته يفقد ما يقرب من الثلث أمام العملات الرئيسية الأخرى، وهو ما أثر أيضاً على الدول العربية وخاصة دول الخليج التي تربط عملاتها بالدولار الأميركي مع أن اقتصادياتها المحلية بعيدة كلية عن ظروف الاقتصاد الأميركي ولا يوجد لديها أي عوامل تطالبها بالسير على غرار الدولار الأميركي،

وهو أمر جعل السعودية في الأيام الأخيرة تدرس فك ارتباط الريال السعودي بالدولار. كما حفز دعوة البعض إلى تعويم العملة الخليجية الموحدة عند إصدارها في عام 2010 وعدم ربطها بالدولار، وأيضاً جعلت دول خليجية أخرى تقوم بدراسات جادة حول فك الارتباط بين العملة المحلية وبين الدولار لكي تستفيد اقتصادياً ونقدياً وتستطيع كبح جماح الغلاء.

كاتب اقتصادي مصري