تتأهب بورصة دبي للذهب والسلع لانضمام صناعة سوق أميركي قريباً، مع توقعها انضمام ما يتراوح بين ثلاثة أو أربعة من صناع السوق الآخرين خلال الأشهر القليلة القادمة، ويضيف هذا التطور المزيد من السيولة إلى حركة التداول فيها، ويؤكد كذلك سير البورصة على أجندة عمل صارمة وفق جداول زمنية محددة،

ويأتي هذا التطور أيضا في وقت سجلت فيه البورصة أحجام تداول فاقت ـــ على حد قول أحد المحللين ـــ توقعات القائمين عليها، وفي وقت أيضا ينتعش فيه الطلب الاستثماري على السلع بشكل عام والمعادن النفيسة بشكل خاص، كنتيجة لأوجه القلق التي تسود الأسواق من الضغوط التضخمية، وآفاق سعر صرف الدولار، والتوترات السياسية في منطقة الشرق الأوسط، وتوفر مثل هذه التوليفة يمثل أرضية خصبة لازدهار الطلب الاستثماري على الذهب كوعاء آمن للتحوط ضد المخاطر والحفاظ على القوة الشرائية من التآكل.

وجاء الحديث عن انضمام المزيد من صناع السوق إلى بورصة دبي للذهب والسلع على لسان فرامروز بوشارا رئيسها التنفيذي، الذي كشفه لجريدة »البيان« عن أن البورصة قد وقعت عقدا مع صانع سوق أميركي مؤخرا، وأنها ستضيف من ثلاثة إلى أربعة صناع للسوق في غضون الأشهر القليلة القادمة، وهو ما سوف يقدم دعما قويا للسوق بتوفير المزيد من السيولة، على اعتبار أن بعض التجار والمستثمرين يريدون المتاجرة في السوق ولكنهم يحتاجون إلى المزيد من السيولة.

صناع السوق

ويبدو أن صانع السوق الأميركي والذي رفض فرامروزا بوشارا الكشف عن اسمه في المرحلة الحالية، ليس صانع السوق الأول في بورصة دبي للذهب والسلع، إذ تم الإعلان في مارس من العام الحالي عن قبول مصرف »دويتشه بنك« كعضو في مجموعة تداول المعادن الثمينة في بورصة دبي للذهب والسلع، ورغم أن المصرف – على حد قول الرئيس التنفيذي للبورصة ـــ لم يباشر عمله بعد كصانع سوق،

إلا أن هناك تطلعات بأن يسهم البنك في تنشيط تداول عقود الذهب والفضة التي يتم تداولها عبر بورصة دبي للذهب والسلع، على اعتبار أن حضور المصرف يوفر هوامش أضيق بين أسعار العروض ومستويات الطلب التي بدورها تعزز السيولة في العقود المتداولة، ويساعد كذلك في استكشاف الأسعار ويشجع لاعبين جددا على استخدام بورصة دبي للذهب والسلع في مجالات التحوط والمراجحة والاستثمار.

ويعتبر مصرف »دويتشه بنك« أحد أبرز شركات الخدمات والحلول المالية في العالم بحجم أصول يزيد على 993 مليار يورو. ويمتد تاريخ المصرف الذي يعمل فيه أكثر من 63000 موظف إلى ما يزيد على 200 عام، وجذوره ضاربة في أسواق الذهب العالمية.

وهو أحد الأعضاء المؤسسين في »London Bullion Market Association« في لندن وعضو في »London Gold Market Fixing LTD« في لندن على مدى 13 عاما. كما أنه يتمتع بحضور مميز في أسواق تداول السلع الرائدة في العالم مثل سوق نيويورك (NYMEX) وطوكيو (TOCOM)، وعضو الفئة الثانية في سوق المعادن بالعاصمة البريطانية.

ولاقى انضمام »دويتشه بنك« ترحيبا من قبل القائمين على البورصة، حيث أكد كولن جريفيث رئيس مجلس إدارة بورصة دبي للذهب والسلع أن قبول »دويتشه بنك« كعضو في بورصة دبي للذهب والسلع، من شأنه أن يجعله عاملا محفزا على تنشيط تداول الذهب والفضة في البورصة.

ويمثل دليلا قاطعا على اهتمام مجتمع أسواق السلع العالمي ببورصة دبي للذهب والسلع، وقال مارك ريتر رئيس قسم السلع العالمي في »دويتشه بنك« أن البنك يعتبر واحدا من كبار اللاعبين في أسواق السلع العالمية الكبرى ويغطي شريحة واسعة من المنتجات. ونظرا للموقع الممتاز الذي يتمتع به كعضو في أبرز أسواق الذهب العالمية من حيث السيولة فإن قدرته على توفير السيولة لبورصة دبي للذهب والسلع ستكون متميزة.

وقد افتتح دويتشه بنك رسمياً في مارس من العام الجاري فرعه في مركز دبي المالي العالمي، وذلك بهدف مواكبة النمو الكبير الذي تشهده عمليات المركز، وعززت هذه الخطوة مكانة دويتشه بنك، الذي يمتلك مكتباً في دبي منذ عام 2001، إذ أصبح عضواً مؤسساً لبورصة دبي العالمية وكان سباقاً إلى إدراج المنتجات المالية الأولى في البورصة عند إطلاقها في سبتمبر 2005.

أجندة عمل صارمة

ويمثل الانضمام المرتقب لصانع السوق الأميركي دليلا إضافيا على أن القائمين على بورصة دبي للذهب والسلع يسيرون وفقا لأجندة عمل مجدولة زمنيا، حيث كشف أحمد بن سليم المدير التنفيذي للعمليات في مركز دبي للسلع المتعددة في مطلع العام لـ »البيان« عن بعض سطور أجندته لعام 2006،

حيث قال: إن التركيز سوف يتكثف على مد الجسور مع »صناع السوق« وهم التجار الذين يتداولون بأحجام تداول كبيرة على عقود الذهب، بحيث سيكون هذا الارتباط عبر برامج كمبيوتر تتيح لهم التداول أون لاين (عبر شبكة الإنترنت)، وأظهرت هذه الإجابة وتظهر أن بورصة دبي للذهب تتجه لتعميق عالميتها، من خلال جذب كبار اللاعبين في أسواق الذهب الدولية.

ويأتي انضمام صناع السوق إلى بورصة دبي للذهب والسلع في وقت سجلت فيه البورصة أحجام تداول قياسية، ربما فاقت – على حد قول أحد المحللين – توقعات القائمين عليها في مستهل إطلاقها في نوفمبر الماضي. إذ عززت تقلبات أسعار الذهب من نشاط التعاملات الآجلة في البورصة ليتجاوز حجم التداول 100 ألف عقد قيمتها 2.2 مليار دولار خلال شهري مايو ويونيو الماضيين.

وأظهرت البيانات التي نشرتها بورصة دبي للذهب والسلع أن حجم التعامل لايزال أقل كثيرا مما هو عليه في البورصات الكبرى مثل بورصة السلع في نيويورك (كومكس)، لكن المحللين يرون أن الأرقام تعطي دفعة لبورصة دبي في وقت تسعى فيه لتثبيت أقدامها كمركز عالمي لتجارة الذهب.

ازدهار التعاملات

نشطت التعاملات في مايو ويونيو الماضيين حين قفزت أسعار الذهب لأكثر من 700 دولار للأوقية (الاونصة) ثم هبطت دون 600 دولار وبلغ عدد العقود المتداولة خلال الشهرين 107199 عقدا بزيادة نسبتها 32 في المئة عن الشهرين السابقين. وبلغت قيمة التعامل الإجمالية في البورصة خلال الفترة من نوفمبر إلى يونيو حزيران حوالي 4.2 مليارات دولار. بما يوازي نحو نصف عدد العقود التي جرى تداولها منذ فتح البورصة.

كما أفادت بيانات البورصة أن قطاع المعادن النفيسة واصل جني المكاسب خلال الأسبوع المنتهي في 7 أغسطس، وذلك للأسبوع الثاني على التوالي، حيث جني الذهب والفضة مكسبا نسبته 1.7 % و9.76 % لكل منهما على التوالي، وافتتح التداول على عقود الذهب الآجلة خلال الأسبوع المذكور على انخفاض طفيف بالمقارنة مع الأسبوع السابق عليه،

وذلك عند مستوى 639.50 دولاراً للأونصة، ولكن تراجعت الأسعار أكثر ولامست خلال الأسبوع المذكور أدني مستوى ببلوغها سعر 635 دولاراً للأونصة، وتلا ذلك، عودة الأسعار لمسار الصعود، مسجلة أعلى سعر خلال الأسبوع عند مستوى 659.20 دولاراً للأونصة، ولكن ومع ذلك، دفعت عمليات جني الأرباح الأسعار مجددا إلى التراجع، وجرى تسوية العقد خلال الأسبوع عند مستوى 561 دولاراً للأونصة، وأفادت البيانات كذلك أن التقلب في أسعار الذهب قد رفع حجم التداول إلى ما يزيد على 100 ألف عقد بقيمة تبلغ 2.2 مليار دولار خلال شهري مايو ويونيو الماضيين.

وعبر فرامروز بوشارا الرئيس التنفيذي لبورصة دبي للذهب والسلع عن رضائه عن أحجام التداول بقوله »نحن راضون عن الاحجام التي نشاهدها في معاملات الذهب الآجلة، وان كان أمامنا شوط طويل بالمقارنة بالأسواق العالمية الأخرى«.

وأضاف أن تقلب الأسعار في مايو ويونيو ساهم في زيادة حجم التداول، واعتبر جيف رودز من ستاندرد بنك في دبي أن عدد العقود المتداولة في الشهرين تمثل علامة جيدة وأعرب عن اعتقاده أن هذا الحجم من التداول يتجاوز توقعات البورصة عندما بدأت التعامل لأول مرة وينطوي الوصول لهذا الحجم في ستة أشهر على مدلول مهم جدا.

وينشط التداول على عقود الذهب الآجلة في بورصة دبي للذهب والسلع على أرضية ازدهار الطلب على الذهب لأغراض استثمارية، بحكم توتر الأوضاع السياسية في مناطق العالم المختلفة، وصعود أسعار النفط إلى مستويات قياسية جديدة، وتزايد المخاوف من مخاطر الضغوط التضخمية،

وجعلت هذه التوليفة من العوامل الطلب الاستثماري محركا رئيسيا لصعود الذهب إلى مستويات قياسية جديدة، الأمر الذي أثقل على طلب صناع المجوهرات في اتجاه التقلص، وذلك في ظل بروز تكهنات بأن سعر الذهب سيقفز إلى 700 دولار للأونصة خلال المستقبل القريب، وفي ظل ورود توصيات من محللين ومتعاملين بشراء الذهب باعتباره »الملاذ« من مخاطر الضغوط التضخمية التي تفضي إلى تآكل قيمة الثروات.

و خلال العام الماضي صعدت أسعار الذهب بنسبة 54 %، ووصلت في 12 مايو الماضي إلي732 دولاراً للاونصة، وهو أعلى سعر تسجله مدي 26 عاماً، ولكنها هبطت إلى 546.40 دولاراً للاونصة في 14 يونيو، وجني الذهب ما يزيد على 100 دولار للاونصة منذ هبوطه في يونيو الماضي بسبب الأوضاع الجيوسياسية المتمثلة في التفجيرات في الهند، وتجربه إطلاق الصاروخ في كوريا الجنوبية،

وتواصل الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وهو ما دفع المستثمرين إلى الاستثمار في الذهب وسندات الخزانة، في الوقت الذي تراجعت فيه أسواق الأسهم، وقد قفزت أسعار عقود الذهب الآجلة في عام 1980 إلى 873 دولاراً للأونصة وهو السعر الأعلى على الإطلاق، وجاء هذا الصعود التاريخي بسبب ارتفاع أسعار النفط، وتراجع أسواق الأسهم حينذاك.

ازدهار الطلب الاستثماري

وفيما عبر فرامروز بوشارا عن تفاؤله بمواصلة الطلب الاستثماري على الذهب مساره الصعودي، نشر موقع بورصة دبي للذهب والسلع على شبكة الإنترنت تحليلات تتنبىء بالمزيد من الصعود في أسعار الذهب. ووفقا لدراسة أعدها الدكتور ديفيد ديفيس محلل الذهب في شركة »كريديه سويس ستاندرد سيكيوريتيز« من المتوقع أن يتخلف المعروض من الذهب عن اللحاق بالطلب، نظرا لتقلص حجم الاحتياطيات الجديدة المكتشفة لتعويض التراجع الحاصل في إنتاج المناجم المتقادمة،

ورغم أن هذا الأمر يعود إلى وقت سابق مضى، إلا أنه كان يجري التخفيف من وطأة تأثيره عن طريق مبيعات البنوك المركزية وتحوط المنتجين، ولكن من المتوقع أن تتراجع مبيعات البنوك المركزية، بل من المحتمل أن تتحول هذه البنوك إلى مشتر صافى للذهب، ويتضافر هذا التحول مع الزيادة المتوقعة في الطلب الاستثماري على الذهب، وتصاعد استهلاك المجوهرات وتراجع إنتاج المناجم، في خلق توليفة من شأنها أن تهز معادلة الطلب والعرض في أسواق الذهب،

مما يرسل الأسعار إلى مستويات عالية، وتوقع ديفيس أن تطرأ تغييرات درامية على معادلة الطلب والعرض خلال الفترة من عام 2007 إلى عام 2010، تشتمل على تراجع إمدادات المناجم وإمدادات القطاع الرسمي وزيادة طلب الصين والمجتمع الاستثماري، وتنبأ كريديه سويس بأن يرتفع سعر الذهب إلى 700 و800 و1200 دولار للأونصة خلال أعوام 2008 و2010و 2015 على التوالي.

ويتوقع التجار أن يجري التداول على الذهب في نطاق متسع على المدى القصير، مع وجود إمكانية على المدى المتوسط أن يستعيد الذهب السعر القياسي الذي سجله في مايو الماضي والبالغ 730 دولاراً للأونصة، وتبدو الصورة جيدة بشكل عام بالنسبة لآفاق سعر الذهب، بعدما أوقف بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي خلال اجتماعه الأخير دورة رفع الفائدة، مما جعل من الصعوبة ـــ على حد تعليق مايكل ويدمير المحلل في Macquarie Bank ـــ أن يظل الدولار محتفظا بقوته، وهو ما يشكل عاملاً محركاً على ارتفاع أسعار المعادن النفيسة، ومن بينها الذهب.

وفي السياق ذاته، لاحظت دراسة أعدتها مؤسسة Merrill Lynch أن كلاً من العقود الآجلة للفضة والذهب قد استفادت من استمرار الصدامات بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، ومن التوقعات القائلة ان بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي لن يقوم بإجراء زيادات أخرى في أسعار الفائدة، ورصدت الدراسة أنه خلال الأسبوع المنتهي في 28 يوليو ارتفعت أسعار الذهب بنسبة 1.9 % لتغلق عند سعر 646.63 دولاراً للأونصة، وقدرت أن سوق الذهب سينظر إلى عدم رفع الفائدة الأميركية على نحو إيجابي، وتوقع واضعو الدراسة أن يصل سعر الذهب إلى 650 دولاراً للأونصة بحلول شهر سبتمبر المقبل في حال استمرار تفاقم الوضع في الشرق الأوسط.

آفاق سعر الذهب

توقع فريدريش كيرنستوك المحلل في شركة »كيرنكو ميتال ترادينج« أن يحوم الذهب فوق مستويات تتراوح بين 650 و670 دولاراً للأونصة وان يصعد إلى مستويات أعلى خلال الفترة المقبلة. وتوقع مارك بريستوي المدير التنفيذي لشركة »رانجولد ريسورسيز« أن يصعد الذهب إلى 700 دولار للأونصة في غضون الاثني عشر شهرا المقبلة، كما توقع يوكاري نوزاكي محلل العقود الآجلة في شركة »آسي كوكاي « بطوكيو أن التداول على الذهب سيجري بجرأة تفوق التوقعات وأن أسواق الذهب صارت الأكثر حساسية للمخاطر الجيوسياسية، وتوقع كذالك محللون في بنك سوسيتيه جنرال أن يصعد سعر الذهب مرة أخري إلى 700 دولار للاونصة خلال الربع الحالي وهو ما سيعود جزئيا إلى عودة صناع المجوهرات في الهند لشراء الذهب.

وعبر محللون عن حساسية سوق الذهب الحالية للتوترات السياسية التي تنتشر في مناطق العالم المختلفة، إذ علق ديفيد هولمز مدير قسم المعادن النفيسة في مجموعة »دريسندر كلينوورت« في لندن بقوله ان الناس تتحرك بعيدا عن الأصول التي تحفها المخاطر، وقد دفع الطلب الاستثماري الذهب إلى مستويات عالية، ونحن نشهد شراء للنفط كاستجابة لعدم اليقين والتأكد السياسيين في الشرق الأوسط وقال بول ميكلويد نائب رئيس قسم المعادن النفيسة في البنك التجاري للأوراق المالية في نيويورك انه لا يمكن أن نسقط من حساباتنا التوترات الجيوسياسية.

وأشار مايك ساندر محلل سلع في شركة وورلد وايد ترادينج أن القلق من الضغوط التضخمية يتصاعد مع بلوغ أسعار النفط مستويات قياسية، وأن التوترات السياسية في الشرق الأوسط تؤدي إلى أوضاع غير سهلة مما يحفز المستثمرين على حماية ثرواتهم عن طريق شراء المعادن.

دبي: مجدي عبيد