تعرض الصالات المحلية منذ الأسبوع الماضي فيلم «لوفر بوي» من إخراج الممثل كيفن بيكون في تجربة إخراجية ثانية بعد عمله «لوسينغ تيشس» (1996)، الذي لعبت فيه دور البطولة زوجته كيرا سيدرفيك كما هي أيضاً في هذا العمل تقدم شخصية أميلي ستول، الفتاة التي عاشت وحيدة في كنف عائلتها،

وتولد عندها حالة نفسية تسعى إلى امتلاك أي علاقة بشكل مرضي. فتقرر الانجاب لكي تصير أماً، من دون أن تهتم بالطريقة. فتحمل من علاقة عابرة، ويسكنها هوس حماية ابنها إلى أن يصبح في عمر الالتحاق بالمدرسة والابتعاد عنها لساعات يومياً، فيجن جنونها، وتبدأ سلسلة من المشاكل حين تشعر بأن هناك دخلاء في علاقتها الخاصة بابنها.

قصة الفيلم اجتماعية، وتحمل أبعاداً كثيرة أخرى، منها الاقتصادي والنفسي، عالجها المخرج كيفن بيكون بصناعة كوادر موحية وبلغة بصرية ذكية على خلفية سيناريو مقتبس عن رواية بالعنوان ذاته للكاتبة الأميركية فيكتوريا ريديل التي شاركت أيضاً في تحويل القصة إلى السينما مع السيناريست حنا شاكسبيري، فيلحظ المشاهد قوة الحكاية الممسوكة في بنائها الأدبي من جهة، وفي التقطيع السينمائي الماهر من جهة أخرى.

العمل بمجمله تتضح فيه هذه التشاركية بين ثلاث سلطات هي عبارة عن ثلاث خبرات، للكاتب، والمخرج والممثل، من دون أن تدمج سلطة بأخرى. بل تتوازى اللعبة الداخلية للفيلم في هذه الخطوط الثلاثة التي تمثلها شخصيات العمل الرئيسية عائلة الأم، والثانية وابنها.

كأننا إزاء مرآة تعرض لنا صورة غير مباشرة متخفية في تراكمات الماضي، ومتبدية في اللحظة الواقعية، التي تبدو فجة وقاسية. تكشف عن قدرة الحب الغرائزي لا يمكن الخروج منه أبداً، والسجان هنا التي تجسده الأم، التي هي أيضاً سجينة وحدتها وعواطفها.

الأسرة للذات وللآخر، وحده الرجل في هذه المساحة يبدو هامشياً، يؤدي دوراً لا يمكنه تقديره أو التأثير فيه. أراده المخرج كيفن بيكون أن يكون هامشياً، لأن الأب كذلك، والعشيق والابن يأتيان على المنوال نفسه.

هكذا يمرر كيفن بيكون صاحب الخبرة في التعاطي مع روحية الكادر وهو الذي قضى أكثر من ربع قرن في عالم الأداء يقطع الصورة بأسلوب رشيق أي (المونتاج)، ويرتد على الصورة ذاتها وحركة الكاميرا وزوايا اللقطات، ومسك الأداء التمثيلي خصوصاً بطلة الفيلم كيرا سيدرفيك، التي أضافت إلى رصيدها ضربات ناجحة في التعبير عن شخصية تحمل انفصامها ووحدانيتها في آن.

لم يحز بيكون خلال تجربته في عالم السينما على أي جائزة أوسكار أو ما يوازيها أهمية بالنسبة للسينمائيين الأميركيين. لكنه حصل على جائزة النقاد الخاصة في العام 1995 عن فيلمه «موردر إن ذا فيرست»، ولم يرشح إلى جوائز أخرى، مع أنه قدم أكثر من ثلاثين فيلماً،

لعب خلالها أدواراً مختلفة من حيث القيمة والنوع. لكنه لم يقنع المراجع السينمائية الهوليوودية بأدائه، فراوح مكانه في مقاعد نجوم الصف الثاني، والآن يحاول أن ينجح في الإخراج بدعم من جماعة السينما المستقلة والبعيدة عن أنماط أفلام هوليوود عله يفلح ويصل إلى صفوف النجوم الأوائل.

دبي ـ حسين قطايا