ما بين إعلان حكومة دبي في الأسبوع الماضي عن إمساكها بمقاليد الأمور في إدارة ثروتها النفطية، ورفع الإمارة على مدار عقود تاريخية مضت راية التحدي للحاق بركب المنتجين الرئيسيين للنفط، تناولت الأقلام المراحل التاريخية التي مر بها الإنتاج النفطي للإمارة تحت عنوان واحد مشترك وهو »الإصرار على أن يكون هذا المورد الحيوي شرياناً يضخ بالحياة للاقتصاد والمجتمع«.

وذلك على الرغم من تميز كل مرحلة بخصائص اجتماعية واقتصادية. حيث تحول النفط من كونه المورد الوحيد للثروة التي انعقدت عليه الآمال لتحقيق النهوض والرقي الاقتصادي، إلى أحد موارد الدخل لأمارة تطمح لأن تكون مركزاً عالمياً للأعمال والاقتصاد على مستوى العالم.

ومثل النفط بالنسبة لدبي في الماضي القريب الحل العملي والواقعي للارتقاء بالاقتصاد والنهوض بمستويات المعيشة، حيث كانت دبي قبل اكتشاف النفط تعتمد على التجارة وصيد الأسماك واللؤلؤ كمصدر أساسي للدخل.

ثم تعرضت تجارة اللؤلؤ لكساد كبير في ثلاثينات القرن الماضي بعد ظهور اللؤلؤ الصناعي الياباني وانتشار استخدامه على نطاق عالمي واسع. وكانت الغالبية العظمى من مواطني دبي يسكنون في بيوت من سعف النخيل ويعتمدون في غذائهم على التمر والسمك واللبن.

وفي حقيقة الأمر كان ذلك هو واقع الحياة في معظم أجزاء منطقة الخليج العربي قبل ان يشرق فجر صناعة النفط في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية. وعانت دبي من عدة معوقات تحول دون تحقيق التنمية المنشودة وتمثلت تلك المعوقات في نقص المدخول والثروات. وعدم وجود رأس المال الاجتماعي، ونقص الموارد الطبيعية والتخلف الاجتماعي والثقافي والإداري.

وعزا العميد الدكتور محمد حافظ عبده الرهوان في كتابه (الاستراتيجية الأمنية التنموية للشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم) أسباب ذلك التخلف الذي كان على المغفور له بإذن الله الشيخ راشد أن يواجهه عندما كان ولياً لعهد دبي ثم حاكماً لها الى تحديين اثنين هما الفقر والتبعية الاقتصادية للخارج, وفي سبيل القضاء على تلك المعوقات انتهج أسلوباً جديداً في التعامل مع مشكلات التنمية.

دبي إمارة نفطية

وكان المغفور له بإذن الله الشيخ راشد مصمماً على أن تصبح دبي إمارة نفطية خاصة بعد أن بدأت بوادر الانتعاش تظهر في اقتصادات دول مجاورة مثل المملكة العربية السعودية, البحرين والكويت. وبعد أن أظهرت تقارير جيولوجية مؤشرات ايجابية على وجود النفط في دبي.

تم تشكيل شركة امتيازات البترول المتحدة في عام 1935 ومنحت حكومة دبي هذه الشركة امتياز التنقيب عن النفط في أراضيها في عام 1937 وذلك بعد مرور خمس سنوات على اكتشاف النفط في البحرين التي شهدت ازدهاراً لم يسبق له مثيل وأصرت دبي على توظيف مواطنين من دبي في الشركة على ان اندلاع الحرب العالمية الثانية أوقف عمليات التنقيب عن النفط في دبي مما اجل دخولها عصر الازدهار النفطي.

ثم استؤنفت عمليات استكشاف النفط بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزراها، ولم يكن الشيخ راشد، الذي كان يقوم آنذاك بالتفاوض بالنيابة عن أبيه يشعر بالارتياح تجاه الشروط التي كانت تنص عليها اتفاقيات التنقيب عن النفط مع بعض دول المنطقة والتي تحصل بموجبها حكومات تلك الدول على عشرين بالمئة فقط من الأرباح.

وقد استطاع الشيخ راشد ببراعته التفاوضية ان يطالب بحصة متساوية من الدخل المحصل من النفط مناصفة مع شركة النفط الإنجليزية الإيرانية ( أنجلو إيرانيان أويل كمباني ) ولدهشة العاملين في صناعة النفط قبلت الشركة بشرط الشيخ راشد. مع ذلك فان اكتشاف النفط في المناطق البرية لم يصادف نجاحا.

فأوقفت الشركة الحفر وأعيد الامتياز إلى الحكومة في عام 1971. ولم تتوقف الجهود لاستكشاف النفط حتى تم العثور على الذهب الأسود في المناطق البحرية وبالتحديد في حقل (فتح) في عام 1966 فكان ذلك إيذانا بدخول دبي عصر النفط وقد اختار الشيخ راشد بنفسه اسم فتح لأول حقل نفطي ليكون بمثابة فاتحة خير على البلاد وشعبها، وكانت حكومة دبي قد أنشأت قبل ذلك شركة نفط دبي (دي. بي. سي) في عام 1963.

وفي اتحاد قوي من الشركات العاملة في هذا المجال تنضوي تحت لوائه شركة اميريكان كونتننتال ( كونوكو ) وشركة كومباني فرانسيز دوبترول. بالإضافة إلى شركة ربسول الأسبانية وشركة ارد دبليوتي. دي ثى ايه. و. وينترسول.

إنتاج النفط

وبدأت دبي إنتاج النفط رسميا في السادس من سبتمبر عام 1969، إذ تم اكتشاف البترول في المنطقة البحرية في دبي من قبل شركة (دي بي سي) بتاريخ 6 يونيو 1966 باستعمال باخرة الحفر »كلومارتاسمان« ولقد ثبت أن الاكتشاف يشير إلى وجود حقل مهم بعد أن تم حفر بئرين استكشافيين في سنة 1967 جنوب غربي وشمال غربي البئر الأولى وعلى مسافة ميلين.

وقامت شركة بترول دبي بتطوير حقل فتح بأسرع ما يمكن وقد بدأ الإنتاج رسمياً على نطاق محدود بتاريخ 6 سبتمر1969، كما تم بتاريخ 22 سبتمبر1969 شحن أول شحنة من بترول دبي البالغة (180) ألف برميل وبذلك فقد أصبحت دبي بلداً مصدراً للبترول.

وفي 9 نوفمبر عام 1970، تم اكتشاف الحقل البحري الثاني على بعد 10 أميال تقريباً جنوب غربي حقل فتح. وبدأ الإنتاج من حقل جنوب غربي فتح بتاريخ 16 أكتوبر 1972 ويتم نقل إنتاج هذا الحقل بواسطة خط أنابيب إلى خزانات فتح بحيث يتم التصدير منها. وتوالت بعد ذلك عمليات استكشاف النفط في دبي.

فيما قام الشيخ راشد بإبرام اثنتي عشرة اتفاقية في الفترة ما بين أكتوبر 1982 ونوفمبر 1983. وتم شحن أول ناقلة بالبترول في 22 سبتمبر 1969 بحمولة 180 ألف برميل. وفي التاسع من نوفمبر 1970 تم اكتشاف حقل النفط الثاني في جنوب غرب حقل فتح وبدأ إنتاجه في عام 1972

وطالب المغفور له بإذن الله الشيخ راشد في عام 1970 شركات النفط بأن تزيد حصة دبي من دخل النفط من 50% إلى 55% وشهدت أسعار النفط ارتفاعا هائلاً ابان حرب السادس من أكتوبر عام 1973 والتي حقق فيها العرب انتصارهم المشهود على إسرائيل،

وفي عام 1972 جرى حفر بئر استكشافية في حقل فلاح، وبدأ الإنتاج في يونيو 1978، كما اكتشف حقل راشد في عام 1973 وبدأ الإنتاج في مارس 1979، وكذلك تم اكتشاف حقل مرغم في عام 1982.

المكانة الثانية

وتأتي إمارة دبي في المكانة الثانية بعد إمارة أبوظبي، بالنسبة لأهميتها البترولية وذلك من حيث إنتاجها ومن حيث احتياطيها من البترول. وقد تأسست شركة نفط دبي المحدودة ( DPC ).

بالأصل لتشغيل امتياز في البر حصلت عليه شركة ( كونوكو ) في دبي سنة 1963 وفي سنة 1964 قامت الشركة ببيع قسم من الامتياز المذكور إلى شركة دويج ارزاويل (دي أي أي) والتي أصبحت تابعة لشركة تكساكو والى شركة بترول صن أويل.

وحيث ان التحري والآبار الاختيارية الثلاث التي تم حفرها لم تسفر عن نتائج فقد أعيد الامتياز إلى الحكومة في سنة 1971. وفي عام 1963 حصلت شركة (دي بي سي) لحساب (كونوكو) على نصف الحقوق في امتياز المنطقة البحرية والتي كانت ممنوحة إلى شركة دبي للمناطق البحرية.