استعادت إمارة دبي حقوق الامتياز على مواردها النفطية البحرية من شركة كونوكوفيليبس في سلاسة وهدوء، مسجلة بذلك حالة أخرى في التاريخ ضمن الحالات القليلة التي جرى فيها الانتقال السلمي والهادىء لثروة نفطية إلى المالك الأصلي، وبالتالي، لم تصنف هذه الحالة ضمن الحالات المثار حولها الكثير من الجدل السياسي حول بواعثها والعوامل المحركة
، بل تناولتها أقلام المحللين على أنها صفقة ترتكز على جوانب فنية وتجارية محضة، ومن ثم لم يجد الأطراف المعنية صعوبة في إخراجها على الملأ، وهم يشعرون بكامل الرضا.
ولم تتلقفها وسائل الإعلام على أنها قضية خلافية جديدة على غرار القضايا الأخرى الناشبة في مناطق مختلفة من العالم، بدءاً من روسيا ومرورا بالقارة الإفريقية وانتهاء بدول أميركا اللاتينية المنتجة للنفط، بل ولم يجر إدراج الصفقة ضمن خانة حالات تأميم الموارد النفطية التي شهدتها منطقة الخليج في تاريخها المعاصر.
وما استرعى الانتباه أن البيان الصادر عن الأطراف المعنية، قد امتلأ بالعبارات التي تعبر عن الامتنان والتقدير سواء من جانب حكومة دبي أو من جانب شركة كونوكو فيليبس، ورغم أنه لم يسبق البيان أي علامات أو مؤشرات خارجية تدل على ما يدور في الكواليس والحجر المغلقة، إلا أن الطريقة التي تمت بها صياغة البيان، دلت على اتفاق الأطراف على تفاصيل كافة الأمور،
بما فيها صيغة البيان النهائي، وهو ما مثل بالنسبة للبعض دليلا على السلاسة التي جرت بها المفاوضات، بحيث جاء إخراج نتائجها بطريقة تعبر عن رضا الجانبين عنها، وبأسلوب ينم عن أن هذه النتائج جاءت متسقة ومنسجمة مع مصالح كل منهما،
وهو الأمر الذي دفع البعض إلى التساؤل عن ماهية المصالح التي على أساسها تم التوصل إلى هذا الاتفاق التاريخي، وماهية الحسابات التي على ضوئها أدار كل طرف أجندته التفاوضية، بحيث جاءت تعبيراً عن القواسم المشتركة لشبكة من الحسابات والمصالح.
وكانت حكومة دبي قد أعلنت في الأسبوع الماضي نهاية أول امتياز تاريخي تحصل عليه شركة بترول في حقول نفط دبي البحرية وبداية حقبة جديدة تتولى فيها إمارة دبي السيطرة المباشرة على مواردها البترولية البحرية، وتجدر الإشارة هنا إلى أن شركة بترول دبي التي أدارت الإنتاج في تلك الحقول على مدى 40 عاما هي شركة مملوكة بالكامل لشركة كونوكوفيليبس ConocoPhillips (المدرجة في بورصة نيويورك بالرمز COP)
ولجزء من كونسورتيوم شركات DPC/Dubai Marine Areas Limited ('DUMA') الذي يوجد فيه نصيب لشركات توتال Total (فرنسا)، وريسبول واي.بي.إف Respol YPF (أسبانيا)، آر.دبليو.إي RWE (ألمانيا)، وكذلك (من خلال شركة وينترشول Wintershall) بي.إيه.إس.إف BASF (ألمانيا).
عناصر الاتفاق
وخرج الاتفاق على الملأ على هيئة بيان، أعلنت بموجبه حكومة دبي اليوم وشركة بترول دبي عن اتفاقية مشتركة سوف تغير دور شركة بترول دبي في تشغيل حقول نفط دبي البحرية في إبريل 2007،
معلنة بذلك نهاية أول امتياز تاريخي تحصل عليه شركة بترول في حقول نفط دبي البحرية وبداية لحقبة جديدة تتولى فيها إمارة دبي السيطرة المباشرة على مواردها البترولية البحرية، وتضمن البيان العديد من العبارات ذات مغزى ودلالة مهمين سواء بالنسبة لحكومة دبي أو بالنسبة لشركة كونوكو فيليبس:
أولا: ورد في البيان على لسان عبد الله عبد الكريم ممثل حكومة دبي أن
الإنتاج سيستمر فترة أطول من فترة اتفاق الامتياز، وهو ما يحمل معنى مباشراً مفاده أن إلغاء حقوق الامتياز الممنوحة ليس معناه توقف حقول النفط البحرية محل الامتياز عن الإنتاج، وانه لا توجد أدنى صلة بين عملية الإنتاج ومسألة حقوق الامتياز.
ثانيا: لم يفت على واضعي البيان التأكيد على أن المحصلة النهائية قد حظيت بالرضا المتبادل، وبالتالي، حفل البيان بعبارات تنم عن مشاعر التقدير والامتنان للجانبين، فمن جانب قال عبد الله عبد الكريم ممثل حكومة دبي إن تاريخ تأسيس علاقتنا مع كونسورتيوم (DPC/DUMA) يرجع إلى عام 1961.
وقد خدمت هذه العلاقة مصالح دبي جيداً عبر السنوات، كما أعرب عن امتنان حكومة دبي لكونوكوفيليبس، للدور الذي قامت به في بناء دبي الجديدة، مشيراً إلى أنه وبعد مضي 40 سنة فمن الواضح أن الإنتاج سوف يستمر لفترة طويلة بعد انتهاء أجل اتفاقية الامتياز.
وأن جميع الأطراف تتفق على أنه حان الوقت المناسب لبداية عصر جديد والقيام بعملية التحويل إلى الحكومة، ومن جهته قال بيل أرنولد، رئيس شركة بترول دبي «DPC»: إن الشركة تشكر حكومة دبي على هذه الفرصة الفريدة التي حظيت بها للمشاركة في النمو والنجاح الذي حققته دبي عبر الأربعين عاماً الماضية.
ثالثا: تضمن البيان الإشارة إلى أن التعامل في نفط دبي سيستمر بشكل حر في سوق النفط الدولية بموجب التعاقدات التي أبرمتها الحكومة ومؤسسة نفط دبي وهي شركة جديدة تملكها بالكامل حكومة دبي،
وهو ما يعني أن الاتفاق لا يحمل أي تغييرات على حقوق الغير فيما يتعلق بالتعاقدات المبرمة، ولا ينطوي كذالك على أدنى تغييرات فيما يتعلق بأسلوب التعامل التجاري في إنتاج الحقول، ولا يؤثر أيضا على كميات النفط المطروحة في الأسواق الدولية.
حسابات الطرفين
وبدا واضحا للمحللين أن قضية الإنتاج تعتبر المحرك الرئيسي للأطراف في الدخول في مباحثات أسفرت عن التوصل إلى اتفاق على هذا النحو،علي اعتبار أن هذا الاتفاق سيسهم في زيادة إنتاجية وإطالة عمر حقول إنتاج النفط البحرية الأربعة وهي فتح،
وفتح الجنوبي الغربي، وراشد وفلاح، ووفقا للأرقام، فقد تراجع الإنتاج النفطي للإمارة من 350 ألف برميل يوميا في عام 1995 إلى حوالي 140 ألف برميل يوميا في عام 2005، وسجل الإنتاج في عام 1991 أعلى مستوى له، بوصوله إلى 400 ألف برميل يوميا.
ويبدو أن الطرفين قد انطلقا من حسابات معينه في رؤيتهما لتكاليف تطوير الحقول النفطية، بحيث مثل الاتفاق تعبيرا عن القواسم المشتركة بينهما، ولعل المصلحة الرئيسية لحكومة دبي تتمثل في تطوير معدلات إنتاجها النفطي واحتياطياتها من موارد الطاقة، وتعد هذه المصلحة قيمة عليا في حد ذاتها، تتدنى إلى جوارها أية اعتبارات أخرى، ولهذا أخذت على عاتقها هذه المسؤولية.
وبمعزل عن أية حسابات أخرى، فإن المنطق الاقتصادي الرئيسي الذي ربما انطلق منه موقف حكومة دبي بخصوص هذه القضية الحساسة أن هناك إمكانيات ضخمة لتطوير هذه الحقول،
حيث يسمح التقدم التكنولوجي في مجال صناعة النفط بتطوير بدائل عديدة في مجال التنقيب عن النفط واستخراجه وإطالة أعمار الحقول وزيادة كفاءة الإنتاج، حيث أنه على الرغم من تراجع الإنتاج النفطي للإمارة، إلا أنه ما زال يسهم بحصة نسبتها 10% من إجمالي الناتج المحلي للإمارة.
وتنسجم هذه المصلحة التي تتبناها أمارة دبي مع الأهداف العامة للإستراتيجية النفطية للدولة ككل، حيث تخطط الدولة لزيادة قدرتها الإنتاجية من النفط إلى 3.5 ملايين برميل يوميا خلال السنوات الخمس المقبلة من 2.6 مليون برميل يوميا في الوقت الحالي، وأن المخطط أن يزيد الإنتاج بمقدار 100 ألف برميل يوميا بحلول نهاية عام 2006 ليصل إلى 2.7 مليون برميل يوميا.
وتوفر أسعار النفط المرتفعة منطقا تجاريا يحفز على ضخ المزيد من الاستثمارات لتطوير الحقول النفطية للإمارة، حيث تحوم حول 70 دولاراً للبرميل، مما يجعل هناك إمكانية كبيرة لاسترداد تكاليف تطوير الإنتاج. وذلك على خلاف الحال في الماضي، عندما قللت أسعار النفط المنخفضة الحافز لضخ استثمارات في قطاع الصناعة النفطية والأنشطة الاستخراجية.
وإذا كان ارتفاع تكاليف الطاقة، قد دفع الكثير من الدول المستهلكة إلى البحث عن موارد جديدة للطاقة، راصدة استثمارات ضخمة في هذا المجال، فإن مهمة تطوير الحقول النفطية المتواجدة تبدو مهمة أقل صعوبة من استخراج الطاقة من موارد الطاقة الشمسية والرياح وغيرها من الموارد.
وربما لا تشكل الحقول النفطية في دبي بالنسبة لشركة كونوكو فيليبس نفس الأهمية التي تمثلها بالنسبة لحكومة دبي، إذ تعتبر الشركة من كبريات شركات النفط العالمية، وتمتلك حجماً ضخماً من الاحتياطيات،
وبالتالي، فهي على ما يبدو أقل إصرارا والتزاما بضخ المزيد من الاستثمارات في استخدام تقنيات تكنولوجية جديدة لتطوير حقل النفط في الإمارة، وذلك بالمقارنة مع التزام حكومة دبي.
وهكذا، التقت مصلحة الطرفين على أرضية ضرورة التنقيب عن الخيارات الأخرى لتطوير إنتاجية الحقول النفطية للإمارة، بما في ذلك أن تأخذ حكومة دبي بيديها مسؤولية تطوير هذه الحقول،
وضخ الاستثمارات المطلوبة لتحقيق هذه الغاية، وكان وقوع اختيار الطرفين على هذا البديل، هو بمثابة الحل العملي والواقعي والذي على أساسه تم بناء الاتفاق ليؤسس بذلك مرحلة جديدة في تاريخ الإمارة النفطي.
دبي ـــ مجدي عبيد
