في المقال السابق (البيان - 2 يوليو)، شكّل «المزارع» الذي يعمل بصفة (عامل كهرباء) الصورة المؤسفة التي تعكس الافتقار إلى عمّال وموظّفين وإداريين أصحاب كفاءة في كافّة المهن في مدننا العربيّة، أمّا التبرير فغالباً ما يكون أنّه «في سبيل السيطرة على الكلفة والحفاظ على سعر مقبول، علينا أن نحضر بيدٍ عاملة رخيصة».

ترانا، بطريقة غريبة في عالمنا العربي، نحبّ دائماً التبريرات غير المنطقية، نبحث دائماً عن تبريرات خالية من المعنى، نقتنع بها وندعها ترافقنا سنة بعد سنة، قرن بعد قرن، فلا نعود نميز بين حقوقنا وواجباتنا.

أحدٌ ما أقنعنا منذ زمن أنّ السيطرة على الكلفة تتعلّق باليد العاملة الرخيصة، ومنذ ذلك الحين ونحن نطبّق ذلك في كلّ عمل تقريباً، في المطاعم، المصابغ، الصيانة، المستشفيات، المتاجر الكبيرة، محلاّت البيع، المكاتب، البناء...، وما إليه... وما إليه...

ولكن، هل سأل أحد ما في القرن الحادي والعشرين، ما نتيجة اليد العاملة الرخيصة، اليد العاملة غير الكفؤة، على مجمل كلفة أيّ عمل من الأعمال؟ وكيف يسعنا أن نتحكّم في السيطرة على أيّ شيء وبين أيدينا نتائج مفزعة؟

هل سأل أحد ما في القرن الحادي والعشرين، في اقتصادٍ تقوده بامتياز الأعمال الخدماتيّة، كيف يمكننا السيطرة على الكلفة فيما تُكبدنا اليد العاملة بكلفة متدنّية ثلاثة أضعاف الثمن لنحافظ على العميل، فيما تُكبدنا اليد العاملة بكلفة متدنّية ثلاثة أضعاف الثمن لنصلح بيوتنا، سيّاراتنا، ثيابنا، والأكثر خطراً، لنعالج صحّتنا؟

وما يزيد الأمر تعقيداً، أن عدم الكفاءة في القطاعات المختلفة لم يعد يعني فقط الاختصاص أو الخبرة، ولكن أخذت ظاهرة بالتفشي بيننا اليوم تسمى «بالخمول الفكري»، فحتى ذوو الاختصاص أخذوا يتجاهلون حقيقة أن أكثر العضلات أهمية في الإنسان موجودة في عقله، وأنه كلما جعلوا هذه العضلة تمارس عملها، اكتشفوا أكثر فأكثر روعة حس المسؤولية وإمكانية التطور!

مثلاً: ..... يقضي عمل شركة لتقدير التكاليف باحتساب الكلفة. وهذا أمر منطقيّ! ولو سألتَ هذه الشركة المتخصّصة، في العام 1950، عن سبب إنتاجنا بيوتاً ومباني متشابهة، لكان جوابها للسيطرة على الوقت وبالتالي للسيطرة على الكلفة.

ولو أعدتَ طرحكَ السؤال ذاته في العام 2006، لَبَقِي الجواب نفسه أنْ للسيطرة على الوقت وبالتالي للسيطرة على الكلفة، إنّما بفارق بسيط وهو أنّ ذلك من أجاب على سؤالك منذ 56 سنة مضت، أصبح اليوم رئيس مجلس إدارة هذه الشركة، ومن يجيب عن أسئلتك بأجوبة خلابة اليوم محتملاً أن يكون رئيس مجلس الإدارة المستقبليّ بعد 56 سنة. وأليس هذا أمراً رائعاً؟

ولكن هل يصحّ، عمليّا، أنّه يمكن لطاقم متدرّب، يقوم بتكرار العمليّة نفسها مرّة بعد مرّة، إنّما في كلّ مرّة يعمل على شكلٍ ماديّ مختلف في العمليّة نفسها، أن يعمل بالسرعة نفسها التي يعمل بها أيّ فريق آخر يقوم هو أيضاً بتكرار العمليّة نفسها مرّة بعد مرّة، إنّما يقوم باستمرار ببناء الشكل نفسه؟

لعلّك على الأرجح تصطدم بالصمت التام على السؤال أعلاه، لذلك دعونا نعمل على تمرين صغير؛ تمرين بشأن أربعة بنّائين يبنون جدراناً بقوالب من الاسمنت.

يبني البنّاء الأوّل خمسة جدران بارتفاع متساوٍ وطول متساوٍ؛ ويبلغ ارتفاع كلّ جدار أربعة أقدام وطوله عشرة أقدام.

ويبني البنّاء الثاني خمسة جدران بارتفاع غير متساوٍ وطول غير متساوٍ، إنّما بمساحة إجماليّة هي نفسها؛ فكلّ جدار يحتلّ مساحة 40 قدماً مربّعاً.

ويبني البنّاء الثالث خمسة جدران بارتفاع متساوٍ إنّما بطول غير متساوٍ، ولا يمكن ان عدداً صحيحاً من نصف القوالب إكمالُ طول هذه الجدران.

ويبني البنّاء الرابع خمسة جدران من مساحة إجماليّة هي نفسها كما في السابق، غير أنّ طول كلّ جدار يختلف عن الآخر وارتفاع كلّ منها كناية عن مجموعات مختلفة غير صحيحة للقوالب، بالإضافة إلى أنّ لكلّ جدار قمّة مختلفة يعمل البنّاء عليها، فأحد الجدران له قمّة ناتئة، وآخر له قمّة مستديرة... وما إليه... وما إليه...

أيّ من هؤلاء البنّائين يُنهي عمله قبل الآخرين؟ وهل يسعنا التفكير في سرعتهم أملاً باقتراح تبرير مختلف عن تبريرات العام 1950 والعام 2006؟

الجواب، في الأسبوع المقبل.

zena@arabianocept.com