بدأت الاستثمارات التي تتدفق على القطاع الصناعي في الصين تنخفض تدريجياً وببطء بعد سنوات من النشاط والنمو بما يفيد أن الصين بدأت تفقد جاذبيتها كقاعدة للإنتاج الصناعي منخفض التكلفة.

وظلت الصين لأربع سنوات أكبر مستقبل في العالم للاستثمارات الأجنبية المباشرة، وساهمت هذه الأموال في جعل الصين قاعدة صناعية عالمية. لكن نصيب الصين من هذه الاستثمارات انخفض بشكل طفيف في 2005 باستثناء بعض الصفقات السريعة في القطاع المالي.

وقد انخفضت الاستثمارات الأجنبية بنسبة 6.5% في النصف الأول من العام الجاري، بعد انخفاض بنسبة 12% في يونيو. ويتراجع نصيب الاستثمارات الأجنبية من إجمالي الاقتصاد الصيني بمعدل أسرع في ظل استمرار نمو الاقتصاد بمعدل 10% سنوياً.

ولا تزال الاستثمارات الأجنبية المتدفقة على البلاد كبيراً ويصل إلى 60 مليار دولار سنوياً، وهو دليل على أن الصين لا تزال تجذب أموالاً جديدة. لكن تراجع معدل نمو التدفق كبير في ظل أن الصين تشتهر بأنها أكبر قوة جذب لأموال الشركات الأجنبية.

وهناك عدة عوامل تضافرت ليحدث ذلك، فغالبية الصناعات التي يمكن أن تزيد أرباحها بنقلها إلى الصين قد انتقلت بالفعل، فيما قواعد الإنتاج الدنيا بدأت تهاجر إلى مناطق أرخص في تكلفة الإنتاج. وفي الوقت الذي تهتم فيه الشركات متعددة الجنسيات بدرجة أكبر بالصين من مجرد قاعدة لتصدير السلع المصنعة فإن صعوبة شراء شركات داخل الصين ومحدودية مشاركة رأس المال الأجنبي في قطاع الخدمات تحد من جعل هذه القنوات محركاً كبيراً لجذب الاستثمارات.

ويقول شيانغ بينغ عميد كلية تجارة تشيونغ كونغ لصحيفة وول ستريت جورنال إنه يتعين على الصين أن تفكر في وضعها في السنوات العشر المقبلة. وأضاف ان الشركات العالمية لن تضع كل البيض في سلة واحدة، وهناك حوافز لتنويع أماكن الاستثمار.

ويقول المسؤولون الحكوميون إنهم لا يقلقون بسبب انخفاض الاستثمارات الأجنبية لكنهم يعترفون بأن بعض الشركات الأجنبية بدأت تبحث في أماكن أخرى لأن الأجور والأسعار في الصين ارتفعت.

ويقول تشنغ جينغ بنغ المتحدث باسم المكتب الوطني للإحصاءات يحتمل أن تكون التكلفة ارتفعت بالنسبة لبعض المستثمرين الأجانب، وهناك دول أخرى تبذل جهوداً أيضاً لجذب الاستثمارات الأجنبية.

وبدأت الاستثمارات الأجنبية في دول جنوب شرق آسيوية مثل ماليزيا واندونيسيا ترتفع عقب انخفاض لسنوات في أعقاب الأزمة المالية لعام 1998، حتى فيتنام التي كانت مغلقة أصبحت نقطة ساخنة للتصنيع حيث تستطيع توفير ظروف أقل تكلفة من الصين لاستثمارات الشركات الأجنبية.

ولا يتوقع أحد هروب الاستثمارات الأجنبية من الصين لأن السوق المحلية العملاقة وجودة البنية التحتية لا تزال تجذب كثيراً من الشركات. لكن بعض رجال الأعمال مثل ليه هوا من تايوان بدأوا نقل عملياتهم في الخارج بحثاً عن أسعار أقل.

ويدير هوا شركة أغذية، وفتح مصنعاً في إقليم قوانفدونغ الجنوبي في الصين عام 1995. وساعده ثقل الإنتاج على خفض تكلفة الإنتاج بنسبة 50% مقارنة بتايوان.

لكن ارتفاع الأجور في الصين يأكل في هذه النسبة منذ ذاك الحين، لذلك فتح مصنعاً في فيتنام عام 2004 يمثل 60% من إنتاج شركته الإجمالي ويتوقع هوا انخفاض تكلفة الإنتاج في العام الجاري بنسبة 35% عن نظيرتها في مصنع الصين بفضل انخفاض الأجور والإيجارات وقال هوا لقد حان الوقت لنبحث الإنتاج خارج الصين للحفاظ على نسبة الأرباح.

وتضع شركات تايوان الآن كثيراً من الاستثمارات في دول آسيوية أخرى، وكانت من بين أوائل الشركات التي نقلت قواعد الإنتاج إلى بر الصين الرئيسي للاستفادة من انخفاض التكلفة. والشركات التايوانية من أكبر المستثمرين في فيتنام الآن.

لقد أصبحت الصين ضحية نجاحها، فقد انتقلت كثيرا من الصناعات الإلكترونية الآسيوية إلى الصين لدرجة أنه لم يعد هناك صناعات أخرى لتنتقل إليها الآن. وهناك حدود لضخ الاستثمارات بالنسبة لكبار المستثمرين الآخرين.

والاستثمارات من اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان إجمالاً هي الأكبر في الصين مقارنة بالاستثمارات الأميركية والأوروبية كل علي حدة. وانخفضت استثمارات الدول الثلاث الأولى 6.5% عام 2005، وبنسبة 31% في النصف الأول من العام الجاري.

وانخفضت الاستثمارات الأميركية المباشرة في الصين بمعدل منتظم سنوياً منذ 2003، حسب الإحصاءات الرسمية العينية.

ويقول توموهارو واشيو الباحث في منظمة التجارة الخارجية اليابانية إن الكثير من الشركات اليابانية اكتفت بالاستثمارات الحالية في الصين. مثلاً شركة هوندا موتورز بدأت مضاعفة طاقتها الإنتاجية في الصين عام 2004وتعتزم استكمال هذا البرنامج في العام الجاري.

وتركز كثير من الشركات اليابانية على زيادة الطاقة الإنتاجية في السوق المحلية مع انتعاش الاقتصاد المحلي.

لكن تراجع الاستثمارات الأجنبية ليس بالضرورة سيئا بالنسبة للصين، فالحكومة تحاول تهدئة الاستثمارات المحلية خوفاً من التسارع غير المحمود للنمو الاقتصادي، وبالتالي فإن تراجع الاستثمارات الأجنبية قد تخدم هذا الغرض. كما أن هذا التراجع قد يخفف من الخلل الخارجي الذي شكّل ضغطاً على الصين لرفع قيمة اليوان.

ولن يكون صعباً أن تجذب الحكومة استثمارات أجنبية أكثر إذا أراد مسؤولوها ذلك. فقد انفتحت شهية الشركات الأجنبية عندما أعلنت الصين عن بيع بعض أصول الشركات الحكومية، وهو برنامج جذب 12.1 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة عام 2005. ويرى المتفائلون في ذلك دافعاً للشركات الصينية لخفض تكلفة الإنتاج.

ترجمة أشرف رفيق